ميدو يحكي - سيرة ذاتية - الفصل الثامن

ميدو يحكي - سيرة ذاتية
* * *

لم تكن حياتي معاناةً متصلةً، كما يمكن أن تظنّوا بسبب ما قصصتُ عليكم في الفصول السابقة. لقد كان لديّ أصدقاء، ألعب معهم كرة القدم والبلايستيشن. لم أكن جيّداً في كرة القدم؛ لم أعد جيّداً فيها منذ انتقلتُ إلى مدرسة التحرير، ولكنني كنت أحياناً ألعب جيّداً إلى حدٍّ ما، وكنت جيّداً إلى حدٍّ كبير في البلايستيشن. وكنت مهتمّاً بالموسيقى؛ أحبّ أغاني أحمد ناصر الجوكر، وخاصةً أغنية «سكان الليل». وكنت أحبّ المسلسلات، وخاصة أعمال يوسف الشريف، الذي هِمتُ به في فترةٍ من الفترات، وتمنّيت أن أصبح ممثّلاً في المستقبل، ولكن بالطبع بعد أن أدرس الطب وأتغلب على التلعثم بطريقة ما. لم أفكّر قطّ في أن أكون فناناً، ولكن عندما حصلتُ على مجموعٍ كبير في الثانوية العامة بدأتُ أشعر بالاستحقاق لأول مرة منذ زمنٍ طويل، فبدأتُ أسأل نفسي بصدقٍ عمّا أحبّ أن أكون، وليس ما يحبّ الأب أن أكونه.

لقد أنهكتني الثانوية العامة، التي اجتهدتُ فيها كما لم أجتهد من قبل؛ كنتُ كمن نفدت طاقته، وأصبحتُ غير قادرٍ على بذل مجهودٍ في الحفظ والدراسة بالشكل التقليدي. لم أصل إلى القرار المناسب أول الأمر، ولكنني خطوتُ خطوةً نحوه، بأن قرّرتُ الالتحاق بكلية العلوم دون أيٍّ من كليات الطب. وكانت صدمةً للوالد؛ قال: «أنت مستكتر علينا نتباهوا بيك؟». وكنتُ قد فكّرتُ وسألتُ نفسي لأول مرة عمّا أحبّ دراسته، وكنتُ قد أحببتُ الجزء الخاص بالوراثة في منهج الأحياء في الصف الثالث الثانوي. بحثتُ على الإنترنت عن هذا التخصّص فوجدته في كلية العلوم. ولحسن الحظ كان معدّل تنسيق الكليات في ثانوية عامة 2019م مرتفعاً، ولم تتَح لي أيٌّ من كليات الطب، رغم أنّني تأثّرتُ بكلام الوالد والأخ الأكبر، وكنتُ على وشك الموافقة على دراسة الطب البيطري أو العلاج الطبيعي، على سبيل المثال، باعتبارهما أقرب الكليات من مجموعي، ولكن لم يأتِ في التنسيق سوى كلية العلوم. ولم أشعر بارتياح. أذكر أنّني سألتُ الوالد، وكأنني أمزح: «هو أنا لو دخلت آداب هتعمل إيه؟» فقال لي: «ده أنت تبقى قليل الآداب».

نظّمت كلية العلوم بالإسكندرية فعاليةً لتعريف الطلاب بطبيعة الدراسة وأقسام الكلية، ولم أحضرها. حضرها صديقي حسن، الذي التحق بالكلية نفسها، والتحق صديقي الآخر والفتاة المغرورة بكلية الزراعة المجاورة لكلية العلوم، والتحقت صديقتها بكلية الآداب. كان يبدو وكأنّ الله ينصرني، بأن جعلني أحصل على مجموعٍ أعلى منهم جميعاً؛ فصديقي الأول جاءتْه كلية علوم الإسكندرية بعد تقليل الاغتراب، في حين جاءتني دون الحاجة إلى ذلك. وكان يبدو وكأنّ الله يريد أن يقرّب الفتاة مني؛ كنتُ أفكّر في أنّها قدري، وأنّها ستكون لي. لم أعرف وقتها سبب كلّ هذا التمسّك والاهتمام؛ كنتُ أظنّ أنّني أحبّها بصدق، ولكنني -كما ذكرتُ- كنتُ أوجّه مشاعري المكبوتة تجاه من أختارها بإرادتي. غير أنّ هذه الفتاة كانت تحيط بها هالةٌ من السحر لم أفهم سببها إلا لاحقاً.

بكيتُ في أول أيام الدراسة. كنتُ أجلس بجوار صديقي الذي أخذ يدوّن باهتمام وفهم وراء المحاضر ذو الصوت والنبرة المزعجين. كانت محاضرة رياضياتٍ عامة؛ كنا ندرس في هذه المادة الرياضيات البحتة التي درسها طلاب علمي رياضة في الصف الثالث الثانوي. لقد اخترتُ شعبة علمي علوم حتى أتجنّب الرياضيات؛ فلماذا أدرسها في أول سنة في الكلية؟ ولماذا تكون أول محاضرة في الفصل الدراسي؟

لم يمرّ أسبوعٌ حتى أعلنتُ عن رغبتي في ترك كلية العلوم. أتذكر حين دخلتُ من باب الشقة فسألني الوالد -على ما أتذكّر- عن أحوال الدراسة، فقلتُ إنني أريد الانتقال من هذه الكلية. فما كان من الأخ الأكبر إلا أن قهقه عالياً بطريقةٍ تمثيليةٍ مستفزّة، وقال شيئاً من قبيل إنّ كلّ الطلاب في البداية يشعرون بهذه الرغبة، ولكن ينبغي عليّ أن أتحمّل وأفعل مثلما يفعل البقية. كان جميع طلاب كلية العلوم والكليات الأخرى يشكون من الدراسة، وما كان عجيباً أنّه لم يفكّر أحدٌ منهم في تغيير مجال دراسته. كانت هناك رسالةٌ خفيةٌ فهمها الجميع ورفضتُ الإذعان لها، كنا نظنّ أنّ الثانوية العامة ستكون نهاية المعاناة، فإذا بنا نكتشف أنّ الثانوية أسهل ما سنواجه في الحياة في مصر. رفضتُ ذلك، وقرّرتُ ألا أعيش حياتي بهذه الطريقة السلبية. ولكن ماذا عساي أن أدرس؟ ومن عساي أن أكون؟ لم تكن لديّ إجابة!

سألتُ نفسي ببساطة: ماذا أحبّ أن أدرس؟ وبسبب شعوري بفقدان القدرة على التعلّم المصري التقليدي المعتمد على الحفظ، فكّرتُ أن أدرس شيئاً أهواه. وكان أول ما فكّرتُ فيه هو الرسم. كنتُ أرسم جيّداً منذ طفولتي، وكنتُ تلميذاً مميّزاً لدى مدرّسي الرسم. وفي مرحلةٍ من مراحل اليأس التي وصلتُ إليها أثناء الصف الثاني الثانوي، بعد الرفض والتنمر، انكببتُ على الرسم، ووجدتُ فيه المتنفّس. قرّرتُ أن ألتحق بكلية الفنون الجميلة، ولكن رغبتي قوبلت بالرفض من قِبل الوالد، الرفض الذي داراه بتحريم هذه الدراسة، رغم أنه رسام متمكن. وقد كانت لكلية الفنون الجميلة اختباراتُ قدرات، ما يعني أنّني لا بدّ أن أنتظر للعام القادم حتى أستطيع التقدّم إليها. كان الوالد مقتنعاً بأنّها مجرّد أفكارٍ عبيطة ستَمضي إلى غير رجعة، وأنّني قادر-بفضل ذكائي- على النجاة في كلية العلوم. فقرّرتُ أن أرسب متعمّداً من أجل أن أثبت له جدّية قراري.

ولم أكن حاسماً طوال الوقت؛ أحياناً كنتُ أفكّر في الاستمرار في كلية العلوم وأحاول المذاكرة، ولكنني لم أستطع بأيّ حالٍ من الأحوال. أصبح التعليم بهذه الطريقة غير مقبولٍ تماماً بالنسبة إليّ، خاصةً في ظلّ الضغوط الهائلة التي يفرضها أساتذة كلية العلوم على الطلاب. لأول مرة أرى المجتمع على حقيقته؛ شعرتُ أنّني في مستشفى أمراضٍ عقلية: الجميع يعاني، والجميع يُضطهَد، والجميع يسكت. لا أفهم لماذا!

وعاودت الرغبة في الانتحار مطاردتي. كانت قد ظهرت لديّ أول ما ظهرت أثناء الصف الثاني الثانوي، عندما اشتدّت عليّ المعاناة من التلعثم والتنمر، ولكنني لم أقوَ على التنفيذ. كان كلّ أملي فيما هو آتٍ؛ كنتُ أتخيّل أنّ الثانوية العامة ستكون نهاية مأساتي. كنتُ دائماً أتخيّل أنّني في المستقبل لن أكون متلعثماً؛ لا أعلم كيف، ربّما كنتُ أظنّ أنّ دراستي للطب ستحقّق لي ذاتي، وتدفعني لأن أثق في نفسي فأتشفّى تلقائياً. كنتُ أعلم أنّني بحاجةٍ إلى مساعدة طبيبٍ أو معالجٍ متخصّص، ولكنني كنتُ أنتظر من الأب أن يبادر بفعل ذلك. لم أفكّر في طلب المساعدة، عندما وجدتُهم يتجاهلون الأمر وكأنّه غير موجود.

الآن، وقد شعرتُ أنّني أبحرتُ في اتجاهٍ خاطئ، ولم تُغيّر الثانوية العامة حياتي كما تخيّلتُ، ببساطةٍ أصبحتُ بلا هدف، ففقدتُ الرغبة في الحياة. قمتُ بتمزيق كلّ أوراقي الخاصة: مذكّراتي وخواطري التي كتبتُها وحافظتُ عليها منذ صغري. كنتُ أظنّ أنّ أحداً سيبحث في هذه الأوراق بعد انتحاري لمعرفة السبب. أتذكّر سخرية الأخ الأكبر من تصرّفي عندما دخل الغرفة ورآني مفترشاً الأوراق، وباستخدام المقص أقطعها قطعاً صغيرة، لم أردّ على ما قال.

وكان ما يمنعني عن الانتحار هو عدم الرغبة في جرح أهلي، وخاصة أبي. كنتُ أتخيّل دخوله الغرفة وإيجادي معلّقاً من رقبتي إلى السقف، فأشفق عليه، ولكنني لم أجد إجابةً عن سؤال سبب وجودي في هذه الحياة. أتذكّر أنّني تحدّثتُ مع صديقي حسن، وتساءلتُ: لماذا ندفع ثمن خطأ آدم؟ لماذا نُعذَّب في هذه الحياة الدنيا بسبب خطأٍ لم نرتكبه؟! وقال لي إنني أسير في سبيل الإلحاد، وقد كان للإلحاد بالفعل دور مهم فيما حدث بعد ذلك.

الفصل التاسع

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال