
القراءة علمياً
تختلف القراءة عن المشاهدة في أن الأولى يُبذل فيها جهد ذهني أكبر، إذ يتعين عليك قراءة الكلمات وتخيل معانيها بنفسك، وهذا غير متوفر في تجربة المشاهدة التي تمنحك المعاني مجسدة دون مجهود ذهني مماثل. ليس هذا حطاً من شأن المشاهدة؛ فالمشاهدة لها فوائدها ومميزاتها الخاصة، ولكننا في مقالنا هذا نركز على أهمية القراءة وفوائدها.
القراءة تعمل على تطوير المخ، ومع تكرار القراءة ونتيجة لما شرحناه في الفقرة السابقة يحدث ما يسمى باللدونة العصبية، فتصبح الروابط بين خلايا المخ أقوى، وتتكون مسارات عصبية جديدة، كما تتحسن كفاءة نقل المعلومات داخل الدماغ. القراءة لا تملأ المخ بالمعلومات فحسب، وإنما تعيد تشكيله بيولوجياً.
ما يحدث في المخ أثناء القراءة يشبه الأوركسترا المتكاملة، إذ تنشط العديد من أجزاء المخ في آن واحد، في تعاون متناغم له أفضل الأثر على عقل الإنسان. ينشط الفص الخلفي فيستقبل الحروف والكلمات، ثم تنشط منطقة تسمى بروكا وويرنيكه، تقوم بتفكيك الكلمات ومعانيها وتخيل نطقها حتى وإن كنت تقرأ في صمت، قبل أن يقوم الفص الأمامي بالتحليل وربط الأفكار بعضها ببعض للوصول إلى استنتاج.
كما تشير الدراسات إلى أن القراءة المنتظمة تحسن من عمل الذاكرة العامة، حيث تزيد من قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات لمدى أطول، وتجعل استرجاعها أقوى وأدق، فالقارئ الجيد يكون أكثر قدرة على تذكر التفاصيل واستحضار الأفكار والربط بين الأحداث. وتبطئ القراءة كذلك من تدهور الدماغ، إذ تعمل على خفض خطر الإصابة بالخرف، والحفاظ على النشاط العقلي رغم التقدم في السن.
كما تساعد القراءة القارئ على أن يكون إنساناً أكثر تفهماً وتعاطفاً، إذ يعمل المخ الحوفي المسؤول عن المشاعر على تنشيط التفاعل مع الأشخاص والأحداث، حيث تزيد القراءة من القدرة على تقمص وجهات نظر مختلفة، وهنا يصبح للروايات أهمية خاصة، إذ إن قراءة الروايات قادرة على تحفيز نشاط المخ الحوفي أكثر من قدرة الكتب غير الروائية على فعل ذلك.
في عالم مجنون مليء بالتوتر تقوم القراءة بتقليل التوتر، عن طريق خفض معدلات ضربات القلب وتقليل هرمون التوتر: الكورتيزول. تشير بعض الدراسات إلى أن القراءة قادرة على تهدئة الإنسان أكثر من الاستماع إلى الموسيقى أو المشي، إذ تضع العقل في حالة شبيهة بحالة التأمل.
وبمناسبة الحديث عن التأمل ننتقل إلى فائدة أخرى من فوائد القراءة مرتبطة بعالمنا المليء بالمشتتات، وهي أن القراءة تساعد على تحسين التركيز والانتباه، إذ تدرب الدماغ على التركيز العميق. ومن هنا يمكن الرد على غير القادر على القراءة بسبب عدم قدرته على التركيز، فالقراءة ذاتها تمرين يزيد من القدرة على التركيز وتقليل التشتت.
ولكن كما ذكرنا، بسبب كثرة المشتتات والتوتر في عالمنا المتطور، قد تكون القراءة ثقيلة جداً لدى البعض، وهنا ننصح بأداء تمارين التأمل التي ستساعدك على التركيز لوقت أطول. كما نرشح قراءة المقالات والقصص القصيرة، وليس الكتب أو الروايات الطويلة، أو الاستعانة بـ ChatGPT في الحصول على مادة قراءة جيدة وموجزة في الوقت ذاته، فبدلاً من الوقوع في فخ التشتت بسبب التطور التكنولوجي يمكنك التصرف بإيجابية وتحويله إلى وسيلة تخدمك لا تستهلكك.
القراءة عملياً
إليك بعض النصائح العملية إذا ما قررت القراءة. أولها أن عليك الموازنة بين قراءة الكتب غير الروائية والروايات، فالكتب تمنحك المادة الخام للمعرفة، ولكن الروايات تساعدك على التعاطف والتفهم. لا يصح القول إن الكتب غير الروائية أو الروايات أحدهما أكثر أهمية من الآخر؛ فمن يقرأ الروايات فقط سيكون قادراً على تذوق الجمال، ولكنه لن يقدر على التفكير العميق والمجرد، ومن يقرأ الكتب فقط سيكون لديه مخزون فكري جيد، ولكنه سيكون غير قادر على التخيل، وسيكون ذا حساسية إنسانية شحيحة.
ثانياً، في عالم القراءة هناك ما يسمى بأمهات الكتب، وهي أهم الكتب في التاريخ، التي ينبغي على الجميع قراءتها، حتى يصبح مواكباً للقراء من حوله، ومنها: الموجز في التحليل النفسي، أصل الأنواع، 1984، ألف ليلة وليلة، الإلياذة، الأوديسة، الجريمة والعقاب، أوديب ملكاً، الحرب والسلم، العجوز والبحر، الكوميديا الإلهية، دون كيخوتي، المسخ، عطيل، مئة عام من العزلة، هاملت، ثلاثية نجيب محفوظ: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، الحرافيش، أولاد حارتنا، رجال في الشمس، الخبز الحافي، الحرام، شرف، عمارة يعقوبيان، الزيني بركات، باب الشمس، الحب في المنفى، عزازيل، فساد الأمكنة، كليلة ودمنة.
أخيراً، فصدقاً إن تجربتي مع القراءة كانت مختلفة؛ لم أقرأ الكثير من أمهات الكتب هذه، بل إن أغلبها لم يعجبني قط، ولذلك أذكر لكم أهم وأفضل ما قرأت من وجهة نظري المتواضعة، أمهات الكتب الخاصة بي، والتي أعتقد أن قراءتها في غاية الأهمية بالنسبة للمواطن المصري بصفة عامة، وبالنسبة للكاتب المصري بصفة خاصة، وهي: ذكر شرقي منقرض، كنت رئيساً لمصر، استعمار مصر، الثورة، تراب الماس، الحب فوق هضبة الهرم، قلب الليل، الحارس في حقل الشوفان، المسخ. بالإضافة إلى قراءة المقالات التي تتناول موجز تاريخ مصر والعالم، ومقدمة في علم النفس والفلسفة واللغة العربية وغيرها من العلوم المهمة بالنسبة للكاتب، والمرتبطة بمجال عمله، وتلك هي مجموعة مقالات ما يحتاج الكاتب معرفته ستجدونها على هذه المدونة. كما نشدد على قراءة كتب تعليم الكتابة، منها: فن الشعر ودليل السيناريست، وسلسلة مقالات كيف تكتب قصة على مدونة ميدو يكتب.
تم.
اكتب لنا رأيك في التعليقات، وشارك المقال ليصل للمزيد من الأشخاص.