دخل أخي عبده المدرسة، ولأن أحد أقربائنا كان موظفًا في مدرسة التحرير الابتدائية، فقد قرر الوالد أن يُدخل عبده هذه المدرسة، في حين كنت أنا والأخ الأكبر في مدرسة الإسلامية، ليست مدرسة أزهرية، بل مدرسة حكومية عادية، ولكن اسمها الإسلامية. كان العام الأول لعبده مكلفًا ماديًا، إذ كانت مدرسة التحرير بعيدة عن المنزل، فكان الوالد يدفع لسائق توكتوك ليأخذه إلى المدرسة ومنها يوميًا.
وحدث في بداية عامي الخامس في المدرسة أن مدرستي التي كنت بها في العام الماضي تورطت في التدريس لفصل لا يوجد به أي طلاب جيدين، فما كان منها إلا أن حاولت إغواء بعض المتميزين للانتقال إلى فصلها. كانت هذه أول مرة أكون في الفترة الصباحية في مدرسة الإسلامية، وفي أول يوم، وقبل دخول الطلاب، وجدت صديقي الذي كنت أظنه صدوقًا يخبرني أن الأبلة فلانة تريد مني شيئًا. ذهبت معه دون فهم، وقد فهمت بعد وقت طويل أن ما حدث هو أنها عرضت عليه الانتقال إلى فصلها فرفض، فحرّضها على ضمي أنا حتى يتخلص مني، إذ كنت المنافس الأقوى له على الصدارة في سباق الأفضل في الفصل. كان أطفال الصعيد كبار دواهٍ في هيئة صغار ودعاء، فما إن يكمل الطفل ثلاثة أعوام حتى تجده قادرًا على التلاعب والغمز واللمز.
قضيت يومي الأول في فصل الأبلة البائس، وأخبرت الوالد بما حدث، فجاء إلى المدرسة في اليوم التالي. كان دومًا ما يقول لي إن له نفوذًا بفضل وظيفته، ويستطيع أن يغير أي وضع غير مريح بالنسبة إلي، وأنه لا أحد من المدرسين يجرؤ على مضايقتي، ولكني وجدته يومها عاجزًا أمام المدير. استُدعيت من الفصل حتى أقابله لدى المدير، الذي كان جالسًا في فناء المدرسة. ذهبت وكلي أمل أن ينتهي هذا الكابوس فأعود إلى فصل المتفوقين وسط زملائي، ولكني وجدت الأب يقول لي شيئًا من قبيل: لا بأس، تحمّل هذا الفصل، وبإذن الله سوف ينقلك المدير عما قريب إلى فصلك الأصلي. عدت إلى فصلي والدموع في عيني، ولم يجد الوالد من حل سوى الهروب. قرر أن ينقلني إلى مدرسة التحرير، حتى يتخلص من مشكلة فصلي من ناحية، وحتى يوفر مصروفات توكتوك عبده من ناحية أخرى، فلو أصبحت معه في نفس المدرسة سوف أصطحبه ذهابًا وإيابًا سيرًا على الأقدام.
انتقلت إلى مدرسة التحرير بعد بداية العام الدراسي بعدة أيام، وبالتالي كان الجميع قد حجز مكانه في الفصل، ولم يكن باستطاعتي أن أجلس في الصفوف الأولى. بكيت بحرقة لما جلست في الخلف، وجاء قريبنا وحاول أن يحل الأزمة بأن جعلني أجلس مكان أحد الغائبين. مر يوم، والثاني، والثالث، وعاد الغائبون، فبكيت ثانية، فأقنع عمي ثلاثة من زملائي الجالسين في الصف الأول أن أجلس بجوارهم، فنكون أربعة في المقعد الذي من المفترض ألا يستوعب سوى ثلاثة، ووافقوا لأنني صغير الحجم ونحيف.
في مدرسة التحرير وجدت تعاملًا مختلفًا تمامًا عما في مدرسة الإسلامية، وكأن كل مدرسة منهما في كوكب مختلف. كان أهم هذه الاختلافات نظرة المدرسين إليّ. حدث غير مرة أن ظن المدرس أنني الشقيق الأصغر لأحد الجالسين بجواري. كانوا ينظرون إليّ بتعجب ويقولون: شكلك صغير. وكان التلاميذ مختلفين كل الاختلاف عن تلاميذ الإسلامية، رغم أن المستوى المادي والاجتماعي متقارب، ولكنهم كانوا منحرفين، شغوفين بالجنس على صغر سنهم، مشغولين كل الانشغال بأحوال الآخر، خاصة عندما يكون هذا الآخر صغيرًا بكاءً.
لسبب ما أصبحت غير جيد إطلاقًا في لعب كرة القدم، ربما لشعوري بالغربة، وشعوري أنني بحاجة إلى إثبات نفسي أمامهم. كنت أقضي فترة الألعاب، الحصتين المتتاليتين في مدارس الصعيد وتسمى فترة، بالكامل أجري وأتحرك دون أن يمرر أحدهم لي الكرة، وإذا حدث كنت أرتبك جدًا فتُقطع مني أو أتصرف فيها بغرابة. كان دخول دوري المدارس حلمًا بعيد المنال، وحزنت لأننا في مدرسة الإسلامية لم نكن، فيما دون الصف الخامس الابتدائي، نشترك في فريق دوري المدارس، والآن حين أصبحت في الصف الخامس بات مستواي سيئًا أيما سوء. كنت أحلم يقظة باللعب ضد مدرسة أخرى وسط الجمهور لإثارة إعجاب الفتيات، خاصة وأن مدرسة التحرير كانت للبنين فقط، ولكن هذا لم يتحقق أبدًا، في حين كان الأخ الأكبر مشاركًا دائمًا في فريق دوري المدارس، في المرحلة الابتدائية وكذلك في الإعدادية.
أذكر أن التلعثم عاود الظهور مرة أخرى في هذه المرحلة. أتذكر جيدًا حين كنت أتكلم إلى أحد الزملاء فتوقفت بين الكلمة والأخرى فقلدني ساخرًا. ولكن حدث ما حدث في الماضي، لم يؤثر التلعثم على دراستي. كنت أقنع نفسي أنني لن أتلعثم عند قراءة الدرس أو الإجابة عن سؤال، وما التلعثم إلا فكرة، صوت داخلي يخبرني بأنني لن أستطيع أن أتكلم، فلا أستطيع بالفعل، وإذا ما أقنعت نفسي أنني لن أتعثر في مواقف معينة فلن أتعثر.
في فصلي كان لي زميل مميز، كان عمه ذا وظيفة مرموقة في إدارة التعليم، وأبوه مدرسًا معروفًا. كان الزميل محط اهتمام كل المدرسين، يعاملونه معاملة خاصة. أذكر أن إحدى الأبلوات سمحت له أن يشرب في الحصة، ولما طلبت منها أن أشرب صرخت في وجهي. وحدث ذات مرة أن جاءت مدرسة جديدة إلى المدرسة، ولكي تفرض علينا احترامها طلبت منا الوقوف وضربت كلًّا منا ثلاث ضربات على يديه بجلدتها السوداء السميكة، فما كان من الزميل إلا أن ترك الفصل وذهب ليأتي بمدرس يعرفه جيدًا ويعرف والده وعمه، فأخبر الأبلة بأن هذا الطالب له وضع خاص.
ولكن معلمة اللغة العربية كانت تلقبني بالطالب المثالي، وكان الزميل يلوك هذه الكلمة في شيء من السخرية، وكأنه يعرف أنه وصف صوري لن يغير في مكانته لديها شيئًا. كانت تقول لي ذلك لأنني أحضر باستمرار وأؤدي واجباتي بالكامل، أقرأ جيدًا وأجيب عن الأسئلة، وأجلس بلا صوت في الحصة.
وكان هذا الزميل، رغم تواضع موهبته، مشتركًا دائمًا في فريق دوري المدارس لكرة القدم، مجاملة لأبيه وعمه. كان يجلس في الصف الأول في منتصف الفصل، وقد سمعت من الزملاء أن والده يأتي معه إلى المدرسة فجرًا في اليوم الدراسي الأول كي يحجز له هذا المكان. كان يجلس فيه بجوار ابن عمه، عمٌّ آخر غير الموظف المرموق، ولكن الزميل كان مفضلًا لدى جميع المدرسين عن ابن عمه. وكان ابن عمه صديقًا لي، وقد وُلدنا في نفس اليوم.
حدث أن تشاجرت لأول مرة في حياتي من أجل أخي عبده. اعتدنا حين نحضر إلى المدرسة أن نضع حقائبنا في صف يعبر عن مكان كل واحد منا في الطابور، حتى إذا ما بدأ الطابور وقف كل منا مكان حقيبته، وبالتالي من يحضر أولًا يكون في المقدمة. قام ولد من الصف السادس بوضع حقيبة أخيه مكان حقيبة أخي. جاءني عبده يبكي ومعه ولد من زملائه وحكوا لي ما حدث، وما هي إلا لحظات حتى وجدت الولد ذاته يحمل حقيبتي أنا من طابوري ويتحرك بها، فما كان مني إلا أن استوقفته واشتَبكت معه. ضربني وضربته، رغم أنه كان أطول وأضخم مني، وبكيت بعدها رغم أنني المنتصر. وجاء قريبنا، فقالوا له إنني انتصرت على الولد، وتعجبوا جميعًا من بكائي.
آخر ما سأذكره عن الصف الخامس الابتدائي ما حدث في نهاية العام الدراسي، حين يقل عدد الحضور في المدرسة فيقومون بضم طلاب جميع الفصول بعضهم إلى بعض. يومها ضموا فصلي 5/1 و5/2، وشرحت لنا لأول مرة معلمة فصل 5/2. طلبت مني أن أخرج لأكتب على السبورة، ولما خرجت واجهت صعوبة في الكتابة في المكان المراد نظرًا لقصر قامتي. كانت هذه الحصة الأخيرة، وبعد الانصراف، وبينما أسير مع عبده أخي، وجدت الطلاب يتجمعون من خلفي، يصفقون ويهتفون: يا قصير.. يا قصير. كان العجيب أنني وجدت من بين الهاتفين أناسًا لا أعرفهم على الإطلاق، وكانوا مستمتعين بشدة. أخبر عبده الوالد بما حدث، ولا أذكر أنه فعل شيئًا. وقد تعرض عبده لتنمر مشابه، بسبب حقيبته أيضًا. لا أعرف ما مشكلة الناس مع حقيبة أخي، تجمهر الأولاد من حوله وجعلوا يهتفون: يا أبو شنطة صغيرة.
