* * *
لم يمنعني من الانتحار سوى ذنبٍ ارتكبته فيما مضى، ذنبٍ لم أكن مستعدًا لمواجهة الله وهو على كتفي. لا أعرف إن كان إيماني بالله وخشيتي منه، رغم كل ما حدث، أمرًا جيدًا أم سيئًا؛ لأنه قد يدل على ضعفي وخوفي من تحدّيه أو رفض أقداره. تجاوز الوالد عمّا فعلتُ ضد الأخ الأكبر، عندما نفضتُ المياه عليه عمدًا؛ قال إنني، من المؤكد، لم أكن أقصد فعل ذلك. عاودتُ الاعتماد على الوالد فيما يتعلق بالمصروفات، ولم يمانع، رغم أنه كان فيما مضى يُبدي ضيقًا تجاه مصروفاتي، ولكن يبدو أن أحواله المادية تحسنت بالتوازي مع خسارتي كل شيء.
بدأتُ الدراسة في المستوى الثاني في معهد السينما. أتذكر أنني استطعت أن أقرأ على زملائي شيئًا كتبته لأول مرة، مع كثير من التعثر والارتعاش. كان ملخص قصة عن أبٍ ربّى أولاده بطريقة غير سوية، فدفعوا الثمن، في حين تهرّب هو من المسؤولية. وقد تظاهرتُ بأنني لم أستطع أن أجد نهاية للقصة، عندما عجزتُ عن قراءة النهاية، لأنها الجزء الأهم، واقترح الدكتور النهاية التي كتبتها بالفعل!
كان ذلك قبل أن تدخل فتاة البيانو حياتي، أو قبل أن تُغيّر مجراها!
بعد إحدى المحاضرات استوقفني مصطفى، وناداها. لم أتحدث معها من قبل، رغم وجود الفرص. كنت أخجل كل الخجل من المبادرة تجاه أي شخص، أنتظر دائمًا أن يفعل الآخر وليس أنا، أتوق إلى ذلك بمعنى أدق، وكان يتجلى ذلك للناس في تعبيرات وجهي وجسدي حين يتحدثون إليّ، فأُبدي الكثير من الاهتمام، ما يدفعهم للنفور، والاتفاق ضمنيًا على تجاهلي ومعاملتي بقسوة. ولكن مصطفى كسر حاجز الخوف. قال لي فيما بعد إنه لاحظ أنني وهي نشبه بعضنا البعض، ولذلك قرر أن يعرّفني بها. تحدثنا عن كتاب أردتُ أن أستعيره منها. أعطتني رقم هاتفها، وقررتُ أن أعوضها عن سوء معاملتي لها في الواقع، بسبب الخجل والتلعثم، من خلال الواتساب. قالت لي فيما بعد إن أسلوبي دفعها لأن تظن أنني لا أرغب في التعامل معها، وقررتْ أنها لن تعاود التواصل معي إذا لم أفعل عبر واتساب. ورغم خوفي الشديد، وتفكيري في أنها حتمًا لا تريد أن أتعامل معها لأنني لا أستحق الاهتمام، راسلتها، واشتعل فتيل الود وتوهّج، بفضل بنزين حاجة كلٍّ منا إلى الاهتمام والتقبّل.
قالت إنها سعيدة للغاية لأنها تحدثت معي، وكنت سعيدًا إلى حد لا يوصف، صدقًا لا يوصف. لم أكن سعيدًا في حياتي مثلما كنت وقتها، وحتى الآن لم أسعد بقدر ما سعدت بقربها. لقد اختبرتُ المشاعر المصاحبة لوجود أنثى في حياة المرء، مع فتاة المسابقة وفتاة الهاتف، ومع الأخيرة بالذات، إذ كانت سعيدة جدًا بوجودي في حياتها، وعبّرت عن ذلك رغم الخجل. ولكن هذه الفتاة! ماذا أقول! غزالة رقيقة، لحمها أحمر لين، خُلقت لتتأملها لا لتأكلها.
خرجنا سويًا. كانت المرة الأولى في حياتي أن أخرج مع فتاة! ذهبت معي إلى الأماكن التي كنت أزورها بمفردي، وكان فيما مضى قلبي ينقبض متألمًا من الوحدة. ذهبنا إلى مكتبة الإسكندرية، ثم تمشّينا في شوارع الشاطبي وكامب شيزار. وقفنا أمام مكتبة «بيت الكتب» التي اعتدت أن أقف أمامها أو آتي إليها وحيدًا، وأخبرتها بذلك، وكانت سعيدة لأنها تشاركني ما أحب. كانت المشاهد مكررة، كما ذكرت؛ كنا نذهب إلى الأماكن التي اعتدتُ الذهاب إليها من قبل، ولكني اكتشفت أن ما سبق من مشاهد كان بالأبيض والأسود. لقد رأيت الألوان لأول مرة، وأي ألوان! كانت زاهية متوهجة. لقد صبغت هذه الفتاة مشاهد حياتي بالنضارة والاتقاد. لقد تحمّلت سخافتي، وانعدام قدرتي على التواصل، وتلعثمي. لقد تقبّلت كل ذلك. لقد أغنتني عن كل شيء سواها. توقفتُ عن الاستمناء، بل وتقزّزت منه أيّما تقزّز، ولم أعد أضيق بوقوفي وحيدًا بينما جميع الزملاء منخرطون في أحاديثهم مع بعضهم البعض. كنت فيما مضى أحزن وينقبض قلبي عندما أقف بمفردي، وكنت أتوق لأن يتحدث إليّ أحد، وكانوا يستشعرون ذلك فيبخلون عليّ حتى بالالتفات. الآن لم أعد في حاجة إلى اهتمام أحد؛ لديّ من تهتم بي، من تشاركني كل شيء.
وعلى قدر السعادة أتى الخوف والحزن. كنت أريد الارتباط بها، ولكني ما كنت أجرؤ على طلب ذلك، رغم أنني تجرأت وطلبت من فتاة الهاتف أن تساعدني لأرتبط بصديقتها، ولكنها كانت موجة شجاعة سرعان ما خفتت، وعادت إليّ مخاوفي. أتذكر أنني فكرت فيما سأقول لها، وخططتُ أنه بعد طلب الارتباط بها سأقول إنني آتٍ إليها حاملًا كفني، وكنت أقصد أنني أغامر بخسارتها في حال الرفض. كنت أرى ببساطة أنني لا أستحق موافقتها؛ ميدو لا يستحق أن تختاره فتاة وترغب فيه! ولم تسمح لي بأن أطلب أو أفعل أي شيء. انسحبت من حياتي بلا مبرر. كانت أحياناً تراني في المعهد فلا تحيّيني ولا حتى تنظر إليّ. كان يبدو أنها مرهقة جدًا. ولأنني كنت فاقدًا للقدرة على التواصل، ولديّ شعور عميق بعدم الاستحقاق، لم أعتبر ذلك إهانة أو مأخذًا عليها، وإنما كنت ألوم نفسي! كنت أرى أنني مريض، وفي حاجة محمومة إلى الاهتمام، ولذلك أريد منها أن تنظر إليّ وتسلّم عليّ وتتعامل معي، ولكنها ليست مضطرة إلى فعل ذلك، لها الحرية أن تفعل ما تشاء، وتتعامل معي كيفما تشاء! وكانت تتعامل معي بالفعل، ولكن بإمساك شديد. كان يبدو عليها الإعياء والإرهاق. هذا ليس مبررًا لسوء المعاملة، ولكني وقتها كنت ألتمس لها العذر، وأختلقه إن لم يتوافر. أخبرتني أنها مصابة باضطراب ثنائي القطب، فكان ذلك ليس فقط دافعًا لأن أسامحها على ما تفعل وما لا تفعل، وإنما سببًا في الشعور بالذنب تجاهها، والحرص كل الحرص على عدم جرح مشاعرها ولو من خلال كلمة! رغم أنني كنت مصابًا باضطراب شخصية مثلها، بل ومتلعثمًا، ولكني كنت أرى أنها أنثى في مجتمع ذكوري، وأن معاناتها لا تُقارن بمعاناتي رغم كل شيء، خاصة عندما حكت لي عن ضرب أخيها لها، وسكوت الوالد عن حقها، وعن عمّها الذي أرسل لها فيديوهات إباحية عبر الواتساب.
عدتُ إلى وحدتي، ولكن قلبي لم يعد ينقبض بالشعور بها، وإنما انسحق! أتذكر أنني كنت أتنفّس بصعوبة، أشعر بقالب طوب يجثم على قلبي فيصدّه عن النبض. خرجتُ أتمشّى في الشوارع التي مشيتُ فيها معها، كنت أبكي بلا توقف. وقد عاودت التواصل معي غير مرة؛ كانت تقترب فتضيء حياتي بوهج وجودها، ثم تختفي فتتركني أتعثر في ظلمات الوحدة. أقبلتُ ثانية على الانتحار، ولكني لم أكن أرغب في الموت، كنت أرغب فقط في توقيف الألم. وبالطبع لم أكن متأكدًا إن كان الألم سيتوقف بعد الموت أم سيزداد، فقررت زيارة طبيب نفسي. كنت قد قرأت عن المرض، فعرفت بشيء اسمه العلاج السلوكي. سألت الطبيب عنه، وأظن أنه لم يكن ليفعل لولا أن سألت، فأوصلني بصاحبة الأثر. لم أكن أريد أن أتعافى؛ كنت أريد أن تساعدني في إيجاد طريقة لاستعادة وجود الفتاة في حياتي. كنت أرى أن المشكلة فيّ أنا فقط. لقد كانت لديّ صعوبات في التواصل بالتأكيد، وهذا كان سببًا في نفور الفتاة مني، ولكني لم أكن أرى أنها مخطئة بأي حال من الأحوال. كنت أحمل نفسي كل المسؤولية.
كانت الجلسة الأولى في مساحة عمل في كامب شيزار. وصلتُ إلى المكان قبل وصول المعالجة، ولم أدخل؛ انتظرت حتى جاءت أولًا. لم أكن أعرف شكلها، كانت في منتصف الثلاثينيات، ولما رأيتها كان انطباعي الأول عنها أنها أم تقليدية مملة، حتمًا ستطلق الأحكام عليّ وتوبخني إذا ما تحدثتُ معها عن أفكاري ومشاعري. كانت معي أجندة سوداء صغيرة، أخذتها لتكتب فيها. سألتني مجموعة من الأسئلة لتتعرف على الحالة، منها علاقتي بأفراد الأسرة. أخبرتها بالتوتر القائم بيننا بسبب دخولي معهد السينما، وحين جاء ذكر الوالدة قلتُ على استحياء إنني في طفولتي كنت أدعو الله أن تموت أمي ويعيش أبي. توقعتُ منها ضيقًا ورفضًا، ولكنها قالت لتخفف عني الخجل الذي بدا عليّ: «دي مشاعرك.. مش من حق حد يقولك حاجة عليها».
لحظتها بدأ العلاج!
