ماذا عنكم؟ خاطرة لـ م.ع

ماذا عنكم؟
* * *

عندما كنتُ أتخيل نفسي أنتقل من التلمذة إلى سوق العمل، كنتُ أتخيلني أجلس على مكتبٍ ضخم في مكتبةٍ كبيرة مليئة بالكتب في مختلف المجالات. أمسك قلمي الذهبي، وأضع نظارة عريضة، وأدون خيالاتي التي يهتم البعض بقراءتها. أو أتخيل نفسي في موقع تصوير، أقوم بتوجيه الجميع وأصرخ بجنون: «أكشن!» أو جالسًا، ظهري مستقيم تمامًا، أمام شاشة لاب توب أقوم ببعض الأعمال الحرة.

كان هذا فقط هو سوق العمل بالنسبة لي. لم أكن أعرف شيئًا عن العمل الحقيقي؛ ذلك العمل الذي ما إن تشرع فيه حتى تكفر… تكفر بالأديان كلها، وتتخلى عن تحفظاتك تجاه كل الشتائم، وتسبّ وتلعن كل ما له علاقة بهذا العمل من قريب أو بعيد. مصنع برسيل… حرفيًا بعد انتهاء الدوام تجد كل أطرافك تؤلمك. قد تأتيك الفرصة لتسمع بعض القصص التي يدمي لها قلبك. أنت هنا لحاجة شديدة التفاهة مقارنة بحاجات الآخرين: مدرّس الابتدائي الذي يضطر أن يعمل عملًا مهينًا مثل هذا مقارنة برسالته، الأب الذي يحتمل كل هذا ليوفّر لابنه مصاريف دروسه، والأخير يطمح أن يتزوج ويصير له بيت.

كلها معانٍ تفتقدها في حياتك، ولكن بربك كيف لهؤلاء أن يتقبلوا عيشتهم على هذا الوضع؟ ماذا لو كان هذا هو مستقبلك؟ أنت تأتي هنا لساعات تعدّها بالدقائق حتى تنتهي، فما بالك بمن يقضي حياته بين هذه الجدران الرطبة، يحمل ويجرّ ويفرز ويدخن… دخان، الكثير من الدخان، يطير معه بعض الهم. الكثير من الحواجب المنعقدة، والكثير من الغم والسخط على الحياة. 

كان حوارًا عجيبًا يدور اليوم في استراحة المصنع. أحدهم يعدد مشاقه في المصنع، ثم في النهاية يبتسم بألم ويقول: إنها كارثة لو بعد كل ذلك كانت النار مصيره. يقول الآخر: لا، سندخل الجنة. يبتسم بألم، وينفث دخان سيجارته، ويقول إنه حجز مكانه في النار منذ زمن. يتحدثون عن يوميتهم المأخوذ نصفها غصبًا من المقاول، ويناقشون فكرة عمل إضراب. تأخذهم السياسة حينًا، وتلحظ في نقاشاتهم بساطتهم الشديدة التي كانت هي سر تعاستهم. بالرغم من شعوري بالغربة وسط هؤلاء الناس، إلا أن الإشفاق هو أكثر ما أشعر به نحوهم. أشفق عليهم كثيرًا من أنفسهم، ومن الظروف التي جعلت هذه هي حياتهم فقط.

منذ ساعة واحدة دخلت السكن وتمددت على الفراش، وأنا ألعن المصنع وأفكر في ألّا أعتبه مجددًا، ولكن ماذا عن هؤلاء الذين تحولت حياتهم إلى أزيز وضجيج محركات الماكينات؟

ماذا عنكم؟

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال