ميدو يحكي - سيرة ذاتية - الفصل الحادي عشر

ميدو يحكي - سيرة ذاتية
* * *

في أحد أيام اختبارات التقدّم لمعهد السينما، دخلنا القاعة من أجل المقابلة مع أساتذة في القسم. كان مبنى الأكاديمية صغيرًا جدًا ومشتركًا، يجمع خمسة معاهد فنية، منها معهدا الموسيقى؛ فكان في أغلب القاعات يوجد بيانو. وكانت هي تعزف عليه في القاعة التي دخلنا من أجل الامتحان. كانت مثل حبّة كراميل، رفيعة ومنمنمة. توقفت عن العزف، ووقفت خجلى لمّا دخلنا، عرفنا من الأستاذ أنها تدرس في دفعة قسم السيناريو التي تسبقنا. لمدة عام كامل لم أتكلم معها قط، رغم اهتمامي بها، وحتى لم أصوّرها خلسة، إذ كانت لدي عادة ذميمة، خاصة أثناء العام الذي قضيته في كلية العلوم، وهي تصوير البنات بهاتفي دون أن يشعرن. كنت متحرشًا صغيرًا، ولكني لم أدرك وقتها أن هذا يُعد تحرشًا، وقد مسحت كل هذه الصور لما فقدت هاتفي قبل شهور، جدير بالذكر أن الوالدة ساعدتني في استرداده، فهي تعمل موظفة في قسم الشرطة، وقدد حررت لي محضراً وتابعت الأمر حتى استطعنا استعادته، وسيكون لذلك أثر فيما هو آتٍ، وقد كنت أكتب الرواية كما قلت على الهاتف، ولكن على هاتفي القديم الصغير جداً، ما يدل على مدى جاذبية الكتابة وشغفي بها، وفقدان الهاتف الجديد الذي اشتراه الوالد لي مكافأة على دخولي كلية العلوم كان رمزاً لفقدان الدعم منه. 

طلب منا أحد الأساتذة الذين يدرّسون لنا أن نعبّر عن فكرة من خلال مشهد واحد فقط، فكتبت المشهد عني وعن الفتاة، كتبت أني أقابلها على سلم المعهد، فأتظاهر وكأني أهاتف شخصًا ما وأصوّرها. ولكني لم أقرأ المشهد على زملائي والأستاذ، أظن أنني تظاهرت وكأنني نسيت أداء التكليف الذي طُلب منا. كان تصوير بنات مصر كلها أيسر عليّ من القراءة على أناس. أتذكر أنني كنت أواجه صعوبة شديدة في التحدّث، بعد أن كنت في دفعة من حوالي ألف طالب، أصبحت في دفعة من خمسة وعشرين طالبًا فقط تقريبًا، أصبح الأساتذة يطلبون منا أن نعرّف أنفسنا في أول محاضرة من كل مادة، يسألوننا كثيرًا، ويدعوننا إلى النقاش. ومع زملائي كان الوضع أصعب؛ كان عددنا صغيرًا كما ذكرت، فكنا متحمسين للتعرّف على بعضنا البعض، وكنت بالكاد أنطق كلمة أو كلمتين. بالإضافة إلى وجود فجوة في المستوى المادي بيني وبين معظم زملائي، فبسبب سوء الأحوال الاقتصادية أصبحت السينما ودراستها رفاهية، فباتت حكرًا على شريحة معينة من الناس.

في البداية كانوا ودودين معي، لأنهم لم يعرفوني بعد، ولكن سرعان ما وُضعت في خانة المنبوذين، وكنت سببًا في ذلك. لم يكن الأمر مجرد عدم مقدرة على التكلّم، وإنما عدم مقدرة على التواصل بشكل سليم. كما ذكرت، في البيت -على سبيل المثال- ما كنت أدخل غرفتي حين أغضب أو أحزن، وإنما أبقى جالسًا مكاني، أقاوم المشاعر، ومن ثم الدموع. وهكذا كنت أرتكب الكثير من الأخطاء في التواصل مع الناس. ما إن أرى زميلًا لي من بعيد حتى أرتبك، ولا أعرف أين أنظر وكيف أعبّر، ويستشعر الآخر ذلك فيظن أنني لا أريد أن أتعامل معه. أو يكون إلقاء التحية من بعيد كافيًا، ولكني أتحرّك بسرعة وعشمًا من أجل السلام باليد. 

وأتذكر أيضًا موقفًا حدث مع زميلة كانت دعتني لالتقاط صورة معي. سألتني سؤالًا لست أتذكره، ولكنه جاء على سبيل الدعابة، فإذا بي أقسم لها بحميّة وخوف شديد أنني لم أقصد سوءاً. ومرة أخرى كنت أجلس في المقعد المجاور لفتاة، ولم نتكلم من قبل أبدًا، وما إن تكلمت معي كلمة واحدة، حتى وجدتني أقرّب مقعدي من مقعدها بحماس، وكأننا أصبحنا قريبين! ومرة أخرى سألني زميل كان يسكن في العجمي مثلي أن أنتظر قليلًا ولا أرحل الآن، فقلت له سوف أنتظر معك لأنك حبيبي. واتضح أنه كان يريد أن يقلّني بسيارته مساعدة لي، وليس لأنه يريد أن يجلس معي أو يرافقني. وبعد أن جلست معه منتظرًا، قال محدثًا أحد الجالسين إننا نتعامل مع الكثير من المتوحّدين في هذه الأيام، أظنه كان يقصدني أنا.

أما في البيت فكان التوتر قائمًا، رغم أن الوالد تحوّل من الإيمان التام بانعدام موهبتي إلى الأمل في أن أصبح معيدًا في المعهد ثم دكتوراً! فهمت فيما بعد أنه لا يريدني أن أشعر بأنني حققت رغبتي، يريد أن يوهمني ويوهم نفسه بأنه من أجاز وسمح. ولم يقرأ قط أي شيء أكتبه، حتى الآن!

جاء صنايعية إلى المنزل لإنهاء بعض التشطيبات. ذكرت في موضع سابق كيف أنني وإخوتي كنا من نحمل الطوب والرمل من أجل بناء وتشطيب البيت، ولكني في هذه المرة قررت ألا أشترك في ذلك، بسبب غضبي من الوالد وشعوري أنني غير منتمٍ إلى هذا المنزل. خرجت مع صديق، ولم أعد إلى المنزل إلا بعد انتهاء أعمال الحمل والتشطيب. أتذكر أن الوالد كان غاضبًا، وحسبما أتذكر افتعل شجارًا مع أحد أخويّ الصغيرين أو أمي. لم أصرخ عليه أو أهاجمه بطريقة مباشرة، ولكني تحدثت بطريقة مستفزّة، ما جعله يهمّ بالهجوم عليّ، إلا أني وقفت مكاني ثابتًا، أرمقه بثقة وسخرية، ولم يفعل لي شيئًا. كنت خائفًا، ولكني اعتدت أن أتظاهر بالثبات. 

في نفس الوقت كنت قد اكتشفت من حديثي مع الأم أن بطاقتها البنكية في يد الوالد، يحصل على راتبها بنفسه، ويعطيها الحوافز ومصروفًا يوميًا! ما حدث علّمني أن الأموال هي عصب الحياة، وأن الحرية تبدأ من الاستقلال المادي. ولكني عاجز عن العمل بسبب التلعثم وصعوبات التواصل، ولذلك يمكنني الاعتماد على أموال أمي، كما قال الوالد لي ولنفسه لكي لا يشعر بالذنب تجاه هذه الأموال التي تُصرف على السينما.

قررت أن أدافع عن حق الأم في أموالها، ولكني لم أجرؤ أن أعبّر عن ذلك بطريقة مباشرة. جاء للأم حافز انتخابات، رغم أنها لم تشارك فيها؛ الموظفون يشاركون في تنظيم عملية الانتخاب مقابل مبلغ مالي. خرجتُ معه للحصول على هذا الحافز. حاول التملّص من إعطائه لي، ولما وجد المبلغ كبيرًا سألها عبر الهاتف عمّا سيحصل عليه منه، لأنه ليس ككل حافز. وأظهرت رفضي لذلك، وحصلت على المبلغ بالكامل. وكان الوالد غير راضٍ عن ذلك أبدًا، لكنه وجم، ورحل إلى بيته الثاني. وعدت إلى أمي بالأموال، وكانت قلقة، وكأنها تتوقع ما سيحدث.

في اليوم التالي هاتف الوالد الأم قبل وصوله إلى البيت كعادته. قالت: «إيه.. نفسحوا الطريق يعني ولا إيه؟». لقد قال لها إنه آتٍ، وربما كان يعلم أنها سترد بسخرية تعجز عن كبحها، خاصة في ظل التوتر القائم بسبب الحافز وتعاطفي معها. ولما عاد إلى البيت وجاءت إليه، طلب منها ألا تجلس بجواره! وسألها إذا كانت مجبرة على الحياة معه. كان موقفًا غريبًا، لم أفهم وقتها ماذا يحدث، ولكني فهمت بعد وقت أنه منزعج من دفاعي عنها وعن الإخوة الصغار، ومنزعج من تملّصي من الاشتراك في حمل الرمال ومساعدة العمال مثل بقية إخوتي. وكانت أمي واعية بذلك، ولكن رد فعلها كان أغرب من موقفه. كان من أغرب الأشياء التي شاهدتها في حياتي؛ جعلت تقول بهستيرية: «ده أنت جزمتك فوق راسي»، وتقسم بانفعال شديد بأنها لم تقصد شيئًا سيئًا. حتى الأخ الأكبر انزعج مما تفعل. قلت لها: لماذا تفعلين ذلك؟ سألني الوالد لماذا أنا متعاطف معها، فقلت له: «وده مضايقك في حاجة؟». كنت أقول ذلك وأنا أنظر في عينيه بقوة تمثيلية مستفزّة.

موقف الأم أشعرني بالاشمئزاز تجاهها. ظل تعاطفي معها قائمًا، ولكني لم أتقبل هذا الانحطاط الذي تحطّه من نفسها. بعد وقت طويل، وبالرجوع إلى ماضيها، فهمت أنه بعد رحيلها بعيدًا عن أهلها أصبحت ضعيفة جدًا في مواجهة الوالد، وقد كانت ضعيفة منذ البداية، ولذلك -كما ذكرت- كانت تحاول، وأسرتها، التظاهر بالقوة. ولكن الوالد تمكّن منهم لما أبعدها عنهم، قبل أن تصبح بطاقتها البنكية في يديه. فهمت لماذا رفضت الطلاق وقالت إنني لا أفهم شيئاً.

لست متذكرًا متى حدث ذلك بالضبط، ولكنه كان صدى لموقف الأم ودفاعي عنها وعن الإخوة، وكان كذلك نسخة أخرى من موقف (أنت فاشل). عاد الأب إلى المنزل غاضبًا، فجعل يصرخ على الجميع واحدًا تلو الآخر، كلٌّ في دوره. وكالعادة لم أدخل غرفتي أو أظهر غضبي، بل جلست أشاهد التلفاز متظاهرًا بالثبات واللامبالاة. كنت أعتقد أن المرء ليس عليه أن يُظهر مشاعره؛ هكذا تربيت، وهذا ما اكتسبته لما تعرضت لما تعرضت له في الصبا والمراهقة من معاناة. جلست أشاهد التلفاز حتى جاءت لقطة خادشة للحياء، كان رجل يداعب زوجته كلاميًا. وقد مددت يدي بالفعل نحو الريموت، ولكن الوالد لم يلاحظ. قال لي: «ما تغيّر يا وصخ، مستني إيه؟». وبسبب التلعثم لم أستطع أن أقول إنني سأفعل، ولكني استطعت أن أقول شيئًا آخر غير مناسب. المتلعثم يتعثر غالبًا فيما يهتم بقوله، في حين قد يستطيع التحدث بطبيعية في غير ما يهم. قلت: «دي لقطة لقطة». فإذا بالوالد ينهض غاضبًا ويصفعني بكل قوته قائلًا: «لقطة! يا ابن الكااالب».

نظرة الظفر في عيني الأخ الأكبر لا تُنسى، وكأنه يقول: أخيرًا فعلتها يا أبي. لم أنهض، لم أدخل غرفتي، وحاولت كذلك ألا أبكي، ولكن دموعي انهمرت بغزارة غير مسبوقة. زممت شفتيّ بقوة، وانتفض صدري كالعادة بسبب المقاومة، ولكنها كانت الانتفاضة الأعنف بفضل المقاومة الأكبر. بقيت مكاني جالسًا حتى طلب مني الوالد أن أدخل الغرفة. كان المحزن عدم القدرة على تحدّيه؛ لقد كنت أتظاهر أنني جريء في مواجهته، غير خائف منه، أنظر في عينيه بقوة وأتحداه، ولكن هذه الصفعة فضحت حقيقتي: أنا لا شيء في مواجهته، أنا في قمة العجز ومنتهى الضعف.

الفصل الثاني عشر

1 تعليقات

  1. لا ليس ضعف
    الاستسلام الواعي أعلي درجات القوة

    ردحذف
أحدث أقدم

نموذج الاتصال