في فجر التاريخ، وعلى ضفاف النيل، لم يكن المصري القديم يبني بالحجر ويخط كتاباته عليه فحسب، بل كان يبني ويسجل فكرة. فكرة أن للحياة نظامًا، وأن وراء هذا النظام معنى يتجاوز البقاء اليومي. من هنا بدأت مصر القديمة، لا كمجرد سلطة سياسية، بل كمشروع حضاري أراد أن يخلّد النظام ضد الفوضى، والخلود في وجه الفناء.
قبل توحيد القطرين، كانت مصر القديمة عددًا من المقاطعات والقرى الصغيرة المتفرقة، لكل منها إلهها وحاكمها ونظامها المحلي. لكن شيئًا ما كان يتحرك في وعي الإنسان المصري: توق إلى الوحدة، إلى فكرة النظام الشامل الذي يجمع الأرض والنهر والسماء على وتيرة واحدة. حينها جاء الملك مينا (نارمر)، مؤسس الأسرة الأولى، فوحد الشمال والجنوب، وكانت هذه الوحدة بداية المشروع الحضاري لمصر القديمة كما نعرفها اليوم. ومع بداية الأسرة الثالثة، جاء الملك زوسر، فشيّد الهرم المدرّج في سقارة، فكان أول بناء حجري ضخم في التاريخ. لم يكن الهرم مجرد مقبرة، بل إعلانًا رمزيًا عن أن الإنسان يمكنه أن يعلو فوق الأرض خطوة بخطوة نحو السماء.
منذ ذلك الحين، أخذت الحياة السياسية والإدارية تزدهر أحيانًا وتضمحل أحيانًا أخرى. فكانت فترات الاستقرار الداخلي تقترن بنظام إداري متقن، وعقيدة دينية توحّد الجميع حول الملك بوصفه ممثل الإله على الأرض. وفي فترات أخرى، حين تضعف السلطة أو يفسد الحكام، كانت الفوضى تسود، وتغزو القوى المعادية البلاد، فيكاد المصري القديم يفقد إيمانه بالعدالة الإلهية. فالملك لم يكن في نظر المصري مجرد إنسان يحكم، بل محورًا يدور الكون من حوله، تجسيدًا للإله على الأرض، يعيد توازن العالم كل صباح كما تشرق الشمس. هذه الفكرة جعلت النظام السياسي في الدولة القديمة جزءًا من النظام الكوني نفسه، وجعلت كل حجر يوضع في بناء، وكل عمل يومي مهما كان بسيطًا، له معنى مقدّس.
(اقرأ: موجز تاريخ مصر.. ما يحتاج الكاتب معرفته)
ومع مرور الوقت، تطورت الفكرة من إيمانٍ بأن الملك وحده هو من يبعث ويخلد، إلى إيمانٍ بأن الخلود حق لكل من عاش بالعدل وأتقن عمله. فبعد أن كانت الأهرامات رمزًا لبعث الملك وحده، أصبحت وغيرها من الأبنية الحضارية رموزاً لمشروعٍ جماعيٍّ مقدس يشارك فيه الجميع، من العامل الذي يقطع الحجر، إلى الفنان الذي ينحت تمثال الملك. وقد كانت الأهرامات، وبخاصة أهرامات الجيزة الثلاثة (خوفو وخفرع ومنقرع)، تجسيدًا لمشروع الوصل بين الأرض والسماء، ولإيمان المصري بأن النظام والجمال طريق إلى الخلود.
لم يكن الفكر الديني في مصر القديمة خوفًا من الموت بقدر ما كان إيمانًا باستمرارية الحياة. آمن المصري القديم أن الروح تمر عبر مراحل، وأن ما يفعله الإنسان في الدنيا ما هو إلا انعكاس لرحلته في الأبدية. من هنا جاءت أهمية الطقوس والنظام، ليس لأنها قيود، بل لأنها مفاتيح للبقاء. العدل، الإتقان، احترام النظام، كلها قيم يومية بسيطة، لكنها كانت بالنسبة للمصري القديم طريقًا للخلود. ولذلك كان يكتب المصري القديم على جدران قبره ما يشبه سيرته الذاتية: "كنت محبًا للناس، كريمًا في العطاء، لم أظلم أحدًا"، وكأنه يقدّم دفاعه الأخير أمام محكمة الآلهة.
حين ننظر اليوم إلى بقايا مصر القديمة، نندهش من عظمة البناء، لكن الأعظم من الحجر هو الفكر الذي أنشأه. المصريون القدماء بنوا حضارة لأنهم آمنوا بالنظام، وبالمعنى، وبأن الجمال شكل من أشكال العدالة. وربما هذا ما نحتاج أن نتذكره اليوم: أن النهضة لا تبدأ بالمباني أو القوانين، بل بإيمان الإنسان بأن ما يفعله له معنى يتجاوز نفسه ودنياه الزائلة. فالمصري القديم لم يترك تماثيلاً فقط، بل ترك وصيته الكبرى: أن الإتقان شكل من أشكال العبادة، بل هو أسمى أشكالها، وأن العمل طريق إلى الخلود.
المصري القديم لم يكن يعبد الشمس أو النيل أو الحجر، بل كان يعبد النظام، والعدل، والجمال، والحق. حضارته تطورت لأنها كانت دائمًا تبحث عن التوازن بين الإله والإنسان، بين الفناء والخلود، بين الأرض والسماء.
