ميدو يحكي - سيرة ذاتية - الفصل السابع

 ميدو يحكي

* * *

عندما جاء الصف الثاني الثانوي قررت أن أغير المعهد أو المركز التعليمي الذي أحصل فيه دروسي الخصوصية. تركت مركز القويري والتحقت بمركز الضوي في منطقة الهانوفيل. تركت صديقي الأول وصادقت آخر. كان العام الثاني في الإسكندرية من أصعب ما يمكن؛ كنت أواجه صعوبة شديدة في نطق اسمي، وكان يتعين علي نطقه من أجل التسجيل ودفع المصروفات في بداية كل شهر. وكنت أتعرض بشكل مستمر للتنمر من قبل الفتيات بسبب شكلي. مرة قالت إحداهن بفجاجة ودون أي مراعاة لمشاعري، بينما كنت مارًّا من أمامها: ايه العيل ده؟ وكعادتي احتجت إلى فتاة أخرى أوجه مشاعري تجاهها، ولكن هذه المرة لم أحاول بأي شكل من الأشكال أن أتقرب منها. اكتفيت بمتابعتها في صمت، وتظاهرت أمام صديقي الجديد أن ما يمنعني عن التقرب منها هو عدم وجود فرصة، خاصة وأنني لا أعرف حتى اسمها.

وانكببتُ على الاستمناء، أتذكر أنني مارسته في يوم من الأيام أربع مرات متتالية في يوم واحد. أفهم الآن أنني كنت أبحث عن ملاذ، أبحث عن لذة تسكن ما بي من آلام، ولو كان مسكنًا كاذبًا. وفي البيت واصلت اتباع الطريقة التي اكتشفتها للتعامل مع استفزاز الأخ الأكبر، وهي أن أضايقه في غير ما يضايقني. وأتذكر أنني كنت أشتبك كثيرًا مع أخي عبده، كان أسلوبه في التعامل مستفزاً، ولكني الآن نادم كل الندم على ذلك، وقد اعتذرت له قبل بضع أعوام عما بدر مني في هذه الفترة. لقد كنت شديد السخافة معه، أصرخ في وجهه إذا ارتدى قطعة من ملابسي، وبخاصة القميص الكحلي المميز، وكنت أستمتع بهذا الصراخ. وحين يصل الأمر إلى اشتباك جسدي، كنت أقول للوالد عندما يعود إنني أخطأت وأطلب منه أن يعاقبني، وكانت تلك الطريقة تدفعه لعدم معاقبتي، فكنت بذلك أظلم عبده الذي كان من حقه أن يقتص مني لأنني اعتديت عليه بالضرب.

وكان الوالد في هذه الأثناء منشغلًا بالزواج والإنجاب، بعدما أبعد الأم عن أهلها وبلدها، وأصبح من المستحيل نقلها من العمل مرة أخرى إلى الصعيد، لأسباب بيروقراطية لا أفهمها. ولذلك أهمل في أمر أخويّ الصغار؛ كانوا يقضون وقتًا طويلًا جدًا في الشارع ومحل البلايستيشن. ذات مرة اشتكى لي الوالد من تردي أخلاقهما، وأنهما ليسا مثلي ومثل الأخ الأكبر، فقلت له إن السبب في ذلك يرجع إلى اهتمامك بنا في الصغر، وعدم اهتمامك بهما في المقابل.

كان ذلك قبل أن تبدأ معركة الصف الثالث الثانوي.

بدأت الدروس في منتصف يوليو 2018م. قضيت حوالي أربعة أشهر في التزام تام؛ أنام مبكرًا، أستيقظ فجرًا، أصلي كل الفروض، أذاكر دروسي بنظام وثبات، منقطعًا عن الاستمناء، حتى سقطت! انتكست وعدت إلى الاستمناء، خاصة لما دخل الواي فاي إلى منزلنا، ولشعوري بالذنب وإحساسي أن الله غاضب علي تعثرت دراسيًا، فاتتني دروس كثيرة وتراكمت عليّ دروس أكثر.

وعلى التوازي اكتشفت علاقة الصديق الجديد بصديقة الفتاة ذاتها التي راسلتها على صراحة، والتي كشفت لها عن هويتي. وكان اكتشافي علاقته بصديقتها سببًا يبعث على الغيرة، تمامًا مثلما كنت أغار من صديقي الأول لأن الفتاة حينها وصفته بأنه رجل بحق، ووصفتني بـ الصغنن. وقد تأثرت فتاة صراحة بما لاقته من كثير من الشباب من إعجاب، فأصبحت مغرورة وقحة. كانت تطيل النظر إليّ وتتعمد أن تضحك مع زميلاتها بصوت مرتفع حتى أسمع وأعرف أنهن يتنمرن عليّ. وفي حصة ما تركت مكانها وجلست خلفي وصديقي، وكانت إذا ما اصطدمت به أثناء الجلوس أو التحرك اعتذرت له باهتمام واحترام لا تظهر مثله تجاهي. كانت الحصة حصة أحياء، وكان المدرس يملي علينا إجابة أحد الأسئلة، فقال جملة: يقف نمو هذا الطفل، فما كان منها إلا أن رددت هذه الجملة في سخرية وتعمدت أن أسمعها.

ولدى نهاية العام الدراسي جاءتني حالة نفسية غريبة، كنت عاجزًا عن استيعاب قدرة عقلي على الحفظ والاستذكار، كنت أنشغل بالتفكير في إمكانية الحفظ عن الحفظ نفسه، ولخوفي واهتمامي الشديد بالحفظ والمذاكرة كنت أعجز عن فعلهما. أتذكر أنني أمسكت بالكتاب وضربت به الحائط غضبًا من عدم قدرتي على التركيز. وأتذكر أنني استمنيت في بعض ليالي الامتحانات. وكنت أستيقظ من نومي مذعورًا، أريد أن أسعل وأريد أن أتنفس في نفس اللحظة، فأجعل أتشنج محاولًا التنفس وأظل على هذه الحال للحظات. وأتذكر أني استيقظت من نومي وكنت في حالة تشبه حالة الحلم، فتخيلت أن جدران الغرفة طويلة ممتدة، وأنني سأعجز عن تجاوزها والخروج من الغرفة، فصرخت لكي يأتي أهلي من الصالة ينقذونني.

ورغم كل ذلك وُفقت وحصلت على مجموع مرتفع: 96%. كنت مصابًا بفكرة تعجزني عن التفاعل الطبيعي؛ عندما أفرح تحديدًا أعجز عن التعبير عن فرحي، لأنني عاجز عن الاندماج في اللحظة الحالية، منفصل شعورياً عما أشعر به، في لحظات الفرح أكون متجمدًا غير قادر على ترك العنان لنفسي. ولذلك لم أبتسم ولم أهلل بعفوية وقت ظهور النتيجة، بل كنت متكلفًا رغم سعادتي، وفي نفس الوقت، ولسبب ما، كنت خائفًا متحسبًا.

الفصل الثامن

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال