كرة القدم.. كما عرفتها

كرة القدم.. كما عرفتها
* * *

لم أوفَّق في لعب كرة القدم، رغم اهتمامي الشديد بها. كنت أحيانًا ألعب جيدًا، وأحيانًا أخرى يتدنى مستواي دون سبب واضح. أصبحت مشجعًا للنادي الأهلي لأن الوالد والأخ الأكبر كانا يشجعانه، وأصبحت مشجعًا لريال مدريد لأن الأخ الأكبر كان يفعل ذلك أيضًا، وبطبيعة الحال فضّلت رونالدو على ميسي. لم أختر بنفسي أي شيء.

لكن ما إن نضجت حتى أدركت أن عليّ الاختيار من جديد. عدت لمتابعة كرة القدم بعد فترة من التوقف، وشاهدت مباراة بين ريال مدريد ومانشستر سيتي، قلبها الريال في النهاية لصالحه، ولم يعجبني ذلك. شعرت أنهم لا يستحقون الفوز، وأنهم لا يلعبون كرة القدم بحق. يقول مشجعوه إن هذا ليس عيبًا، وإن الدفاع جزء من كرة القدم، وإنه من المهارة أيضًا أن تستطيع كسب المباراة دون استحواذ. لذلك سأصحح ما قلت، وأضيف أن ريال مدريد لا يلعب كرة قدم ممتعة. في المقابل، أعجبتُ بأسلوب لعب مانشستر سيتي بقيادة جوارديولا؛ هذا اللعب الجماعي المنظم، فقررت أن أصبح مشجعًا للمان سيتي.

ومع تخليّي عن تشجيع ريال مدريد، أعدت النظر في مسألة تفضيل رونالدو على ميسي، واكتشفت أنني فيما مضى كنت سطحيًا. كنت، مثل الكثير من الناس، لا أنظر إلا إلى اللمسة الأخيرة. ولفتت متابعتي للمان سيتي انتباهي إلى دور غير المهاجمين في تسجيل الأهداف. على سبيل المثال، أصبح رودري لاعبي المفضل في مانشستر سيتي، وسعدتُ أيما سعادة حين حصد جائزة الكرة الذهبية، رغم غيابه عن المباريات بسبب الإصابة، التي أثّرت أيما تأثير على مستوى فريقه. وأظن أن هذه الإصابة، وما ترتب عليها من تراجع في مستوى المان سيتي، كانت أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الصحافيين للتصويت لصالح رودري.

لنعد إلى مسألة تفضيل رونالدو على ميسي. كما ذكرت، من الخطأ ألا يهتم المشجعون سوى باللمسة الأخيرة. إن ميسي - على حد وصف جوارديولا - يمسح الملعب بعينيه ليرسم خريطة، يراوغ بناءً عليها لاعبي الخصم قبل أن يسجل الهدف. بينما كرستيانو رونالدو لا يملك إلا اللمسة الأخيرة. وإحقاقًا للحق، فهو بارع جدًا في إنهاء الفرص وتسجيل الأهداف، لكن الأزمة أن هدف ميسي، من حيث القيمة والمجهود، قد يساوي خمسة أهداف من أهداف رونالدو. الأرقام غير منصفة في حق ميسي، رغم تفوقه في معظمها.

كما أن ميسي يملك قدرات غير عادية، لا يدركها جيدًا إلا من لعب كرة القدم. تلك المرونة، وذلك التوازن المذهلان، اللذان يعتمد عليهما في مراوغة اللاعبين ثم تسجيل الأهداف. من الصعب جدًا التحكم في الكرة بهذه الطريقة، ومن الصعب جدًا المرور بها بين اللاعبين بهذا الشكل. ورغم مهاراته الفردية المذهلة، فإنه يحافظ على مبدأ كرة القدم فيما يتعلق باللعب الجماعي. لم أرَ لاعبًا يلوم ميسي على فرصة ضاعت، وكان من الممكن أن يمرر له ليسجل هدفًا. ميسي لا يراوغ ويمر بمفرده لأنه يريد الاستعراض أو تحقيق أرقام قياسية؛ إنه يتخذ القرار الصحيح، القرار المناسب لكل فرصة. ميسي يقوم بدور خمسة أو ستة لاعبين في الملعب، والفريق الذي يلعب ضده يحتاج إلى عدد إضافي من اللاعبين حتى يتحقق التكافؤ بين الفريقين.

ويتسم ميسي كذلك بحسن الخلق، والتواضع، واحترام الزملاء، وتقديم مصلحة الفريق على مصلحته الشخصية. ظهر في فيديو صوّره أحد الصحافيين، أخبره فيه أنه سجل للتو رقمًا قياسيًا، فقال إنه لا يعرف شيئًا عن هذا الرقم، وإن أهم شيء هو الفوز بالثلاث نقاط. هذا ما دفعني إلى تشجيع الأرجنتين في كأس العالم 2022؛ كانت أجمل بطولة كرة قدم تابعتها في حياتي، وقد استحق ميسي الفوز بها، بعد أداء رائع قدمه أمام المكسيك، وهولندا، ثم فرنسا في النهائي. كان زملاؤه يلعبون من أجله لا من أجل أنفسهم، لأنه القائد المثالي الذي يدعم فريقه وزملاءه.

ورغم كل ذلك، فإنني أكنّ لرونالدو كل الاحترام والتقدير، وما زلت معجبًا به وبما يفعله، لكن مقارنته بميسي أو اعتباره منافسًا حقيقيًا له أمر مضحك. وهنا أذكر رد جوارديولا على فوز ميسي بالكرة الذهبية، حين قال إن الجائزة ينبغي أن تنقسم إلى قسمين: قسم لميسي بمفرده، وقسم آخر يتنافس فيه بقية اللاعبين.

شعرت أن كرة القدم توقفت عند فوز ميسي بكأس العالم، وقضيت بعض الوقت بالفعل عاجزًا عن متابعة المباريات. لكنني عدلت عن ذلك، وعدت لمتابعة مانشستر سيتي في دوري أبطال أوروبا، ففاز بالبطولة الأولى في تاريخه بهدف رودري، لاعبي المفضل، قبل أن يحقق جوارديولا لقب الدوري الإنجليزي للمرة الرابعة على التوالي، مسجلًا رقمًا قياسيًا غير مسبوق في تاريخ الدوري الإنجليزي.

وعلى التوازي قررت عدم متابعة كرة القدم المصرية، بسبب الفساد الصارخ الذي كشفته الوقائع مؤخراً، وقد لفتت قضية فلسطين انتباهي إلى سلاح المقاطعة، قررت أن أقاطع كل ما هو فاسد، ولا أعود إليه حتى يتغير إلى الأفضل.

لنعد إلى حديثنا عن المان سيتي، للأسف النجاح الهائل أعقبه سقوط عنيف. موسم قال الجميع إنه موسم للنسيان بالنسبة لبيب جوارديولا، لم يفز فيه بأي بطولة. هنا كان عليّ أن أبحث عن كرة القدم في مكان آخر. لم أتخلَّ عن تشجيع مانشستر سيتي؛ هو ناديّ المفضل مهما حدث، لكنني أريد أن أستمتع، أريد أن أشاهد فريقًا يلعب كرة القدم. لا أحزن حين نخسر؛ لم أحزن كثيراً حين خسر مان سيتي أمام ريال مدريد في دوري الأبطال بركلات الجزاء، لأننا قدمنا أداءً مذهلًا، لكنني أحزن وأضيق حين لا يقدم الفريق أداءً يُحترم، حتى وإن فاز بالمباراة.

هنا بدأت في متابعة برشلونة، بقيادة هانز فليك، وتحول اهتمامي من اللاعبين فقط إلى الاهتمام بالمدير الفني. أصبحت أفكر في كرة القدم بشكل أعمق، ولذلك لا أعرف ماذا سأفعل حين يرحل جوارديولا عن مانشستر سيتي؛ فهو النجم الحقيقي، في وجهة نظري.

تم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال