كنت قد فكرت في الرسم، وجربت حظوظي في الغناء والموسيقى اللذين فتنتُ بهما في الفترة الأخيرة، لكنني وجدت صوتي متواضعًا، ورسمي تقليديًا. لم أشعر أنني قادر على إضافة شيء إلى أيٍّ من المجالين. كنت مهتمًا في الفترة نفسها بالسينما، لكنني لم أنتبه إلى أن هذا مجال يمكنني الخوض فيه، ولم يكن اهتمامي بها قد وصل إلى ذروته. بالإضافة إلى ذلك، لم أكن أقرأ الكتب؛ لم أقرأ كتابًا كاملًا من قبل في حياتي كلها، رغم أنني كنت أدّعي الثقافة، وأسعد بثناء الوالد على وعيي ومعرفتي. غير أنني لم أجد أحدًا في البيت يقرأ الكتب، فلم أهتم بها بدوري. في صباي كنت أبحث على الإنترنت عن أقوال مأثورة، أحفظها وأرددها، لتمنحني زيفًا شعورًا بأنني مثقف. وحين كنت في الصف الرابع الابتدائي حاولت عمل كتاب، أنا وصديقي المقرّب وقتها، سميتُه (نور الضياء)! جمعت مجموعة من الصفحات الفارغة في الكراسات القديمة، ووضعتها معًا في كتاب واحد. كتبت في صفحته الأولى مقولة نجيب محفوظ: "عندما لا يكون عندي ما أكتبه أشعر كأني ميت"، وكنت قد عرفت من درس قراءة درسناه في المدرسة. كان الكتاب مقسّمًا إلى عدة أقسام: قسم للقصص، وقسم للضحك، وغيرهما.
وكنت مؤخرًا معجبًا جدًا بفيلم تراب الماس وغيره، لكن هذا الفيلم تحديدًا جذب اهتمامي. كان لدي صديق اسمه مارك، محبٌّ لأعمال أحمد مراد، وكان ينصحني دومًا بأن أقرأ له، لكنني لم أفعل. وحين شاهدت تراب الماس في هذه الفترة بالصدفة تغيّر رأيي، ومع ذلك لم أقرأ الكتب بعد. كان السبب، كما ذكرت، أن أحدًا من أفراد الأسرة لا يقرأ، وكان هذا السبب بالفعل هو ما قادني إلى القراءة؛ إذ كانت لدى الأخ الأكبر نسخة غير أصلية من رواية موسم صيد الغزلان. لكنني كنت أواجه صعوبة في القراءة؛ كنت منهكًا نفسيًا، وانعكس ذلك على جسدي. لم أكن أقوى على الاعتدال لوقت طويل، وكنت أقضي معظم أوقاتي مستلقيًا على السرير، وحين أقرأ وأنا مستلقٍ أنام، فيسقط الكتاب فوق وجهي. وقد واجهت صعوبة في البداية، فلم أفهم شيئًا من هذه الكلمات؛ كانت لغة أحمد مراد -بالنسبة إليّ في تلك المرحلة- معقدة جدًا وثقيلة.
حتى عثرت على يوتيوب على نسخة صوتية من الرواية بصوت إسلام عادل. أذكر أنني استلقيت على سريري من حوالي الثانية عشرة حتى السابعة صباحًا، أستمع إلى الرواية بلا توقف؛ بل توقف العالم، وغصت في عالم سحري لم أعرف أنه سيفتح لي أبواب الحياة التي لم أعرفها من قبل. لأول مرة أجد من يصدقني، ويعبر عن أفكاري ورفضي للابتلاء الذي وضعني فيه الإله، بالإضافة إلى أن الأنثى كانت محور القصة، وقد أدركت بعد وقت طويل أن الأنثى هي محور قصتي كذلك.
حين جاء الصباح ذهبت مع صديق إلى الكلية؛ كان ذاهبًا لمعرفة نتيجة امتحاناته، في حين رسبتُ في عدد كبير من المواد التي لم أدخل امتحانها العملي ولم أكتب أبحاثها، ما أكّد أنني سأعيد هذا المستوى بالكامل. ولم أكن مهتمًا بأي شيء من هذا الهراء، وجعلت أحدثه عن الرواية طوال الطريق، متجاهلًا تلعثمي المعتاد حين أتحدث عن شيء مهم بالنسبة إليّ. عدت إلى البيت، نمت، ثم استيقظت، وقررت أن أكون كاتبًا! لم يكن لدي أي خطة للمستقبل، ولم أقرر وقتها أن أتحول إلى دراسة الكتابة أو السينما. لم أكن أعرف أي شيء، سوى أنني أريد أن أكتب. لم يعرف الأهل شيئًا، وحين عرفوا، وحتى الآن، لم يقرأ أحدهم أي شيء كتبته. غير أن الأخ الأكبر أخبرني قبل أيام أنه اطّلع على السيرة الذاتية. لم يُخبر الأب بعد، وحين يفعل سيكون عليّ أن أواجههم لأول مرة بما أفعل منذ سنين.
لنعد إلى قرار الكتابة. بدأت أبحث عن فكرة؛ كان لدي الكثير من الأفكار والأحداث التي أرغب في التعبير عنها. بدأت الفكرة بسيطة، وتطورت شيئًا فشيئًا: من شخص كاريزما منعزل عن العالم، إلى شخص مدمن لأحلام اليقظة ينتحر في نهاية الرواية، ثم إلى فتاة مضطربة نفسيًا تنتحر، ويبحث كاتب محترف في قصة انتحارها، ليفاجأ في النهاية بانتحار ابنته مثلما فعلت الفتاة، وأنه السبب في ذلك لأنه غير مهتم بها. أقول هذا الآن ببساطة وسرعة، لكن هذه التطورات استغرقت شهورًا طويلة. لم يكن لدي أي فكرة عن قواعد الكتابة وخطواتها؛ كنت، مثل الكثيرين، أعتقد أن الكتابة مجرد خيال. أبدأ بكتابة النص غير مدرك إلى أن تلك آخر مرحلة في الكتابة.
بسبب كورونا أُلغيت الامتحانات وتحولت إلى أبحاث، وقد تعللت بعدم امتلاكي لاب توب حتى لا أكتب الأبحاث للكلية، لأن كتابة الأبحاث من الهاتف مستحيلة، في حين قضيت شهورًا أكتب رواية باستخدام هاتفي، وكتبت أبحاث السنة الأولى في معهد السينما باستخدام الهاتف كذلك. أعادتني الكتابة إلى الحياة؛ أصبح لدي هدف، وكانت الجاذبية مرعبة. ميدو، الذي كان غير قادر على التركيز في شيء للحظات بسبب جروح الماضي والتلعثم والاستغراق في أحلام اليقظة، أصبح يقضي ساعات كاملة متصلة في التفكير في أحداث روايته دون أدنى تشتيت.
لا أتذكر فيم كان يفكر وقتها بخصوص مصيري، لكنني أذكر أنه لان وتقبّل فكرة الانتقال إلى كلية أخرى. وبسبب دخول كورونا أصبح وجودي في البيت مع الأخ الأكبر أطول بكثير من السابق، ومُنع الأخوان الصغيران من اللعب في الشارع والبلايستيشن، فواجهوا تسلّط الأخ الأكبر، الذي كان كالمسعور عند عودته بعد إقامته لمدة سنة أو أكثر في بيت جدي في الصعيد؛ لأن مجموعه كان أقل من أن يدخله كلية التجارة الإنجليزية في الإسكندرية، فتوجب عليه الدراسة في الصعيد والنجاح في السنة الأولى على الأقل، ثم الانتقال إلى الإسكندرية. وقد رسب في عامه الدراسي الأول، لكنه اجتهد في العام الثاني ونجح وانتقل، وكان يخبرني بهذه القصة ليقنعني بالبقاء في كلية العلوم. كان يقول إن هذا حال جميع الطلاب في مصر، وأنه لا بد من الاجتهاد وعدم الاستسلام. في حين كنت أراه يسير في طريق خاطئ تمامًا؛ فهو موهوب جدًا في كرة القدم، وشغوف بها إلى أقصى حد. لماذا لم يفكر في أن يكون لاعبًا محترفًا؟ لم أخبره بذلك، فقد تسببت صراعات الانتقال من الكلية في رغبتي في الإطاحة به من حياتي تمامًا. أتذكر أنني كنت أتخيل أن في المستقبل، حين أتقدم لخطبة فتاة ويأتي هو معي باعتباره الأخ الأكبر، سأطلب منه الرحيل، معلنًا عدم رغبتي في أن يكون أخي! وكان قد تسلطه ضدنا وضد أمه في هذه الفترة بهذا الشكل الحاد بسبب قضاءه عامين في بيت غرباء لا يقدر على التسلط عليهم.
كان الحديث يدور يوميًا بيني وبين أفراد الأسرة عن مصيري بعد موافقة الوالد على انتقالي من كلية العلوم. لم يكن لدي إجابة عن سؤال وجهتي، حتى جاء يوم كنت أشاهد -بينما أتحدث معهم- مسلسلاً ليوسف الشريف، وفكرت للحظة: إنني أقضي معظم أوقاتي في مشاهدة الأفلام والمسلسلات والقراءة، التي انكببت عليها مؤخرًا بفضل أحمد مراد ورواية موسم صيد الغزلان، وقرأت معظم رواياته في وقت قصير. فكرت: لماذا لا أدرس شيئًا مرتبطًا بهذا الشغف؟ أفقت من شرودي، وكان السؤال عن وجهتي، فقلت ببساطة: "معهد سينما". قهقه الأخ الأكبر كعادته، وكان يفعل ذلك كلما جاء ذكر انتقالي من كلية إلى أخرى؛ يضحك بشكل تمثيلي مستفز لينفّر الوالد من الفكرة. خاصة لما وجده مستسلمًا لها، فحاول دفعه نحو رفض مبدأ الانتقال برمّته. وقال الوالد: "أنت فاكر نفسك يوسف شاهين؟". كانت سخريتهم مثيرة للحزن، لكن جاذبية السينما طغت على كل شيء سواها. كنت وكأنني غير موجود معهم، ولا أسمع أي شيء مما يقال. تركتهم ودخلت غرفتي، وبحثت عن معهد السينما على جوجل. لم أكن أعرف أن هناك قسمًا خاصًا بالسيناريو؛ كنت -كما ذكرت- أعتقد أن الكتابة مجرد خيال وموهبة.
وبدأت معركتي من أجل الكتابة.

كمل المعركه أنت قدها وربنا بإذن الله حيوفقك
ردحذفشكراً 3>
حذف