حديث ذاتي مرة أخرى! لقد تحدثت عني كثيرًا وكثيرًا، وما وصل إليكم من كتابات ذاتية أقل بكثير مما كتبت بالفعل. الهموم تثقل على قلبي ثقلًا، والذكريات تملأ رأسي ألمًا، فأعجز عن المضي في حياتي وهذه الأحداث فوق ظهري. أطلب منكم أن تتحملوا كثرة حديثي عن نفسي، واعلموا أنني أتواصل معكم من خلال كتاباتي كما لم أتواصل مع أحد من قبل. من سيقرأ ما كتبته سوف يعرفني أكثر من أي شخص عاش معي.
إن كنت قد كشفت في كتابات سابقة عن جزء من حياتي وما بها من مواطن قوة ومواطن ضعف، ومواضع فخر ومواضع خزي، فإن ما كشفته ما هو إلا جزء صغير منها، وإني لعاجز عن كتابة جزء ثانٍ من قصة «صوت داخلي»، وعاجز كذلك عن كتابة ما حدث قبلها، فلقد عبرت عن فكرتي بالكامل من خلال الجزء الذي كتبته. ولكني لا أقوى على السكوت عن بقية الأحداث، الآن أريد أن أكشف عن الحقيقة كاملة، بدون إطار درامي، سوف أفتح لكم قلبي وذاكرتي.
الأسرة عاشت في منزل آخر قبل الانتقال إلى هذا المنزل الذي وُلدت فيه في 16 أكتوبر 2000م، في مركز طما بمحافظة سوهاج. كان المنزل في منطقة اسمها بحري البلد، بجوار منزل إحدى عماتي، وبالقرب من منزل جدي، والد أمي. اعتاد الوالد أن يذهب ليلًا ليسهر عند شقيقته، وأذكر أنني كنت أُصاب بحالة هستيرية غريبة حين يهم بالذهاب إليها، فأجعل أصرخ وأقفز مرات ومرات حتى لا يترك المنزل. كانوا يضطرون إلى خداعي عن طريق جذب انتباهي نحو شيء ما، في حين يتسلل الوالد ويغادر دون أن ألاحظ. وبمجرد أن أكتشف أنه رحل بالفعل أجد نفسي في مواجهة الأمر الواقع، ولكني ذات مرة لم أرضَ وأسلم بعد البكاء، بل قمت بالوقوف فوق إحدى عبوات المخلل الموجودة في مدخل المنزل حتى أستطيع فتح الباب، الذي كان ترباسه أعلى من قامتي، وذهبت إلى بيت عمتي فوجدته، واضطر لأن يدعني أجلس معهم.
كنت أحب لعب الشطرنج مع أبناء عمتي، لا أظنني كنت قادرًا على لعبها في هذه السن الصغيرة، كنت في حوالي السنة الرابعة من عمري، وأعتقد أنهم كانوا يقنعونني كذبًا بأنني أستطيع لعبها. كنت أقضي الكثير من الأوقات في بيت جدي، والد أمي، أصنع بيوتًا من أشرطة الكاسيت، وآكل طعام سِتّي الشهي، فقد كانت ماهرة أشد المهارة في الطبخ. وفيما يتعلق بالألعاب، كنت ألعب على الأتاري في المنزل، وألعب مع الأطفال في الشارع، ولكن كان الوالد يحرم علينا تقليدهم في كثير من الأمور، منها التفوه بالألفاظ الخادشة للحياء.
لم أهتم وقتها بكرة القدم، ولكن الأخ الأكبر كان شغوفًا بها منذ طفولته، كان يكبرني بعامين، وقد كان الأخ والوالد متابعين جيدين للمباريات. كان الأب يقول إن اهتمام الأخ بالكرة سيحول دون اهتمامه بقلة الأدب، وكنت مقتنعًا تمامًا بصحة ما يقول. كان الوالد إلهي الصغير، إلهًا حقًا، كنت أقدس ما يقول وأؤمن به أيما إيمان، خاصة في ظل قسوة الأم. كانت إذا طلبت منها أي شيء دعت الله أن يبتليني بشُعراية دم مريشة، وقد ذكرت ذلك في موضع ما من قبل. وفي ظل استفزاز الأخ الأكبر وتعمده مضايقتي بشكل مستمر، أصبح الوالد مصدر الحنان والود الوحيد بالنسبة لي. كنت أدعو الله في صغري أن يميت ماما ويبقي علي بابا. لا أذكر أنني كنت مستثنًى من العقاب، ولكني في الوقت نفسه لا أتذكر أنني عوقبت من قبل الوالد مثلما كان يعاقب الأخ الأكبر؛ كان الوالد يربط يديه ورجليه بحبل ويتركه في المنضدرة بمفرده، غرفة استقبال الضيوف تُسمى في الصعيد منضرة أو، باللغة العربية، منظرة، خاصة عندما يلعب الكرة في الشارع دون موافقة الوالد.
أحببت عدة مرات في الحضانة، لا أذكر وجوه أي منهن، وقد كنت على صغر سني شغوفًا بالإناث. كان انفعال الوالد إذا ما جاءت لقطة حميمية في التلفاز دافعًا للاهتمام بالأمر أيما اهتمام. كنت في عمر الرابعة أو الخامسة أختلس مشاهدة الكليبات الغنائية التي ترقص فيها المغنيات العاريات حين أكون بمفردي في الغرفة. أذكر فيلمًا كنت أشاهده سرًا كان اسمه «أسرار البنات»، وقد حدث فيه أن أصبحت البطلة حبلى بعد مشهد حميمي مع محبوبها. لم أفهم حينها ما العلاقة بين هذا وذاك، ولم أسأل، فقد كنت في نظر أبي ولدًا مهذبًا غير مهتم إطلاقًا بمثل هذه الأشياء، ما جعلني أشعر بالذنب لاحقًا تجاه مشاهدتي هذه الكليبات. شعرت أنني سأموت عما قريب، وخشيت عذاب جهنم. كنت أتذكر ما فعلت وأبكي بلا توقف، حتى قررت أن أعترف للوالد، وتوقعت منه لومًا وعقابًا شديدين، ولكنه قال لي ببساطة: استغفر ربنا. شعرت بارتياح عميق، كأن غفرانه يعني غفران الله.
لا أذكر أنني لاحظت أو فكرت في سبب الانتصاب حينها عندما أشاهد أو أفكر في المشاهد الحميمية، ولكني أذكر أنني لاحظت ذلك فيما بعد. وبالمناسبة أذكر أن أمر الحمامة كان يعني الكثير، لم أفهم وقتها لماذا، ولكن الوالد كان يذكرها كثيرًا حين يمزح. وبالمناسبة أيضًا أذكر أن الناس كانوا يرمون جلد الذكر المقطوع عند الختان في المكان الذي يتمنون أن يكبر الولد ويعمل فيه. لا أعرف أين ألقى والدي جلد ذكري، ولكنه كان يريد لي منذ الصغر أن أصبح طبيباً.
كانت حضانتي في شارع اسمه شارع أبو فام، بالقرب من مركز شرطة طما الذي تعمل فيه الوالدة. كانت تأخذني إليها صباحًا ومنها عصرًا بعد انتهاء عملها. كانت علاقتي بمعلمتي أبلة (ز) جيدة جدًا، لا أذكر وجهها بشكل دقيق، ولكنها أول من علمني الحروف، لذلك أنا مدين لها، وأتمنى أن تكون بخير وسلامة، وأن يرحمها الله إن كانت متوفاة.
من بعدي جاء أخَوان أصغر، عبد التواب وصلاح. أذكر أن عبده كان يمرض في طفولته كثيرًا فنذهب به إلى المستشفى، أما صلاح فكانت تأتيه حالة لم أفهم سببها حتى الآن، كانت عيناه تجحظان وتثبتان ناظرتين إلى أعلى وكأنه مات مختنقًا، فنهرع ونذهب به إلى المستوصف، فإذا به يعود إلى طبيعته وكأن شيئًا لم يكن. لا توجد الكثير من الذكريات بيني وبين عبده وصلاح في طفولتي، باستثناء أنني كنت ألعب مع صلاح كثيرًا. كنت، على سبيل المثال، أختبئ وأظهر فجأة فيضحك بشدة، وقد كنا نلعب هذه اللعبة قبل أن يُصاب بهذه الحالة الغريبة التي ذكرتها، في إحدى المرات القليلة التي أصيب فيها بها في طفولته. كنت وصلاح حزب الطيبين، كان يشبهني إلى حد كبير، في شكلي وفي حساسيتي، فكنت أدافع عنه بحمية إذا ما تعرض له أي من أخوينا الآخرين.
وقد كان الوالد كثير السفر، نظرًا لأن له أقارب في غير طما، في القاهرة وفي الإسكندرية. وكنت إذا سافر أكتب له ما يحدث في غيابه، وذلك بعد أن تعلمت الكتابة، حتى يعاقب من أخطأ. كنت أحتفظ بالعديد من هذه الأوراق حتى عام 2019م، ولكني مزقت جميعها لما قررت أن أقتل نفسي، حتى لا أترك أي أثر لي.
أذكر أن التلعثم ظهر في حياتي في عمر السابعة. لست أذكر مواقف محددة، ولكني أذكر حديث الأهل عن ذلك، ومحاولة الوالد علاجي بأن اصطحبني معه إلى مسجد أبي العباس المرسي. صلينا هناك واشترى لي حبة البركة. فيما مضى كنت ساخطًا عليهم، لأن التدخل المبكر من قبل متخصص كان من الممكن أن يردع المرض، ولكني مؤخرًا لم أعد أحزن من أي مما حدث في الماضي. سألني صديق منذ أيام عما سأفعل إذا عدت بالزمن إلى الخلف، فقلت له: سأترك كل شيء يحدث كما حدث، لأن هذا ما جعلني ما أنا عليه الآن.
ولكن قبل ظهور التلعثم، وبعد اضمحلاله السريع، كنت جريئًا، أتحدث مع الكبار وكأنني رجل. ولكني أذكر أيضًا أنني كنت مشغولًا بجذب الانتباه. ما زلت أتذكر حين جاءت ابنة إحدى عماتي لزيارتنا، فخرجت إليها في المنضدرة وتسلقّت الباب من الجانبين بقدمي حتى أثير اهتمامها. ربما حديثي مع الكبار كان محاولة لجذب اهتمامهم نحوي ليس إلا. كنت أقول للصنايعية، مثلًا: الله ينور، وأسعد كثيرًا حين يبتسمون ويجيبونني: الله ينور عليك يا عم ميدو.
توزعت طفولتي على ثلاثة بيوت: الأول الذي ذكرته في بحري البلد بطما، والثاني في منطقة سيدي عبد القادر في الإسكندرية، والثالث في نفس المنطقة في طما، حيث عدنا إليها ثانية بعد حوالي عامين من الإقامة في الإسكندرية. كانت فترة إقامتنا في عبد القادر من أجمل الفترات في حياتي، رغم أن التلعثم ظهر أثناءها، ولكني كنت سعيدًا أيما سعادة. كان لي صديق يكبرني ببضع أعوام يمر على بيتنا عند كل صلاة لنصلي معًا. كنت أحيانًا أعتذر له عن المجيء، ولكنه كان يصر ويقول لي إن رفضي، رغم أن الله بعثه إلي ليذكرني، يعد ذنبًا عظيمًا. وفي فترة ما أثناء إقامتنا في عبد القادر كنت أرتدي جلبابًا وطاقية كأني رجل دين صغير، وطلبت من أبي أن يشتري لي منبهًا حتى أستطيع أن أصلي الفجر.
وفي هذه الفترة من حياتي حلمت بالرسول صلى الله عليه وسلم. لست متأكدًا إن كان من رأيته كان محمدًا بحق أم لا، لأن الحلم كان غريبًا بعض الشيء. رأيت ثلاثة قساوسة يدخلون بيتنا في عبد القادر واحدًا تلو الآخر، اثنان خرجا ومعهما الكتاب المقدس، والثالث خرج ومعه القرآن، فقالوا له: ما هذا الذي تحمله؟ فتحول إلى محمد صلى الله عليه وسلم ببطء، وكأنه مشهد سينمائي، أبيض وجهه وأبيض شعره ولحيته، وكان يبتسم وينظر إلى الكاميرا التي أخذت تقترب نحو وجهه، ينظر إلي.
في عبد القادر دخلت المدرسة. كنت أذهب إليها بصحبة الأخ الأكبر. كنا نغادر المنزل، وما نكاد نتحرك خطوتين حتى أعود إلى الأب منفعلاً، لأن الأخ الأكبر يستفزني بالكلام. ورغم ذلك كنت والأخ الأكبر قريبين من بعضنا البعض، حتى إنه ساعدني في كتابة رسالة حب إلى فتاة أعجبت بها في المدرسة، إذ كان يكبرني بعامين ويتقدم علي في المدرسة بثلاثة أعوام، لأنني تأخرت سنة عن دخول المدرسة، فكان يستطيع أن يكتب جيدًا. أذكر حينها أننا استخدمنا كلمات أغنية «بحبك وحشتيني» لحسين الجسمي من فيلم «الرهينة». لم أفهم وقتها أن المغني يعبر عن حبه لمصر وليس حبه لمحبوبة. على أي حال، كتبنا الرسالة وطبقناها على هيئة ظرف، على أن أضعها في حقيبة الفتاة دون أن تلاحظ، ولكني لم أفعل.
عدنا إلى طما وعشنا في منزل بالإيجار لمدة عامين تقريبًا. أذكر أن التلعثم عاود زيارتي أثناءهما، ولكنه لم يؤثر على دراستي، فقد كنت أتكلم بطبيعية حين يتعلق الأمر بقراءة الدرس في المدرسة أو الإجابة على سؤال المدرس. في هذا البيت أذكر متابعتي لمسلسل «مبروك جالك قلق» بشكل يومي، وغيره من المسلسلات على قناة موجة كوميدي. ولكن في هذا البيت أيضًا حدثت لنا عدة أحداث مؤلمة، منها أن جزءًا من أرضية المنزل كان طينيًا غير مبلط، وظهر لنا ذات يوم ثعابين قتلناها باستخدام الماء المغلي. وحدث أن أحد أصدقاء سكان المنزل الأصليين جاء لزيارته فجرًا وكان معه نسخة من المفتاح. لم يكن يعلم أن المنزل مؤجر لنا حاليًا. أيقظتنا صرخة الأم التي شقت سكون الليل، وسمعنا الرجل يهذي من هول المفاجأة. وقد أغلق الباب بعد أن رآنا بالداخل وجرى بسرعة، ما دفع الأب إلى أن يركب رزة لباب الشقة من الداخل. كانت هذه المرة الأولى التي نتعرض فيها لصعوبات في الحياة بسبب سوء تخطيط الأب، الذي بسببه كنا ننتقل باستمرار من مكان إلى مكان، ولم تكن الأخيرة.
انتقلنا بعدها إلى منزل تمليك بنينا فيه الدورين الأول والثاني. الدور الأرضي في الصعيد يسمى الدور الأول. أقمنا في الدور الأول حتى ننتهي من تشطيب الثاني. كان عاديًا أن يسكن بعض الناس على المحارة، أي دون دهان الجدران بالبويا، كما كان عاديًا أن يكون الحمام بلديًا وليس إفرنجيًا بقاعدة وشطاف، كما كان عاديًا أن تُبلط الأرض بالبلاط وليس بالسراميك. وكنا نندهش ونعجب حين نزور أحد أقربائنا فنجد حمامه إفرنجيًا وأرضية منزله سيراميكًا. كنا متأخرين دومًا عمن حولنا، نشعر أن أحدًا أفضل منا، العالم يعيش في عام 2009م ونحن ما زلنا في التسعينيات. حتى إن الكمبيوتر لم يدخل بيتنا إلا في عام 2011م، وكنت طوال هذه السنوات ألعب في منزلي على الأتاري، متخلفًا بذلك عن العالم من حولي.
ولكن الأخ الأكبر عرفني على لعب البلايستيشن. كان يصطحبني سرًا إلى أحد المحال لنلعب لعبة «أنجولا 2010» على سبيل المثال. كان الأب يعطينا الأموال لنشتري حاجيات للبيت، فكنا نسرق بعض الأموال ونلعب بها مباراة. كان يطلب منا أن نشتري، مثلًا، بجنيه ونصف فولًا، فكنا نشتري بخمسة وسبعين قرشًا، ونلعب بالخمسة والسبعين قرشًا الآخرين مباراة خمس دقائق، ماتش خمسة، كما كنا نسميه. بعد وقت شعرت بالذنب تجاه الوالد، ومتأثرًا بالأفلام جعلني أفكر أنني سأموت عما قريب، وأحتاج لأن أعترف له حتى أموت وأنا مستريح. ولما شاورت الأخ الأكبر انفعل وشدد على ضرورة عدم إخبار الوالد بالأمر، ولم أخبره حتى الآن.
خلال العامين 2010 و2011م عشت أجمل فترات حياتي. قبل ذلك لم أكن مهتمًا بكرة القدم، وكنت انطوائيًا إلى حد أنني كنت أقضي فسحة اليوم الدراسي في الفصل آكل سندوتشاتي. لم أكن أعلم أن زملائي يخرجون إلى الفناء ويلعبون في هذه الأثناء. ولكن في هذين العامين تحديدًا صرت مهتمًا جدًا بمشاهدة مباريات كرة القدم. كنت أحفظ كلام المعلقين على الأهداف، وأجلس على أحد شبابيك المنزل عصرًا أردد ما حفظت. وكذلك شغفت بلعبها، وكنت ألعب بشكل جيد، فكانت الفتيات يشجعنني أثناء اللعب. وخرجت من قوقعتي إلى الحياة الرحبة، فأصبحت ألعب وأجري وألهو مع زملائي الأولاد والبنات. وبطبيعة الحال، في الصعيد كان هناك حساسية في التعامل بين الأولاد والبنات، ولكن ميدو كان صديقًا جيدًا للبنات، وكان جميع زملائي يحسدونني على ذلك.
وكنت قد أحببت زميلة لي، والآن أدرك أن حبي لها ولغيرها لم يكن حبًا قط، إذ كنت أوجه مشاعري بإرادتي، أبحث عن فتاة مناسبة وأحبها عن عمد. والمناسبة في نظري تعني مهذبة، محجبة، مستواها الدراسي جيد، والأهم ألا تكون ممن يختلطن بالأولاد. وقد اخترت هذه الفتاة رغم أن لها ابنة عم أجمل منها بكثير، ولكني فضلت متوسطة الجمال حتى لا تكون ملفتة ومحط اهتمام من الأولاد. لم أخبرها قط بمشاعري نحوها. كنت أحلم يقظة بأنني سأعترف لها في العام القادم، حين نكون في حصة الألعاب وأحرز هدفًا، سأطير مثل أبو تريكة وأرفع القميص على وجهي، فيظهر المكتوب على القميص الداخلي، ويكون المكتوب: بحبك يا فلانة. ولكني لم أفعل قط. كان لها أخ سمج لا يتذكر أن له أختًا إلا حين تلعب معي، فيأتي ليتحدث معها في أي شيء. وكانت تقول لي عندما ترى أخي موجودًا: لا تظهر أمامه أننا نلعب ونتكلم، لأنه سيخبر بابا وسيمنع علي ذلك. ورغم انشغالي بالحميمية التي أشاهدها في التلفاز، وما قاله لي الأب إن هذا مسموح فقط في حال الزواج، إلا أنني قررت ألا أفعل أيًا من هذه الأشياء معها حين أتزوجها. يوميًا قبل النوم كنت أتخيل حياتنا معًا بعد الزواج، سنعيش مهذبين، ننام في أحضان بعضنا البعض فقط، دون قلة أدب.
واستيقظت ذات يوم في عام 2011م وخرجت إلى الصالة، فوجدت الوالد كعادته يشاهد قناة الأخبار صباحًا، ولكن ما كان يُعرض عليها لم يكن معتادًا. قال لي: ميدو تعالى بص اللي بيحصل في البلد. كنت قد سمعت كلمة ثورة من قبل، ثورة 23 يوليو، ثورة 1919، ولكني لم أفهم معناها قط ولم أسأل، فكانت المرة الأولى التي أعرف فيها معنى هذه الكلمة. كان الوالد قد أعطاني في بداية الشهر أجندة السنة الجديدة، التي تُوزع عليهم في العمل. كان موظفًا في النيابة الإدارية، وقد كتب في أول صفحاتها إلى الدكتور محمد محمود. وكنت أسجل فيها يوميًا ما يحدث في البلاد، مع كتابة خواطري. أذكر أنني كتبت ذات مرة: نحن جميعًا تضايقنا من مبارك، وأمنية كل الشعب المصري أن يرحل مبارك. حتى جاء يوم الحادي عشر من فبراير. وقت إعلان التنحي كان الوالد نائمًا كالعادة بعد تناول الغداء، واستيقظ مع نهاية الخطاب فأعلمته بالخبر.
من بعدها طبعت صور شهداء الثورة ولصقت صورة في كل صفحة من صفحات أجندتي، التي مزقتها قطعًا صغيرة في 2019م لما قررت الانتحار. وقد تلونت الحياة في مصر بلون الثورة. المدرسون طلبوا أبحاثًا وأنشطة عن الثورة، ونظموا حفلًا. كنا فترتين في المدرسة، صباحية ومسائية. كنت حتى الصف الرابع الابتدائي في الفترة المسائية. نظم مشاركة الفترة المسائية في الحفل أستاذ اللغة العربية. شاركت فيه مع عدد من زملائي بأن غنينا أسماء الله الحسنى. كنت الوحيد الذي غناها بحق، في حين كان البقية يقرؤونها قراءة بلا موسيقى كلامية. كانت مشاركة الفترة المسائية مثيرة للشفقة، في حين تألق مشاركو الفترة الصباحية وغنوا للثورة.
كانت حياتي في 2011م أجمل ما يمكن. حينها كنت في الصف الرابع الابتدائي، من أشطر الطلاب وأكثرهم محبة لدى المدرسين. لي العديد من الأصدقاء أولادًا وبنات. وتوجت الثورة هذا العام السعيد وصبغته بلون الحرية، التي شعرت بها تسري في أطرافي وتعطر الهواء من حولي رغم صغر سني.
قبل أن أسقط!

كمل ماتوقفش بجد كتابتك شيقه وسلسه وتظهر كأنها صوره حقيقيه
ردحذفبالتوفيق
أشكرك
حذفبالتوفيق
ردحذف