أخبرتُ الوالد في النهاية أنني كنت أبحث عن الريموت بالفعل، فأشفق عليّ وندم على ما فعل. رغم كل شيء، ما زال يكنّ لي المودة، ويعاملني معاملة خاصة. والحق أنه كان دائمًا ما يشفق علينا متى تعرّض لأيٍّ منا بسوء، ويحاول تعويضنا بأن يسمح لنا بما كان يمنعه عنا وقت الغضب، ولكن دون أن يعترف بطريقة مباشرة أنه أخطأ.
انكسرتُ كما لم أنكسر من قبل، وأصبحتُ في موقف غاية في الصعوبة؛ غاضبًا جدًا منه، وفي الوقت نفسه مُقدِّرًا لأنه سمع لي، وأوضحتُ له أنني كنت أبحث عن الريموت. في الأيام التي تلت ذلك، كنت أتعامل معه بحدة؛ أطلب منه الأموال من أجل الذهاب للمعهد، وما إن يعلّق على كثرة الأموال حتى أخاطبه بنبرة متحدية، كنت أحاول مواراة عجزي وضعفي. وكنت أنفق الكثير من الأموال بالفعل، لأن المعهد كان في لوران، وهي منطقة بعيدة جدًا عن العجمي، كما أنني كنت أحتاج إلى الكثير من الأموال حتى أستطيع الجلوس مع زملائي المتمكنين مادياً على المقهى أو الكافيه عقب انتهاء المحاضرات. الآن، وبعد ما حدث من قبل الأم، فقدتُ الرغبة في أموالها، وتعيّن عليّ أن أعمل.
كنت أتعامل وكأنني مقيم في كندا؛ أبحث عن الوظائف عبر تطبيقات التوظيف، متوقعًا أنني سأجد وظيفة مناسبة لي، بمرتب مناسب. ولكن ما اكتشفته أن العمل في مصر معاناة غير محتملة؛ نبذل جهدًا كبيرًا جدًا في مقابل أموال زهيدة، ناهيك عن تسلّط أصحاب العمل، وتعالي الزبائن. كنتُ، في أثناء مواجهاتي مع الأخ الأكبر فيما سبق، قد حاولت أن أعمل في مطعم مشهور؛ ذهبتُ وقابلتُ المسؤول عن التوظيف، وتركني واقفًا على قدميّ منتظرًا لمدة ساعة كاملة، ثم عاد ليقول لي إنهم سيتواصلون معي، وأظن أنني رُفضت لأنني متلعثم.
الآن بحثتُ وبحثتُ حتى عملتُ في مكتبة في شارع كلية الهندسة، وهو شارع مليء بالمكتبات التي تبيع أدوات كلية الهندسة، وكذلك أدوات كلية الفنون الجميلة. كانت اليومية أربعين جنيهًا! بالكاد تكفي تكلفة المواصلات وسندوتش بطاطس موتزاريلا من مطعم سوري. كان صاحب العمل يرفض أن يراني جالسًا لا أفعل شيئًا. ذات مرة كنتُ أحضر مع زميل لي في العمل بضاعة من المخزن، فإذا بصاحب العمل يُلقي على ظهري عددًا من الكرتون المُطبِق. لم يكن مؤلمًا، وقد سقط تقريباً بعيداً عني، ولكني لم أفهم المغزى، ولم يبدُ مني أي تعبير عن غضب أو رفض. وكان ابنه يناديني بـ«حمبوزو» و«حمام»، ولم أكن أعرف طريق التعبير بشكل مباشر عن الرفض، فقررتُ أن أناديه باسمه كذلك دون لقب «باش مهندس»، فانزعج من ذلك أيّما انزعاج، لدرجة أنه اشتكى لوالده، الذي طلب مني أن أحترمه. فقررتُ أن أناديه بـ«هندسة»؛ عنيد، أليس كذلك؟
