* * *
في منتصف عام 2016م سافرنا إلى الإسكندرية، وأقمنا في العجمي هذه المرة، في شارع عيد الطلخاوي، وكأننا استبدلنا نظام العائلات، الذي كان يفرض على الجميع احترام عائلة بعينها أو عائلتين، بسيطرة العرباوية! عشنا بينهم وكأننا نعيش في الصحراء؛ فأمامنا كانت هنالك أرض يرعى فيها أحد العرباوية أغنامه، مثلما كنا في الصعيد محاطين بالأراضي الزراعية التي يخرج إليها أصحابها صباحًا ومعهم حميرهم وجواميسهم، ومساءً تحرسها كلابهم المتوحشة. وقد وجدت كلاب الإسكندرية ضعيفة مسالمة مقارنة بكلاب الصعيد، الذين تسببوا لي في صدمة نفسية جاهدت كي أتعافى منها.
بعد شهرين بدأتُ دروسًا في معهد أو مركز القويري التعليمي. منذ أصبحت في الصف الخامس الابتدائي وأنا محاط بالبنين في المدرسة وفي الدروس، لذلك كان وجود البنات معنا في الدروس أمرًا مثيرًا، خاصةً عندما وجدت عددًا كبيرًا جدًا من الطلاب يحضرون معي. في الصعيد أذكر أنني رفضت الدروس الخصوصية لدى أفضل المدرسين لأن عدد الطلاب في مجموعاتهم كان عشرين وخمسة وعشرين طالبًا! الآن أنا وسط ما لا يقل عن مئة طالب وطالبة. وكان ذلك أمرًا سلبيًا؛ فمن الأفضل أن يعرفنا المدرس، يعرف أسماءنا ومستوى كلٍّ منا الدراسي، فهذا يشعرك بأنك موجود. ولكن في الإسكندرية كان المدرس يدخل ليشرح ثم ينصرف دون اهتمام حقيقي بالطلاب، باستثناء طالبين أو ثلاثة فقط يعرفهم لأنهم متميزون.
وفي المدرسة كنت في فصل طلابه خيرين إلى حدٍّ ما. تعرفت على صديق في المدرسة، وآخر في الدروس الخصوصية. كنت متابعًا لكرة القدم، أشجع الأهلي وريال مدريد، ولكني لم ألعب مع أصدقائي إلا بعد وقت ليس بقصير، بسبب إحساسي أن مستواي متدنٍّ. سارت حياتي بسلاسة إلى حدٍّ ما لبضعة شهور. كنت أواجه صعوبة، بطبيعة الحال، في التحدث، ولكنها لم تكن صعوبة بالغة مثلما كنت في الصعيد. لكن وجودي وسط البنات لأول مرة منذ زمن جعلني أرغب في التقرب منهن، خاصةً عندما وجدت الجميع من حولي مصادقين ومرتبطين بالفتيات، وتحديدًا حسن صديقي في الدروس، الذي كان على علاقة مع ما لا يقل عن سبع فتيات في آنٍ واحد.
سألني صديقي عمّا إذا كنت في علاقة مع فتاة، فخجلت أن أخبره أنني لم أرتبط بفتاة قط، وقلت له إنني كنت في علاقة، ولكنها انتهت. وحكيت له عن فتاة من الصعيد، كانت هذه الفتاة ما إن تراني في الشارع صدفة، حتى تنظر إليّ كثيرًا. كان يبدو أنها معجبة بي، ولست أفهم حتى الآن حقيقة مشاعرها. المهم أنني حدثت صديقي عنها، وأخبرته أنني كنت مرتبطًا بها، حتى إنني استغللت سؤاله عن أحوالي ذات يوم بدوت فيه حزينًا، فكذبت عليه وقلت إن اليوم عيد ميلادها، وأنني مفتقد لوجودها في حياتي. وهُوِستُ بفكرة الارتباط بها، رغم أنني كنت أرفض ذلك في الصعيد. كان أصدقائي يقولون لي إنها معجبة بك، تواصل معها، ولكني كنت أرفض وأقول إن ذلك حرام! يبدو أنني كنت خائفًا من الفشل مرة أخرى، وكنت أخشى وقوع مشاكل بين عائلتها وأسرتي إذا ما عرف الناس بالأمر، خاصةً أننا مستضعفون. وكان ذلك مصدر رعبٍ لي عقب مصارحة فتاة الصف السادس الإبتدائي، ولكن لحسن الحظ لم يحدث شيء من قبلها.
لكن بعد ما حدث في الإسكندرية تابعت الفتاة الصعيدية على إنستغرام، ولم ترد المتابعة. ولما سافرت إلى الصعيد في زيارة، خرجت في موعد خروجها من المدرسة ورأيتها بالفعل، لكنها لم ترني. كنت ساذجًا إلى حد تصوري أننا قد نتكلم في الشارع، وهذا مستحيل في الصعيد، أو ربما كنت أتصور أنها عندما تراني وتشعر أنني مهتم بها بحق ستوافق، أو على الأقل ستنظر إليّ مثلما كانت تنظر فيما مضى، ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
عدت إلى الإسكندرية وأنا أبحث عن فتاة أرتبط بها. كما ذكرت سابقًا، إنني كنت أوجّه مشاعري بإرادتي؛ أبحث عن فتاة مناسبة وأقرر أن أحبها. ووقع اختياري على فتاة تسكن في نفس الشارع الذي أسكن فيه. كانت بَضَّة بيضاء، وكنت أسترق الاستماع إلى حديث الأولاد الجالسين خلفي في المعهد لأنهم كانوا يتكلمون عنها كثيرًا. عرفت من حديثهم اسم حسابها على فيسبوك، بحثت عنه ووجدته، وبدأت في متابعتها في صمت. لكنها بعد أيام غيرت المعهد ولم تعد تحضر معنا الدروس، فصرفْتُ النظر عنها وتوجهت بمشاعري تجاه أخرى، أظنها كانت صديقة لها. كنت أنظر إليها كثيرًا، وأتعمد أن أجعلها تلاحظ أنني أفعل.
وتظاهرت مرة أخرى أنني لست بخير حتى يلاحظ صديقي ويسألني، وقد فعل. فأخبرته على واتساب -ربما بسبب التلعثم- أنني أعيش حالة حب، وحدثته عن الفتاة. وقال لي إنه سيساعدني، فهو يتواصل مع فتاة أخرى زميلة لنا في نفس المعهد، وسيطلب منها أن تعرض عليها الارتباط بي. مرت أيام من القلق والخجل، حتى أرسل لي صديقي صورًا للحوار الذي دار بين الفتاتين. كانت سعيدة لأن أحدهم معجب بها، لكنها رفضت وقالت إن شكلي أصغر بكثير من سني، في حين وصفت صديقي بأنه رجل بحق! لا أذكر ماذا قالت أيضًا، لكنني فكرت أن أرسل لها رسالة يقوم صديقي وصديقته بتوصيلها. كتبت لها إنني متقبل ما قالت، ومتفهم.
لا أتذكر ما حدث بالضبط، لكنني بعد فترة توجهت بمشاعري مرة أخرى تجاه الفتاة الأولى، خاصةً عندما أنشأتْ حسابًا على موقع صراحة، الذي يتيح لك إرسال رسائل دون الإعلان عن هويتك. وجدت الفتاة، على غير المتوقع، الكثير من الأولاد المعجبين بها. أردت أن أثير اهتمامها أكثر من أي شخص آخر، فكنت أبالغ في وصف إعجابي بها. وكان لها صديقة تغار عليها من هؤلاء المعجبين بها، فكانت تعلق على رسائلي التي تنشرها الفتاة وترد عليها بكلام حاد، وتحذرني من الإرسال مجددًا، ولكني لم أكن أبالي. رسالةً وأخرى، حتى طالبتني الفتاة بالإفصاح عن هويتي، لكنني رفضت خوفًا من الرفض.
ولم أتوقف عن الإرسال لها حتى طلبت مني أن نتحدث! فقمت بإنشاء حساب وهمي نتحدث عبره، وكانت غير سعيدة بذلك، إذ كانت تريد أن تتعرف على هويتي. تحدثنا عن إعجابي بها، وقالت إنها رافضة للارتباط غير الرسمي. ومرة أخرى أظهرت تقديري وتقبلي للرفض رغم كل شيء، بل واعتبرت أن حديثنا يعني وعدًا بالموافقة حين يصبح بمقدوري التقدم لخطبتها بشكل رسمي. في هذه الفترة حلمت أنني كنت أسير في الشارع الذي أسكن فيه، ووجدتها، وكان يبدو عليها أنها مصابة بدوار، فساندتها حتى أوصلتها إلى مدخل بنايتها، وقبل أن تدخل نظرت إليّ وسألتني: «أنت مين؟»
بعد فترة وجيزة، وتحديدًا في رمضان 2017م، دخلت على حساب الفتاة الثانية، فوجدتها تنسخ منشوراتي وتنشرها على حسابها. سألت صديقي وعرفت أنها كانت تريد أن تكتشف إذا كنت ما أزال أزور حسابها أم لا، وسعدتْ عندما اكتشفتْ أنني أفعل، خاصةً وأنني قمت بسرقة منشورات من حسابها حتى يكون ذلك بمثابة رد عليها. وسعدتْ بذلك. قال لي صديقي إنها مترددة في أمر علاقتها معي، لا تريد الارتباط بي بالشكل المعتاد، لكنها لا تريد أن تقطع حبل الوصال. سعدتُ بذلك، لكنني قلت له إن هناك فتاة أخرى غيرها في حياتي. قال لي: فكّر وقرّر.
فكرت وقررت أن أجاري الفتاة الثانية في أمر سرقة المنشورات، وعرضت أن تنشئ حسابًا على صراحة، وأنا كذلك، حتى نتراسل عبره ما دامت ترفض فكرة التواصل المباشر، لكنها رفضت ذلك بشدة! ولم يمر وقت طويل حتى قالت -عبر الصديقة المشتركة بينها وبين صديقي- إن هناك عريسًا متقدمًا إليها، وإن علاقتي بها ليس لها مستقبل! وقد حرصتُ عليها أكثر من اللازم، فحظرت حسابها على فيسبوك؛ كنت أخشى أن يعثر خطيبها على حسابي في خانة البحث فأتسبب لها في مشكلة، ومن ناحية أخرى كنت أريد قطع حبل الوصال نهائيًا. فإذا بها، بعد فترة، تراسل صديقة صديقي وتعرب عن غضبها مما فعلت. واكتشفتُ أنها لا تعرف أنني قرأت الرسائل التي تحدثت فيها عن العريس، ونشب عراك بينها وبين الصديقة المشتركة، وانتهى أمر علاقتي معها.
لكن ما حدث دفعني للسعي وراء الوهم مرة أخرى، فعاودت مراسلة الفتاة الأولى عبر موقع صراحة، وكأنني شخص مختلف. رسالة وأخرى، كنت أريد أن أشعر بوجودي، أريد أن ألفت انتباهها. لكن هذه المرة قررت أن أكشف عن هويتي. وعندما طلبت مني ذلك أرسلت لها طلب صداقة، وأرسلت لها رسالة أخبرها باسم حسابي لكي تعرفه، ولم أرسل أي شيء آخر، ولم تنشر هي أي شيء آخر. وتعرفتْ عليّ في الواقع عندما قابلتها صدفة أثناء ذهابي للدرس؛ كانت مع عدد من صديقاتها، وأطالت النظر إليّ، في حين أشحت ببصري بعيدًا عنها، وأنا ممتلئ بالخجل والخوف.
