تبدأ المعاناة من اللحظة الأولى التي تقرر فيها البحث عن عمل؛ حيث تجد متطلبات غريبة: فتاة محجبة، شاب غير مدخن. والأسباب في كثير من الأحيان ليست أن الراتب متواضع ولن يقبل به ذكر، أو لا يكفي احتياجات مدخن؛ بل إن بعض أصحاب العمل يشعرون بالذنب تجاه الأموال التي سيعطونها لك إذا أنفقتها على التدخين!
قبل أن تجد فرصة مناسبة فتتقدم للوظيفة، لتصطدم بمسؤولي توظيف متعالين بلا مبرر. أحدهم تركني ساعة كاملة منتظراً على أن يبلغ مدير المكان من أجل المقابلة، ولكنه لما عاد صرفني قائلاً: «هنبقى نكلمك». قد يبدو الأمر بسيطاً ولا يستحق كل هذا الغضب، ولكني أرفض المهانة يا أيها الناس، لقد خلقني الله مكرم، أرفض التعالي، أرفض التجبر، وأرفض أن يشعر أحدهم أنه أفضل مني لمجرد أنني في حاجة إلى العمل لديه، أو تحت إدارته، أو لأنه أقدم مني في العمل.
وإن قُبلت في الوظيفة، تدخل في دوامة من الإجراءات البيروقراطية المكلفة مادياً وغير المفهومة؛ قد يطلب منك محل بقالة شهادة خبرة في تعبئة الجبن! وفي وظائف أخرى قد يطلب منك رسوم تقدم للوظيفة. ولقد خدعت ذات مرة بسبب وجاهة الشركة ومظهرها ودفعت الكثير من أجل العمل لديها، وتعرضت للنصب.
ثم تبدأ فترة التدريب؛ أولاً: مقابلها المادي يكون دائماً متواضعاً جداً. وثانياً: تكون محمّلة بكثير من التعقيد، رغم أن العمل في كثير من الأحيان يكون يسيراً. لكن أصحاب العمل يكرهون أن تشعر بأن الوظيفة سهلة! يكرهون أن تظن أنهم سيعطونك الأموال دون مجهود مُجحف، لذلك يرفض أصحاب العمل جلوسك! نعم، إذا حضر صاحب العمل ووجدك جالساً لا تفعل شيئاً، يختلق ما يمكنك أن تفعله.
ودائماً ما يكون حجم الأعمال المطلوب منك أدائها أكبر من قدراتك الإنسانية، لا أعرف كيف يتحمل الكاشير على سبيل المثال أن يتعامل مع الخزينة ومع مئات الأشخاص بشكل متواصل لمدة ثمان ساعات أو أكثر! حين أتحدث عن ذلك قد يبدو وأنني شخص حالم مرفه غير قادر على تحمل ضغوط الحياة، ولكن الحق أقول لكم إن هذه ليست ضغوط اعتيادية يمكن للإنسان تحملها، وإن كان هناك الملايين من المصريين يعملون بهذه الطريقة، وتحت هذه الظروف، فإن ذلك يمنعهم عن الاستمتاع بحياتهم، وقد بات الاستمتاع بالحياة محرماً في زمننا هذا. كما أن ذلك ينعكس على تصرفاتهم في غير هذا السياق، ألق نظرة على جرائم العنف التي انتشرت في السنوات الأخيرة، وسوف تدرك أحد أوجه تأثير هذه الحياة المجحفة على المصريين، الحياة مجحفة على جميع الأصعدة، وليس على صعيد العمل فقط.
ولصاحب العمل – في نظره – الحق في تجاوز حدوده معك إذا أخطأت! أقولها ثانية لقد خلقك الله حراً مكرماً، ليس من حق أي إنسان أن يتجاوز حدوده معك حتى وإن أخطأت؛ لهذا وُجد الخصم والجزاءات. إذا أخطأت في شيء، فليُحمِّلني مسؤولية فعلتي من خلال نقص في راتبي. وسنتطرق إلى أمر الراتب فيما هو آتٍ. ولكن من العجب أن كثيراً من الناس يفضلون التوبيخ والتطاول على الخصم! لا أستطيع إلا أن ألومهم على هذا الهوان، رغم كل الظروف.
هذا بخلاف تعالي الزبائن وتحكماتهم، وكأنك مسخَّر لخدمتهم؛ لا يتعاملون معك على أنك تقدم لهم خدمة مقابل المال، وأنهم في حاجة إليك مثلما أنت في حاجة إليهم، وأن أي مهنة شريفة ينبغي أن يفتخر عمالها ويرفعوا رؤوسهم. إنهم ينظرون إلى الوظائف البسيطة، مثل عمال المقهى أو بائعي المحل، على أنهم أناس أقل شأناً؛ وإلا لما رضوا بمثل هذا العمل المتواضع ذي الراتب المتواضع.
ها قد حان وقت الراتب. لا أعلم لماذا يسكت الناس عن ذلك؛ ليس من الطبيعي أن يكون دخل المحل يفوق خمسة آلاف جنيه يومياً، ويكون راتب العاملين به ثلاثة آلاف جنيه في الشهر! إنها جريمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ ليست فقط جريمة لأن الحد الأدنى للأجور في مصر يقدَّر بسبعة آلاف جنيه، وإنما هي جريمة في حق الإنسانية حين تُطالب إنساناً أن يتحمل حتى نفقاته الشخصية فقط بهذا الراتب شديد الزهد.
إن كان صوتي باهتاً، فإني لا أملك إلاه؛ لا أملك سوى لوحة مفاتيح وموقع إلكتروني، ومن خلاله أطالب الدولة بالتدخل ضد أصحاب الأعمال لحل هذه الأزمة. كما أطالب المواطنين برفض العمل تحت هذه الشروط، وإني لأول من يفعل ذلك؛ سوف أتوقف عن العمل في أي وظيفة يقع فيها أي من الانتهاكات التي ذكرتها، ولن أتوقف عن الرفض حتى يتغير الحال، أو أموت جوعاً!
تم.
