ماذا حدث بعد ثورة يناير؟ من أجل الخطوة التالية

في الخامس والعشرين من يناير 2011م خرجت جموع الشعب المصري ضد حكم مبارك، الذي استمر ثلاثين عامًا، وبعد ثمانية عشر يومًا نجحت الثورة في إسقاط الفرعون، لكنها لم تمتلك مسارًا واضحًا لما بعد الثورة. وفي مقالنا هذا نستعرض ما حدث في مصر بعد ثورة يناير، من أجل عدم تكرار أخطاء الماضي.

ماذا حدث بعد ثورة يناير؟
* * *

في الحادي عشر من فبراير 2011م تنحّى مبارك، وتسلّم المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة. وهنا كان علينا أن ننتبه؛ فالحكم العسكري للبلاد لم يكن شيئًا إيجابيًا، حتى وإن كان مؤقتًا. فمنذ خرج الجيش من ثكناته واعتلى سُلطة البلاد، بعد حركة يوليو، لم نجْنِ سوى الانحدار على كل الأصعدة. لقد قاد محمد نجيب الضباط الأحرار في الانقلاب على الملك، قبل أن ينقلب عليه الضباط الذين تمسكوا بالسلطة، فحكم عبد الناصر، وبعده السادات، وبعده مبارك، وجميعهم كانوا عسكريين. إذًا كان من الخطأ الموافقة على تسليم السلطة للعسكريين مرة أخرى، حتى وإن كان لفترة مؤقتة. وقد أخذ العسكريون بالفعل في المماطلة والتسويف، محاولين سرقة الثورة، ودبروا مذبحة بورسعيد من أجل التخلص من الأولتراس، الذين كان لهم دور مهم جداً في نجاح ثورة يناير، ومن جهة أخرى من أجل إثارة الفوضى التي ستدفع الناس إلى البحث عن عسكري يحكم البلاد ليحميها. وإن كان الداعي الذي يلجأ إليه الجيش دومًا هو قدرته على حماية البلاد، فينبغي أن ندرك أن مهمة الجيش أن يحمي لا أن يحكم. وللأسف، بعد الثورة كان الجيش هو القوة الأكثر تماسكًا وتنظيمًا. إذًا، أول ما يلزمنا هو البحث عن قوة سياسية منظمة قادرة على قيادة البلاد، قوة غير القوة العسكرية. وفي الوقت ذاته ينبغي أن نُثني على قوة الجيش وقدرته على حماية الشعب ووقوفه إلى جواره في ثورة يناير؛ فالجيش درعنا الواقي الذي ينبغي أن نستفيد منه ونعتمد عليه من أجل الحفاظ على الأمن، والحماية من خطر الاعتداء الأجنبي.

بعد الثورة قام الإعلام بتشويه ومحاربة كل الرموز الصالحة، وكان أهمهم حازم أبو إسماعيل، حين أدركوا حقيقة أنه رجل مخضرم قادر على حكم البلاد وردع الفساد، وجدير بالذكر أن أبو إسماعيل تنبأ بانقلاب السيسي، وقد نجح الفاسدون في إزاحته عن الساحة. وكان الإخوان هم القوة السياسية الوحيدة المنظمة القادرة على الحكم، في مواجهة العسكر، المتمثل في الفريق أحمد شفيق، الذي ترشح لرئاسة الجمهورية، في مواجهة محمد مرسي. وبسبب نزعة التدين لدى الشعب المصري استطاع الإخوان اعتلاء السلطة. ولعب محمد مرسي دور محمد نجيب في قصة تاريخية أعادت نفسها؛ فكان محمد مرسي مجرد واجهة، رجل شريف يختبئ الفاسدون من الإخوان خلفه. ولكنه، رغم كل شيء، كان رئيسًا شرعيًا منتخبًا، وكان لا بد من النزول على إرادة الشعب المصري، والسماح لمحمد مرسي بقضاء فترته الرئاسية كاملة قبل الحكم عليه بالنجاح أو الفشل.

لكن ما حدث أن الإعلام أخذ في تشويهه، خاصة في ظل تخوف المسيحيين والمشاهير وتحديدًا الفنانين، من الحكم الإسلامي للبلاد. واستغل الإعلام الحرية التي صبغت حياة المصريين بعد ثورة يناير، والتي لم يعرفوها لسنوات طويلة، ولذلك عجزوا عن التعامل معها بشكل سليم. في الوقت نفسه كان عبد الفتاح السيسي يدبّر انقلابه، الذي بدا وكأنه تأييد لإرادة الشعب، لكنه في الحقيقة أعاد السلطة إلى الجيش، الذي فرض وجوده بالقوة ورفع سلاحه في وجه الشعب. وللأسف، كان الانقسام الحاد في الشارع المصري بين مؤيد للإخوان ومعارض لهم سببًا في عدم رفض المصريين إطلاق النيران على مناصري الإخوان. لقد صعد عبد الفتاح السيسي إلى السلطة بقوة السلاح فوق جثث المصريين المدنيين. حتى وإن كنت تختلف معهم في تأييدهم للإخوان، فإن هذا لا ينبغي أن يتعارض مع رفضك لما حدث لهم؛ إذ يجب على كل إنسان أن يرفض رفع السلاح في وجه المدنيين تحت أي ظرف.

انتُخب السيسي رئيسًا للبلاد، وكانت أولوياته على مدار السنوات التي حكم فيها مصر هي محاربة الإسلاميين، تحت مزاعم محاربة الإرهاب، وسعى بكل ما يملك من قوة لتشويه صورة ثورة يناير، بل ومحوها من ذاكرة التاريخ المصري. لكنه، في المقابل، تجاوز كل الطغاة الذين حكموا البلاد من قبله؛ فلم تشهد مصر في تاريخها تدهورًا اقتصاديًا وحضاريًا كالذي شهدته في عهده. وكان من أهم أسبابه تعويم الجنيه المصري، ورفع الدعم، واهتمامه ببناء القصور والمشروعات الضخمة التي لا يستفيد منها سوى الأغنياء، في حين يغرق متوسّطو ومحدودو الدخل تحت أمواج الفقر وارتفاع الأسعار المجحفة. وتحول السيسي من خطاب وعد الشعب المصري بالتحسن والإصلاح إلى خطاب وقح يتحدث فيه صراحة عن اهتمامه ببناء القصور والمشروعات الكبرى، ويدّعي أن الدولة فقيرة جدًا.

في نهاية مقالنا نخلص إلى أن ثورة يناير لم تفشل، لكنها لم تنجح بعد. كتب وائل غنيم في كتابه الثورة أن تنحّي مبارك هو الفصل الأول في الإصلاح، وليس الأخير. لقد كسرت ثورة يناير حاجز الخوف، وجعلت الشعب المصري يحلم بدولة قوية يعيش شعبها في حرية وكرامة. مرة أخرى: الثورة لم تفشل، الثورة لم تنجح بعد. لقد انتصرت الثورة السورية بعد أعوام من اندلاعها، لنعتبر ما حدث بعد ثورة يناير خطوات شعب يتعثر في طريقه نحو الحرية والحياة الكريمة بعد سنوات طويلة من الظلم والاستبداد، والتخبط بين المستعمرين والطغاة. إننا نحاول إصلاح دولة كانت محتلة لأكثر من مئتي عام، بين العثمانيين والفرنسيين، ومحمد علي وخلفائه، ثم الاحتلال البريطاني، والحكم العسكري، ناهيك عن اعتبار بعض الناس أن الدولة الإسلامية كانت دولة محتلة. إننا نتحدث عن مئات السنين من الاحتلال والفساد، من الطبيعي ألا يتم إصلاح هذه الدولة بسهولة.

لقد كانت حركة 23 يوليو خطوة أولى نحو الإصلاح، لكنها ما كادت حتى انقلبت لصالح الجيش بسبب الفساد الناتج عن الاستعمار. لم يخرج الإنجليز من مصر إلا بعد أن فصلوها عن السودان، وتأكدوا من فساد حكامها، لأن ذلك سيضمن لهم التفوق على هذه الدول المتخلفة، مثلما لم يخرجوا من الهند إلا بعد أن قسّموها إلى دولتين: الهند وباكستان. وكانت ثورة يناير خطوة أخرى نحو الإصلاح، أعادت الحكم إلى الشعب بعد أكثر من ستين عامًا من الحكم العسكري، وستكون الثورة القادمة خطوة أخرى في طريق الإصلاح.

لنتعلم من أخطاء الماضي: لا عسكر ولا إسلاميين. لنحاكم نظام السيسي بالكامل، بما فيه الإعلاميون الذين ساندوه ودعموه، وشوّهوا كل من حاول الإصلاح. لنحاكم كل قيادات النظام، ولنسلّم السلطة إلى يد نثق في نزاهتها. لا مزيد من العسكر، ولا متّسع للإخوان. رفض الإخوان لا يعني رفضنا للدين الإسلامي؛ فالإخوان ليسوا الدين الإسلامي، إنهم مجرد جماعة، ينبغي أن نحترمهم، نحارب الفاسد منهم، وندعم الصالح إن وجد. لنتجنب الفرقة التي قد تقع بين أفراد الشعب من مواطنين متدينين ومسيحيين وفنانين يتخوفون من حكم الإسلام للبلاد. نحن في عصر الدولة الحديثة، لا في عصر الخلافة الإسلامية. لنستفيد من قوة جيشنا وقدرته على حمايتنا، ولنجعلهم حماةً للبلاد عسكريًا لا حكّامًا لها سياسيًا. لنقم انتخابات برلمانية، ولنقم انتخابات رئاسية، ولنسلّم السلطة إلى الشعب، كما كان يطمح محمد نجيب. لنعِد قراءة تاريخنا؛ فالحاضر يبدأ من الماضي، والمستقبل يبدأ من الحاضر. ونحن نملك الحاضر، نحن الأجيال الجديدة التي ترفض الظلم والاستبداد، وترفض القمع والإرهاب، وتتوق إلى الحرية والسلام والتقدم.

في النهاية سوف أقتبس من فيلم غاندي ما قاله بعد أحد الخطابات في سياق مشابه: "قد يعتقلوني، قد يعذبونني، أو حتى يقتلونني، ولكنهم حينها سيكون لديهم جثتي، وليس طاعتي"، أفضل أن أموت في المعتقل، على أن أعيش خائفاً خاضعاً، حتى وإن لم يتغير شيء، لن أحترم نفسي إن لم أتكلم، من السهل أن تتحدث في ظل الحرية، ولكن من القوة أن تتحدث في ظل القمع.

تم.

شارك المقال ليصل للمزيد من الأشخاص.

اقرأ: موجز تاريخ مصر

ملخص كتاب كنت رئيساً لمصر لـ محمد نجيب

ملخص كتاب الثورة لـ وائل غنيم

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال