ميدو يحكي - سيرة ذاتية - الفصل الثالث عشر

ميدو يحكي - سيرة ذاتية
* * *

تجربة العمل، وصعوبات التواصل مع الزملاء في المعهد، دفعتني لأن أفكر في التلعثم كمادة خام جيدة للدراما، فقررت كتابة صوت داخلي، كانت الفكرة في البداية هي اعتمادي على الصوت الداخلي في السيناريو للتعبير عن أفكار البطل التي يعجز عن التعبير عنها بسبب تلعثمه. وكنت أتحدث مع صديقي مصطفى، فقال إنه يستعد للاشتراك في مسابقة إبداع وزارة الشباب والرياضة، وشجعني على الكتابة رغم ضيق الوقت. وبالفعل كتبت السيناريو في خمسة أيام فقط، ولما تأهلت إلى النهائيات تواصلت معي فتاة من المنصورة كانت مشتركة ولم تتأهل، ونمت بيننا صداقة. ورغم الصعوبة الهائلة التي واجهتها في التكلم أمام لجنة التحكيم، ودموعي التي غلبتني في طريقي إلى الغرفة مع زملائي، حيث كان المشتركون يقضون يومًا أو اثنين في فندق متواضع من أجل المثول أمام لجنة التحكيم، رغم ذلك شعرت أن المحكّمين مقتنعون بي وبما كتبت.

بدا أن حياتي تتحسن، وداومت على رفع الأثقال، ودفعني هذا التحسن إلى التفكير في الفتاة المغرورة. كما ذكرت سابقًا، كانت هالة من السحر تحيط بها، غير مبررة. أرسلت لها طلب صداقة، وكان تصرفًا جريئًا مني، وبعد يومين وجدت رسالة من صديقتها تطلب أن تسألني عن شيء. ضاع هاتفها، وعلمت من الصديق المشترك بيننا، والذي لم أعد أتكلم معه بعد شجار وقع بيننا، أنني استطعت أن أسترد هاتفي المفقود. ظننت أنها أرسلت إليّ لأنني حاولت الوصول إلى صديقتها، وأن هذه طريقة غير مباشرة لدفعِي إلى طلب التقرب منها، ففعلت، ولكن اتضح أنها أرسلت إليّ من أجل أمر الهاتف فعلًا. أخبرتني أن صديقتها مرتبطة، حزنت بشدة، وطلبت منها أن تنسى ما قلت لها، وأشفقتْ عليّ لما شعرت بمدى حزني. بكيت بحرقة، ولكني استيقظت في اليوم التالي بحالة جيدة جدًا! وشعرت أنني فعلت كل ما بوسعي، ويكفيني أن صديقتها أصبحت صديقة لي الآن. أصبح في حياتي أنثيان: صديقة المسابقة، وصديقة الهاتف، التي اكتشفت أنها تحب الأفلام وترغب في الكتابة، وطلبت مني مساعدتها في كتابة رواية. شعرت أنني أتنفس لأول مرة منذ زمن طويل. جميل هو الشعور بالأهمية، وأن يكون أحدهم في حاجة إلى مساعدتك.

وبعد الكثير من الدعاء حصلت على المركز الثالث، وكانت الجائزة مبلغًا كبيرًا، حتى بعد خصم الضرائب منه. وكان أمر الضرائب هذا عجيبًا، وكأن الدولة تأبى أن تمنحك شيئًا دون أن تبصق عليه! اشتريت لاب توب، ولسذاجتي قررت أن أتحول إلى قسم المونتاج؛ رأيت أنني تعلمت ما يكفي عن السيناريو، وحصلت على جائزة عن أول سيناريو أكتبه، ولكني لم أفعل، والآن حين أقرأ السيناريو الذي كتبت أشعر بالغثيان من رداءته! وقد كتبت نسخة أخرى من القصة، جعلت البطل فيها يستعين بلغة الإشارة للتغلب على مشكلته، ويشتبك مع أهله في نهاية القصة اشتابكاً دموياً.

ولكن سرعان ما فترت العلاقة بيني وبين الفتاتين بسبب اهتمامي المفرط بهما. أتذكر أنني أرسلت فيديو لفتاة الهاتف يتحدث عن كيفية الكتابة، ولم تستطع أن تفتحه لسبب ما، فحكيت لها ما به بالتفصيل الممل. وأتذكر أنها ألمحت إلى أن نتحول للتواصل عبر الواتساب دون الماسنجر، ولم أبادر بطلب ذلك. ولما واجهتني قلت إنني أخشى أن أكون ثقيلًا عليها؛ فلو كان هناك احتمال واحد بالمئة أن الآخر سيرفض طلبي، فلن أطلبه. في البداية كانت تظن ذلك تأدبًا، ولكن سرعان ما نفرت مني، وكذلك فتاة المسابقة. وكنت أفعل الأفاعيل من أجل استعادة اهتمامهم، ذات مرة كتبت في حالة الواتساب أن شهر رمضان هو أكثر ما يعطلني عن مستقبلي، وكنت أقصد أنني لا أستطيع أن أكتب أثناء الصيام، وكذلك بعد الإفطار، وقد تعمدت إثارة الجدل من أجل أن تعلق فتاة الهاتف. ومرة أخرى نشرت أن أحد صديقاتها انزعجت مما ترسله يومياً من أذكار الصيام، وقالت إنها لن ترسل لأحد ما لم يطلب منها، فطلبت منها، سألتني إن كنت أقرأ هذه الأذكار فعلاً فقلت لها لا، إن الأمر يشبه شراء مذكرات المادة دون مذاكرتها! ولكن كلتيهما أعجبتا بكتاباتي، وقد رشحتُ لفتاة الهاتف كتاب «ذَكَر شرقي منقرض» للدكتور محمد طه، فقالت لي: «وَلَد، وترشّحلي كتاب زي ده… حب نفسك». وشعرت أن عبارة «حب نفسك» تتجاوز أمر الكتاب.

في المنزل كانت الصراعات لا تتوقف، ليست ضدي وإنما ضد الإخوة الصغار. أتذكر أن الأخ الأكبر ضرب الأخ الأصغر لما وجده يتكلم في الهاتف! كان يرفض أن يشعر أيٌّ منهما بوجوده، حتى من خلال أن يكون له صديق يحدثه عبر الهاتف. أتذكر أن دوافعه كانت تختلف بين فترة وأخرى، وقد كان في هذه الفترة بعد نجاحه في الكلية والانتقال إلى الإسكندرية يفكر في الزواج! وكان يرغب من الوالد أن يساعده بالأموال، فكان يتعمد أن يضطهد الإخوة كي يدفع الوالد للسعي في التخلص من وجوده معنا. وقد اشتبكت معه غير مرة؛ كنت أسكت وأسكت حتى يبلغ اعتداؤه على الأخوين ذروته، فيعتدي عليهما بالضرب، فأنقض عليه وأصفعه. كان يصفعني بدوره، ولكني كنت أستميت في مواجهته. فيما مضى كنت أخشى الاشتباك معه، متوقعًا هزيمتي لأن جسدي ضعيف، ولكني ناقشت هذه الفكرة بيني وبين نفسي، ما دفعني إلى الإقدام. وقد انتصرت عليه ذات مرة، صفته صفعة وأخرى، وتظاهر وأنه مشفق على هيستيرية الأم، التي كانت تصرخ وتحول بيننا، فلم يهاجمني وقال لها باكياً: "خلاص طيب"، وقبل رأسها. وكان الوالد يداهنني أحيانًا لشعوره بالذنب لأنه صفعني، ولكنه أحيانًا كثيرة كان يقسو ويهاجمني، قائلًا إنني فاسق، أدرس دراسة محرمة، وأريد أن أفسد البيت، لأنني أقاوم انتهاكات الأخ الأكبر ضد الأخوين الأصغر، وأن الدين يأمر باحترام الكبير! 

أتذكر كيف أن الأخ الأكبر كان يستفز عبده أيّما استفزاز. لن أنسى حين كان عبده يستعد للخروج، وكان الأخ الأكبر غير راضٍ عن خروجه، إذ كانت نوعية أصدقاء عبده مرفوضة بالنسبة للأب والأخ الأكبر، فهو يصادق الصيع، وكان متهماً بشرب السجائر. جعل الأخ الأكبر ينظر إليه نظرة معينة لبعض الوقت حتى يدفعه للصراخ، فيدفع صراخه الوالدَ إلى أن يرفض خروجه. ولما فعل الأب ذلك، ابتسم الأخ الأكبر بظفر! كان يرى أنه ذكي، ويسعد كل السعادة بالتسلط علينا.

في هذه الفترة جنحت نحو الاستقلال، ورغبت في أن أقيم في بيت آخر، خاصة في ظل سلبية الأم وقسوتها التي تجلت في الفترة الأخيرة. كانت تشكو من سوء معاملة الوالد والأخ الأكبر، ولكنها تستمتع بالانتهاك. فهمت ذلك على نحو أفضل لما قرأت كتب الدكتور محمد طه؛ لقد أدمنتْ الانتهاك، وأصبحت تتلذذ به، في أعماق نفسها آمنت أنها تستحق ذلك. ومن كتب الدكتور محمد طه أيضًا فهمت سبب الهالة حول الفتاة المغرورة. تحدث كتاب «الخروج عن النص» عن مشاعر غير مفهومة وغير مبررة تأتي تجاه أشخاص معينين، وأن ذلك قد يرجع إلى تشابه بين الشخص وشخص آخر سبق وأن عَبَرَ في حياة الإنسان. ولما تفكرت تذكرت أن الفتاة تشبه معلمة كانت تدرس لي في المرحلة الإعدادية، وبمجرد أن تعرّت هذه الحقيقة اضمحلت مشاعري تجاهها، وسقطت أسطورتها.

وانقطع الاتصال بيني وبين صديقة الهاتف لما حاولت التدخل لإصلاح الأمور بيني وبين الصديق المشترك، ورفضت ذلك تمامًا. كان العراك بيننا قد نشب بسبب اشتباك بالأيدي كان على سبيل المزاح من قبله، ولكني لم أتقبله. قلت لها بحدة إنني أرفض تمامًا العودة للتعامل معه، فقالت: «خيبتك يالا». أعربت عن رفضي لما تقول، ولم أتكلم معها ثانية لمدة طويلة. غير أنني اتصلت بها عن طريق الخطأ بعد عام أو اثنين، ولتصحيح الموقف أرسلت إليها أسألها عن أحوالها، ولم أتحدث في أكثر من ذلك، ولم نتحدث مجددًا حتى الآن.

فتح الدكتور محمد طه عيني على الكثير من الأمور. كنت أحزن كلما قرأت له؛ فالوعي مقبض. وفي كتبه وجدتُ التصديق، وقد تحدث عن ذلك؛ قال إن كثيرًا من المرضى يفاجأون حين يحكون له عن تجربة قاسية في حياتهم، ويجدونه يقول إن لهم الحق في الحزن. يفاجأون حين يجدون التصديق، وقد وجدته في كتبه، ما دفعني إلى الثورة، والجنوح نحو الاستقلال الكامل، وزيارة غير طبيب نفسي، خاصة بعدما اكتشفت إصابتي باضطراب الشخصية الحدّية. وكان ذلك من خلال كتابة الرواية ذاتها؛ إذ قررت أن تكون البطلة مضطربة نفسيًا، واخترت هذا الاضطراب، ولما قرأت عنه اكتشفت أنني مصاب به. كانت لحظة محزنة ومفرحة في الوقت نفسه؛ حزين لأنني مريض، ومرتاح لإدراكي أن ما بي يرجع إلى سبب ما، إلى تأثري بتجارب معينة في الماضي. ولكني لم أوفَّق مع أيٍّ من هؤلاء الأطباء. أحدهم كان متخصصًا في التخاطب، وقد وصف لي مهدئًا، وكان يعلمني كيف أتفادى التأتأة، وشعرت أنني في حاجة إلى ما هو أعمق من ذلك. وآخر كانت الجلسة معه مدتها خمسة عشر دقيقة! ظننت أن ذلك ينطبق على الجلسة الأولى فقط، ولكنه في الجلسة التالية، لما تأخرت خمس دقائق، وجدته يقول لي: «قدامنا عشر دقايق بالظبط!». تمنيت أن أنهض مغادرًا بعد قوله هذا، ولكني لم أجرؤ على فعل ذلك.

بعت هاتفي الذي اشتراه لي الوالد كمكافأة لما دخلت كلية العلوم، والذي استعادته لي الوالدة لما فقدت دعم الوالد، وكأنني أرفض دعم كليهما. بحثت مجددًا عن وظيفة، وعملت محرر أخبار لدى جريدة إلكترونية مقرها في القاهرة. بعت اللاب توب واشتريت آخر بسعر أقل، على أن أعتمد على ما معي من أموال إلى حين أحصل على راتبي من الجريدة. أقمت في القاهرة لبعض الوقت، رغم أن العمل من المنزل، ثم حاولت أن أقيم في فندق في الإسكندرية، ولكني لم أستطع تحمّل المصروفات، فعدت إلى البيت. لم آخذ من الوالد أموالًا، واعتمدت على أموال الهاتف واللاب توب، وبالكاد استطعت أن أستمر حتى نهاية الشهر، ولكني لم أحصل على راتب. كانت هناك خدعة في الاتفاق بيني وبين الشركة؛ كان العمل عبارة عن نقل الأخبار من مواقع أخرى وإعادة صياغتها، ثم نشرها على جروب الجريدة، على أن يختار مدير النشر المناسب منها وينشره على موقع الشركة. كان الاتفاق نشر عشرة أخبار يوميًا، والخدعة أن الأخبار غير المختارة لا تُحسب. كنا، أنا وغيري، ننشر عشرة أخبار على الجروب ونظن أننا أدينا مهمتنا، ولكني فوجئت في نهاية الشهر بمدير النشر يقول لي إنني لم أحقق التارجت. تواصلت مع مدير الشركة وتحدث بمنتهى البرود، ولم أقوَ حتى على لومه. كان الموقف جديرًا بأن أصرخ عليه وأسبّه، مثلما فعلت زميلة لي بعدما أخبرتها بالحقيقة.

لقد خسرت كل شيء؛ لم يعد معي أموال، ولست مستعدًا لأن أعود لطلب المال من الوالد بعد كل ما حدث. قررت الانتحار مجددًا. للمرة الثانية في حياتي أدنو من الموت إلى هذا الحد. استيقظت في اليوم التالي وقررت أن أخرج لأودّع الحياة. أثناء ارتداء ملابسي كانت يداي مبتلتين بعد غسلهما، وكان الأخ الأكبر واقفًا بالقرب مني في الغرفة، فنفضت الماء عليه، ولما نظر إليّ متعجبًا نفضته في وجهه مجدداً. تعجب ولكن لم يهاجمني، واشتكى إلى الوالد.

ذهبت إلى جليم، رأيت شابًا وفتاة متحابين. لم أشعر تجاههما بأي شيء، ولكني أتذكر رؤيتهما. ولما عدت إلى البيت كان عليّ أن أنفذ.

1 تعليقات

  1. الحمد لله علي نعمه الوعي
    الوعي حياه

    ردحذف
أحدث أقدم

نموذج الاتصال