لحسن الحظ جاءت موجة ثانية لكورونا عطّلت الدراسة، خاصة بعدما أُصيب عدد من طلاب المعهد بالوباء، فكان ذلك موفِّرًا جدًا. وفي قليل من أيام العمل استطعتُ أن أعمل بشكل جيد، ولكن الأيام الجيدة ما تكاد تأتي حتى تلحق بها أيام أسود من السواد. أتذكر حين كنتُ عائدًا من العمل مساءً بعد يوم جيد، وكيف كنتُ قلقًا مما هو آتٍ؛ فقد اعتدتُ أن الفرح موجة عابرة، يأتي بعدها فيضان من الحزن. في هذا الوقت أصدر حمزة نمرة ألبومه «مولود سنة 80»، وأتذكر أنني يومها سمعتُ أغنية «الوقعة الأخيرة» أثناء عودتي إلى المنزل. «أنتي نور غير كياني» لم أعرف وقتها لماذا تعلق قلبي بهذه الجملة تحديداً، وكأنني كنت أعرف ما سيحدث في السنوات التي تلت ذلك. أما فيما يخص موجة الحزن المتوقع مجيئها، فبالفعل في يوم تالٍ، حدث أن جاءت امرأة لتصوير بعض الأوراق، وعن طريق الخطأ قمتُ بتصوير النسخة باستخدام نسخة، وليس باستخدام الأصل، فخرجت الصورة باهتة. حاولتُ أن أصلح الموقف، لكنها أخذت أوراقها وهمّت بالرحيل، فسألها صاحب العمل عما حدث، فقالت له إن كل الأوراق جودتها سيئة، والحق أن ورقة أو ورقتين فقط كانتا كذلك.
بعد رحيل السيدة، جاءني يسألني عما حدث. أمسكتُ بورقة لأشرح له، فإذا به يجذبها من يدي بعنف. قلتُ له: لماذا تفعل ذلك؟ وكان جيدًا أن أعبّر عن مشاعري، ولكني لا أعرف بعد كيفية التواصل بشكل سليم؛ فلما قررتُ أن أعبّر، عبّرتُ أكثر من اللازم، فجعلتُ أتحدث وأتحدث عن رفضي لما يفعل، حتى إن إحدى زميلاتي العمل قالت لي: «خلاص يا محمد!»، ولكني لم أتوقف، حتى سألني الرجل: «مش عاجبك اللي أنا بعمله؟». قلتُ: نعم. فإذا به يدفع صدري بقوة إلى الوراء قائلًا: «ميعجبكش؟ امشي». كانت رسالة تشبه رسالة الصفعة: أنت لا شيء.
تظاهرتُ بعدم المبالاة، وأخذتُ هاتفي ورحلت. وقاومتُ دموعي بكل قوتي في الترام الذي قادني إلى محطة الرمل. وما إن نزلتُ هناك حتى اشتريتُ كتابين من الكتب غير الأصلية المعروضة على الأرصفة! بل وجعلتُ أتحدث مع البائع وأناقشه! ولما عدتُ إلى البيت وجدتُ جدالًا قائمًا بين الأب والإخوة. كنتُ قد تماسكتُ قليلًا، وإلا ما اشتريتُ كتبًا، فدخلتُ في النقاش، وكان مُرحَّبًا برأيي. كان الوالد يداهنني بسبب ندمه على ما فعل. قلتُ لهم فيما بعد إنني لن أستمر في العمل بسبب عدم مناسبة المواعيد. رغم أني أعرف أن الوالد كان من الممكن أن يحاول استرداد حقي، ولكني فقدت الإيمان بنفوذه، ولم أريده أن يعلم أنني فشلت في العمل، وأنني في حاجة ماسة إليه.
كنتُ أبدو خارجيًا على خير ما يرام، ولكن بداخلي كان هناك بركان من الغضب مستعرًا أيّما استعار.
وكانت الكتابة هي المُنقذ.
