لأيامٍ ظنّ الوالد أنني أمزح، أو ربما كان استهزاؤه محاولةً لإثنائي عن رأيي، ولما تأكّد لديه إصراري وصدق رغبتي هاجمني، ربما لأول مرة في حياتي بهذا العنف. عاد إلى البيت غاضبًا، فجعل يصرخ في هذا ويُعنِّف ذاك، قبل أن يأتي دوري. اعتدتُ أن أتجمّد حين أغضب أو أخاف، ولذلك بقيتُ مكاني جالسًا بينما الأب يفعل ما يفعل مع إخوتي الصغار وأمي، وكذلك بقيت مكاني جالسًا لما تحوّل إليّ. قال الكثير من الأشياء التي أثارت حزني وخوفي، واختتم كلامه بـ: «أنا شايف قدّامي واحد فاشل». لم أردّ، لم أنهض وأدخل غرفتي، بقيت مكاني أبكي بلا صوت ولا حراك، بل كنت أحاول كبح دموعي. وجدت شفتيّ تنضمان ووجهي يتشنّج، قبل أن يبدأ صدري في الانتفاض وتسيل الدموع بلا توقّف، جرحتني الكلمة كما لم تجرحني كلمة من قبل، لم يجرحني التنمر بقدر ما جرحتني هذه الكلمة، خاصة وأن الوالد قائلها، الوالد الذي عشت حياتي في رضاه، أتجاهل حبي للكتابة من أجل تحقيق حلمه بأن أصبح طبيباً، الآن يتهمني بالفشل لأنه لا يفهم ولا يعرف ما أواجهه في حياتي من صعوبات، ربما هذه الصعوبات هي ما جعلني غير قادر على تحمل الكلية العلوم.
لا أتذكّر ما حدث بالضبط، ولكني أُصبت بنوبة قيء. منذ صغري أكره القيء وأخاف منه، ولما انهرتُ كذلك أشفق عليّ الوالد وجاء إليّ. قلت له إنني حزين لأنني خيّبت أمله، وفكّرت في سبب عدم قدرتي على الاستمرار في كلية العلوم. قلت لنفسي إنه من الممكن لو زرتُ طبيبًا نفسيًا أن يساعدني على الصمود والمواجهة. طلبتُ من الوالد أن أزور طبيبًا، فظنّ أنني أتحدّث عن القيء، فوضّحت له مقصدي. وبحث بالفعل عن أطباء نفسيين على فيسبوك، ولكني سمعت الأخ الأكبر يقول له إن سعر الجلسات يكون مرتفعاً جدًا، وأن الكشف لدى الطبيب النفسي لن يكون زيارةً واحدة أو اثنتين. ولم يتحدّث الوالد في الأمر ثانية، لكنه لان قليلًا فيما يخصّ الانتقال إلى معهد السينما.
بحثت عن المتطلبات، وذهبت إلى الكلية من أجل تحضير أوراقي، وطلبت مني الموظفة الكثير من الأشياء، وعاملتني بغير احترام. واستوجبت إجراءات الانتقال السفر إلى الصعيد من أجل إحضار استمارة 7 جند. فهمت بعد وقتٍ أنني لم أكن في حاجةٍ إليها، وأن استمارة 2 جند من مديرية أمن الإسكندرية كانت تكفي، ولكن وقتها ربما حدث ذلك حتى يقع مزيد من الصدام مع الوالد فتتضح لي الحقيقة. ما إن ظهرت مصروفات السفر حتى سحب الوالد موافقته، وقال إن السينما حرام. وما إن جاء ذكر الحرام والحلال حتى توهّج الأخ الأكبر، وأخذ يحرّضه على الرفض. ولما كنت أصرخ عليه كان يلومني الوالد. في الأيام التي سبقت ذلك، وعقب انهياري، كان الوالد يمنع الأخ من التدخّل، أمّا الآن فقد أعطاه كل الحق، الأمر الذي أثار جنوني. لماذا عساه يتدخّل فيما لا يخصّه؟ تلك حياتي أنا.
التفتُّ لأول مرة إلى ما نتلقّاه من الأهل والمجتمع من مبادئ خاطئة؛ إذ يفضّلون الذكر على الأنثى، ويفضّلون الأخ الأكبر على الصغار، وأحيانًا يفضّلون الأصغر إن كان أكثر جاذبية. وفي قصتي كان يبدو أنني المفضّل، لكنني اكتشفت حينها أن الأخ الأكبر هو المفضّل في الحقيقة. ولاحظت تسلّطه ضد إخوتي الصغار وأمي، والتفتُّ لأول مرة إلى الطريقة التي يعامل بها إخوتي الصغار، وخاصة عبده. فيما مضى كانت لنا عادة بأن نجلس مساءً نشرب الكاكولا أو نأكل البطيخ ونخوض في التنمّر؛ كنا نتنمّر على الجيران والزملاء في المدرسة، وعلى بعضنا البعض، وخاصة عبده. كنّا نقلّد حركاته ونسخر من كلامه. كان دومًا يقول إنه مظلوم ومجنيّ عليه، وكنا نسخر من ذلك، ولكني اكتشفت الآن أن له كل الحق فيما يقول. هذا هو الأخ الأكبر يتدخّل في شؤونه ويمنع عنه الخروج مع أصحابه، وما إن يعبّر عن غضبه حتى يواجه باللوم من الأب والاتهام، وها هو الأخ الأكبر يعامل الأم كما لو كانت خادمته. لعنة الله على الذكورية.
لم أتعلم كيف أعبّر عن مشاعري، لذلك كنت أكتم وأكتم حتى أنفجر، فيكون انفجاري غير مناسب لحجم الموقف الذي انفجرت فيه، فأُتّهم بالجنون والهيستيرية. وكان الأخ الأكبر يتعمّد أن يضطهد أمي وأخويّ حتى يستفزّني فأشتبك معه، فأُصبح مخطئًا أمام الوالد لأنني أتطاول على أخي الأكبر. وما كنت أواجه الأخ الأكبر مباشرة؛ كما ذكرت، كنت أكتم وأكتم حتى أنفجر. ولإدراكي ذكوريته، عرفت أن تلقيبه بشيء أنثوي سيثير جنونه، فلقّبته بـ «أبلة نظيرة»، وجعلت أردّدها لاستفزّه، وحالت الأم دون اشتباكنا جسدياً الذي كان سيسفر حتماً عن هزيمتي بسبب عضلاته التي قويت مؤخراً بفضل رفع الأثقال، ولكني كنت أحارب من أجل مبدأ ولذلك كنت مستعداً للاشتباك معه حتى وإن كانت النهاية موتي. لست أتذكّر ما حدث بالضبط، ولكني أتذكّر أنني ظننت أن الوالد لن يرضيه ما يفعله الأخ الأكبر ضد الأخوة والأم. ولما عاد من العمل حكيت له عمّا حدث، كنت أظن أنه سيعاقب الأخ الأكبر لأنه يعامل أمه خاصة بتعالٍ وقسوة، فإذا به يصرخ عليّ أنا ويوبّخني!
منذ شهور انتقلنا ثانيةً إلى منزل جديد، وبسبب سوء تخطيط الوالد مرةً أخرى عشنا ظروفًا صعبة؛ كانت الشقة غير مشطّبة بالكامل، جدران المرحاض غير مكتملة التبليط، وأسلاك الكهرباء شحيحة. وبحسب كلام الأم كانت الأسلاك كثيرة وسميكة حين جاءت لتتفقد الشقة قبل انتقالنا إليها، ويبدو أن الوالد بخل علينا بهذه الأسلاك المتينة، فقام بإزالتها ووضع بدلًا منها أسلاكًا ضعيفة، جداً ما كادت أن انفجرت بسبب المشوّاة التي كان يشوي عليها الأخ الأكبر طعامه. إذ كان -كما ذكرت- مواظبًا على رفع الأثقال، وكان يطلب من الأم طعامًا خاصًا تعاني في تحضيره له كما يشاء ويحب. وأسوأ شيء هو عدم وجود موتور مياه. أتذكّر أنني كنت آكل قليلًا جدًا حتى لا أضطر لدخول الحمام كل يوم، ما سبّب لي مشكلات في القولون ما زالت مستمرة حتى الآن.
لنعد إلى صراخ الأب عليّ بعد مواجهته بما فعله الأخ الأكبر. وبمناسبة ذكر القولون، أُصبت ثانيةً بنوبة بكاء وقيء، وفي هذه المرة قسا الوالد ولم يُشفِق. جعلت أضرب بيدي على حائط غرفتي حتى ألفت انتباههم إلى غضبي، وأصرّ الوالد على أن أخرج لتناول الطعام، ولكني جلست أمام الطاولة ورفضت مدّ يدي دون كلمة. قال: «صلّي على النبي»، فلم أُجبه، فإذا به يصرخ متّهمًا الجميع بالكفر والفساد! قال الأخ الأكبر: «سيبه عيتدلّع». هنا بلغت ذروة الغضب، فنهضت وهجمت عليه، أمسكت بياقة قميصه وجعلت أصرخ: «أنت عايز إيه مني؟!» فما كان منه إلا أن تركني أجذبه دون مبالاة، ما زاد من ضيقي، ولكني لم أجرؤ أن أصفعه أمام الوالد، الذي لامني على ما أفعل.
وفيما يتعلّق بالانتقال إلى معهد السينما واجهت تدخّل الأخ الأكبر بأن قلت: «فيه حاجة حارقاك.. إنت مش عارف تقعد ساكت»، وكنت أقصد مؤخرته. ولما همّ الوالد بالهجوم عليّ أنكرت أن هذا ما أعنيه، وأتقنت التظاهر بأن هذا لم يكن مقصدي. وآلت الأمور إلى أن الأموال التي ستُصرف في إجراءات انتقالي ستكون من أموال الأم، وآزرتني الأم بالفعل، وسافرت معي إلى الصعيد. وتحولت من التعاطف مع الأب إلى التعاطف مع الأم. لست أتذكّر بالضبط ما حدث، ولكن أظن أنني اعتذرت لها عمّا بدر مني في الماضي بخصوص الهجوم عليها ومعاملتها بسوء، كما اعتذرت لعبده عمّا كنت أفعله في مراهقتي ضده، وتعاطفت معه ومع الأم كل التعاطف ضد الأخ الأكبر والأب. وأصبحت علاقتي بالأم جيدة إلى حدّ بعيد، أصبحت أجلس معها عقب رحيل الوالد إلى بيته الثاني، فتشكو لي مما يفعله الأب والأخ الأكبر معها. سألتها لماذا لا تتطلّق؟ فاستنكرت ذلك بشدّة، وقالت إنك لا تفهم شيئًا. لم أعرف وقتها ما الذي لا أفهمه.
تقدّمت إلى معهد السينما متحمّلًا آلام المعدة والقولون قبل كل امتحان من امتحانات القبول بسبب التوتر. قال الوالد إنه متأكد من أنني لست موهوبًا بأي حال من الأحوال. وكان الاتفاق على أنني لو لم أُقبل في معهد السينما سأستمر في كلية العلوم ولن أتحول إلى كلية أخرى. ولكني أتذكّر أيضًا أنني أخبرته كذباً بأن نظامًا جديدًا سيُطبّق في الكلية يقضي بدفع غرامة عن كل مادة يرسب فيها الطالب، وقد رسبت في إحدى عشرة مادة من أصل أربع عشرة. لست أتذكّر بالضبط هل كان مستعدًا لدفع كل هذه الأموال من أجل وجاهة كلية العلوم، أم أنه لم يصدّق ما قلت في هذا الخصوص.
أثناء الاختبارات قابلت مصطفى. طُلب منا طباعة نماذج من كتاباتنا وتقديمها للأساتذة الممتحنين. جاءني مصطفى وقرأ أوراقي، وكان أول من يقرأ ما أكتب. أستطيع أن أقول إن أحدًا لم يقرأ قط ما كتبت، سواء في طفولتي ومراهقتي من خواطر ويوميات، أو منذ بدأت كتابة الدراما في مطلع 2020م بعد قراءة موسم صيد الغزلان. قال لي مصطفى: «وحش.. بس عندك حاجة تقولها». مصطفى صريح إلى أقصى حد. الآن وبعد ست سنوات من الكتابة، أدركت أن عندك حاجة تقولها أهم شيء ينبغي أن يتوفر لدى الكاتب.
وقُبلت في معهد السينما. ظهرت النتيجة يوم الخامس من أكتوبر 2020م. بعد كل مرحلة من مراحل الاختبارات كانوا يعلنون عن تأهّل عدد من المتقدّمين إلى المرحلة التالية، ولكني لم أُخبر الوالد بذلك، لأنه لو عرف أنني تخطّيت مرحلةً وأخرى قد يحاول منعي بطريقة ما من الاستمرار. لم أُخبره إلا عندما قُبلت رسميًا. وبهت الأخ الأكبر، أخذ يصرخ وكأنه يهذي، يلوم الأب لأنه وافق على فكرة التحويل، وهي مرفوضة من الأساس كمبدأ. جلست مكاني أتفرّج عليه وأضحك؛ صراحةً تعمّدت أن أستفزّه وأتشفّى. لشهور وسنين قبلها كان يضحك على ما أقول، يضحك بينما أنا في قمّة غضبي، الأمر الذي لم أفهمه طوال حياتي: كيف يضحك إنسان على إنسان يبكي ويصرخ؟ مارستُ ضده ما كان يفعله ضدي طوال سنين.
تبقى نقل ملفي من كلية العلوم إلى معهد السينما، وهنا أدركت أن الموظفة ذاتها غير راضية عن قراري بترك كلية العلوم والالتحاق بمعهد السينما، حيث سألتني في النهاية إن كان الأهل موافقون على هذا الأمر، فعرفت أنها كانت تتعمد تعقيد الأمر من أجل تعطيلي.
بدا وكأن القصة انتهت، ولكنها كانت البداية!
