بدايةُ اليوم الدراسي في السادسة صباحًا تستوجب استيقاظَ الأستاذ مجاهد في الخامسة. ومشكلاتُ عائلته مع العائلات الأخرى استوجبت سكنَه في بلد أخرى بعيدًا عن صعيدهم. كان الأستاذ مجاهد يسكن بالقرب من السكة الحديدية، متحمّلًا صخب القطار ذهابًا وإيابًا، خاصةً في المساء.
حلق الأستاذ مجاهد ذقنه وشاربه بعد أن مرّ يومان على الحلاقة الأخيرة. رتّب غرفته وأعدّ إفطاره لنفسه، وقد اعتاد أداء مهام العناية بالمنزل منذ انفصاله عن زوجته بسبب عُقمه، ولم يحاول بعدها أن يتزوج بأخرى. رضي بوحدته، بل وبمرور الوقت سعد بها. كوى ملابسه: السروال القماشي، والقميص ذا الياقة السميكة، التي تمتص عرق مجهوده أثناء شرح دروس اللغة العربية، التي يدرّسها لطلاب الابتدائية. قبل أن يضع كراساتهم التي سهر على تصحيحها في حقيبته، ومعها دفتر تحضير الدروس. أطفأ الأنوار وغادر المنزل بعد أن تأكد للمرة الخامسة والعشرين من أنه فصل المكواة عن الكهرباء.
لم تكن مدرسة الفيروز ببعيدة عن بيت الأستاذ مجاهد، لكنها كانت بعيدة عن أغلب الطلاب، ما جعل أعدادهم فيها قليلة مقارنةً بغيرها من المدارس الواقعة في المناطق الحيوية. وكانت تلك ميزةً بالنسبة للأستاذ مجاهد، إذ يفضّل العدد القليل من أجل التواصل السليم مع الطلاب ومعرفتهم معرفةً جيدة.
في الأمس اكتشف أن أحد الطلاب غشّ في حصة الإملاء، حين وجده كتب أكثر مما أُملي عليه من الدرس، فعرف أنه نقل الدرس في الكراسة قبل أن تبدأ الحصة، ثم تظاهر بأنه كتب ما أُملي عليه. كان الأستاذ مجاهد قد توقّف منذ زمن عن الضرب، متجاهلًا نصائح زملائه بضرورته من أجل التربية. وقد أطلقوا الشائعات بأن الأستاذ مجاهد يرفض ضرب الطلاب حتى يجذب عاطفتهم نحوه، فيستدرجهم إلى حجرة الفئران في المدرسة ويتحرش بهم! لم يكن الأستاذ مجاهد يعرف شيئًا عن هذه الشائعة.
طلب الأستاذ مجاهد من الطالب الغاش أن يقف، وسأله:
- شوفتني ضربت حد معرفش يتملى؟
تأخرت إجابة الطالب، فكرّر الأستاذ مجاهد سؤاله، فقال الولد:
- لا يا أستاذ.
- أومال غشّيت ليه؟
- عشان أمي بتضربني ع الدرجات.
- طيب.. استناني بعد المدرسة.
وقرر الأستاذ مجاهد أن يجلس معه على انفراد ليقوّيه في مادة اللغة العربية، حتى لا يلجأ ثانيةً إلى الغش، وفعل ذلك دون مقابل؛ إذ إنه يكره فكرة الدروس الخصوصية، ويتحمّل صعوبات الحياة التي تحتاج إلى كثير من المصروفات، ما أثار دومًا سخط زملائه ودفعهم إلى إطلاق مزيد من الشائعات.
كان للأستاذ مجاهد روتينٌ لا يتغير؛ يعود من المدرسة ظهراً، وفي هذا اليوم عاد متأخراً بسبب درس تقوية الطالب الغاش. وفعل ما يقوم به عادةً، يُعدّ غداءه، ثم يتناوله ويغسل المواعين، قبل أن ينام لمدة ساعة ونصف أو ساعتين، ويستيقظ مع بداية المغرب لمشاهدة الحلقة الجديدة من مسلسل مبروك جالك قلق. كان يرى نفسه في شخصية مبروك، مدرس اللغة العربية ذو المبادئ.
بعد مشاهدة الحلقة كان يذهب غالبًا إلى مقهى قريب من بيته، وقريب بطبيعة الحال من محطة القطار، ما جعل المقهى لا يستقبل تقريبًا إلا المسافرين، بحقائبهم وقلقهم. كان الأستاذ مجاهد غالبًا ما يجلس وحيدًا، يشرب القهوة، ويلعب الشطرنج ضد نفسه، أو يقرأ كتابًا. كان يعشق السير الذاتية، وأُعجب كثيرًا بسيرة غاندي الطويلة، العامرة بالأحداث والدروس المستفادة. وكان يتساءل: لماذا لا تُدرّس مثل هذه السير في المدارس للطلاب؟ لكنه كان يدرّس لطلاب الابتدائية، وبالتالي من الصعب عليهم استيعاب مثل هذه المعلومات؛ لذلك فكّر في تبسيطها وتعليمها لطلابه بجانب دروسهم. كما فكّر في إنشاء نادي كتاب في المدرسة، وفكر كذلك في تنظيم حفل سنوي يعرض فيه الطلاب مواهبهم، وقرر أن يعرض هذه الأفكار على مدير المدرسة غداً.
قبل أن يصل الأستاذ مجاهد إلى باب بنايته، انقطعت الكهرباء في المنطقة بالكامل، ولم يكن ذلك معتاداً. كان الشارع خاوياً كعادته، وحين يكون غير ذلك يكون أناسه المسافرين أو العائدين دائمًا مشغولين بأحوالهم، مواعيد سفرهم، وأحمالهم الثقيلة، كعادة أهل الصعيد. أخرج الأستاذ مجاهد هاتفه ليضيء كشافه الصغير، وفكّر أنه عليه أن يشتري هاتفًا محمولًا أكثر تطورًا من هذا الذي يحمله.
عندما وصل إلى باب البناية، سمع صوتًا آتيًا من الداخل، وكأنه شخص يتحرّك، لكن الشخص ثبت مكانه للحظات وظهره للأستاذ مجاهد، فعجز الأخير عن ملاحظة وجوده. حتى إذا ما حلّ صخب القطار، رفع الشخص مسدسه نحو صدر الأستاذ، وانطفأ كشاف الهاتف بسبب انخفاض طاقة البطارية، التي لا يهتم الأستاذ مجاهد بشحنها لعدم استخدامه للهاتف بشكل مستمر. شعر بوجود الشخص وسمع أنفاسه، قبل أن يضغط الأخير على الزناد، مستغلًا هدير صوت القطار الصاخب ليغشى على صوت إطلاق الرصاصة التي استقرت في صدر الأستاذ مجاهد، وتركته ملقىً على الأرض ينزف دماءً ثقيلة حارة، في حين أسرع القاتل خطاه في الظلام نحو المحطة، وركب القطار عائداً إلى بلده.
