تقنية (فعل فحدث ولكن) هي تقنية تستخدم من أجل ضمان اتصال الأحداث بالبطل وتورطه فيها في المقام الأول، حتى وإن كان من خلال أفعال بسيطة يقوم بها تؤدي إلى وقوع ما يحدث، لأن الأحداث في الدراما ينبغي ألا يتعرض لها البطل لمجرد أن الكاتب يريده أن يتعرض لها. وتستخدم هذه التقنية أيضا حتى يقع كل حدث في مكانه المناسب كرد فعل لشيء ما، لأن الأحداث في الدراما ينبغي ألا تحدث في هذا الوقت لمجرد أن الكاتب يريدها أن تحدث في هذا الوقت، ينبغي أن يكون كل حدث نتيجة لما قبله ومؤديا إلى ما بعده.
هذا بخصوص (فعل فحدث) أما عن (ولكن) فهي تستخدم من أجل كسر التوقع لدى المشاهد وإثارة اهتمامه، حيث يفعل البطل شيئاً فيحدث له شيء كنتيجة لما فعل، ولكن يكتشف أو يتعرض أو يفعل شيئا غير متوقع، وتكون هذه الـ (ولكن) نتيجة لفعل أو حدث وقع قبل قليل. وفي هذا المقال نستعرض كيف أن سيناريو Fight Club يستخدم تقنية (فعل فحدث ولكن) وبخاصة (ولكن) من أجل خلق قصة مثيرة تجبر المشاهد على متابعتها بتركيز ودون أدنى شعور بالملل.
(اقرأ: كيف تكتب سيناريو أو رواية؟ أهمية الفعل ورد الفعل)
لتجربة أفضل
يدور Fight Club حول مضطرب نفسيا ينشئ نادي ملاكمة سريا بمساعدة صديق له، يستخدم البطل والخصم والمشتركون هذا النادي في تفريغ طاقاتهم المكبوتة بسبب وظائفهم التقليدية ووهم الحياة العصرية الذي يستهلكهم. فماذا سيفعل البطل في مواجهة صديقه عندما يتطور نادي القتال إلى مشروع فوضى يهدف إلى تدمير شركات الأموال بهدف إعادة الجميع إلى نقطة الصفر وتحقيق التوازن؟ وماذا سيكون موقف البطل من هذا التدمير آخر المطاف؟
(اقرأ: كيف تكتب لوج لاين؟ شخصية وحدث وسؤالين)
يبدأ سيناريو Fight Club بما يسمى الخطاف أو الـ (Hook)، ويعني ألا يبدأ السيناريو بفعل يفعله البطل، وإنما يبدأ بفعل قد قام به البطل بالفعل، وهذا الفعل هو استغراق البطل في الحياة الاستهلاكية، والإفراط في شراء المقتنيات العصرية المميزة، فحدث نتيجة لما فعل أن عجز البطل عن النوم، ولكن لا يحدث شيء غير متوقع الآن، وهذا ينبهنا إلى أن تسلسل (فعل فحدث ولكن) لا يشترط أن يتحقق طوال الوقت، يمكن للبطل أن يفعل فعلين متتاليين، ويمكن أن يحدث شيئين في نفس الوقت، دون أن يحدث ما هو غير متوقع.
زار بطل Fight Club طبيبا وطلب منه العلاج لحالته، فقاده الطبيب إلى مجموعة دعم لمرضى سرطان الخصية، فحدث أن أثرت الزيارات على البطل بالإيجاب، تعرف على صديق اسمه بوب، واستطاع البطل أن ينام لأول مرة منذ شهور. ولكن أصبح بطل Fight Club مدمنا لهذه المجموعات، فبات يحضر مجموعات دعم جميع الأمراض المشابهة، ولكن ظهرت مارلا وهي متطفلة مثله، فحدث أن عجز البطل ثانية عن النوم، ولكن هذه المرة تسبب ذلك في تطور اضطرابه النفسي إلى اضطراب عقلي، فظهر له تايلر الخصم الذي خلقه خياله.
قام الخصم بتفجير شقة البطل، أو قام البطل بذلك، فكلاهما نفس الشخص، فلجأ البطل إلى الخصم لكي يقيم في منزله لبضعة أيام، ولكن الخصم طلب منه أن يضربه، ومن العجيب أن وجد كل منهما متعة في ذلك ومتنفسا لطاقاتهم المكبوتة. أنشأ الخصم والبطل نادي القتال، فحدث أن سعد كثير من الناس به، وكان بالنسبة إليهم كما المطهر الذي يخلصهم من الطاقة السلبية الناتجة عن الحياة الاستهلاكية. ولكن ظهرت مارلا مرة أخرى، وكان ذلك نتيجة لأفعال حدثت قبل وقت، وهي اتفاقه معها على تقسيم المجموعات، ومن ثم عدم حضوره مجموعاته بسبب إنشاء نادي القتال. وبينما تجاهلها البطل اهتم بها الخصم، ودخلت حياتهما.
(اقرأ: البطل والخصم.. شرح طبيعة العلاقة وتأثيرها الدرامي)
صنع الخصم بمساعدة البطل المتفجرات لأول مرة، وحرق يده ليدنو به خطوة نحو القاع، وتأثرا بما يحدث في حياته، استطاع بطل Fight Club أن يواجه مديره وكأنه تايلر، لمّا وجد المدير على ماكينة الطباعة ورقة مكتوبا عليها قواعد نادي القتال. قام البطل بزيارة مارلا في بيتها فحدث أن قابل بوب عند بيتها، وهنا نلفت إلى أن مقابلة بوب في هذا الوقت غير مدفوعة بسبب درامي، كان يفضل أن يحدث ذلك كنتيجة لفعل ما. مثلا أن يكون منزل بوب قريباً من منزل مارلا لأي سبب، ويتم زرع هذه المعلومة قبل وقت، حتى يتم حصادها الآن. على أي حال قاتل البطل بوب، وازداد عدد المشتركين في نادي القتال، فحدث أن جاء صاحب القبو يريد إخراجهم منه، ولكن تايلر استطاع مواجهته بجنونه المعتاد، وأجبره على ترك القبو لهم.
وبمثابة نتيجة لهذا الجنون طلب تايلر من المشتركين واجبات لأول مرة، بأن يفتعلوا شجارا مع شخص لا يعرفونه، وهنا نلفت إلى أن أفعال الخصم هي نفسها أفعال البطل، فكلاهما نفس الشخص، وبذلك يحقق سيناريو Fight Club شرط أن يكون البطل هو قائد الأحداث والمتورط الأول فيها. وكنتيجة لذلك يفتعل البطل شجارا مع مديره، ويكون ذلك رد فعل أو مترتبا على المواجهة التي حدثت بينهما قبل قليل بسبب ورقة قواعد نادي القتال، فيحدث أن ينجح البطل في ابتزاز المدير، ويحصل على تمويل من الشركة لنادي القتال.
ويتطور الأمر فيطلب الخصم من المشتركين واجبات أكثر صعوبة، بأن يثيروا الفوضى والتخريب في المدينة، ويقوم الخصم بواجبه فيهدد أحد العاملين في وظيفة تقليدية بالقتل إذا لم يدرس ومن ثم يعمل فيما يحب. ويكون ذلك بالتوازي مع خطبة الخصم في المشتركين التي قال فيها إنك لست وظيفتك ولست الأموال التي تملكها في حسابك.
بدأ الخصم مشروع الفوضى، وساعده البطل رغم عدم فهمه ما يحدث بالضبط. وقرر الأخير ضم بوب الذي كاد يفشل في اختبار القبول. ثم قاموا بأول عملية تخريب كبرى، بأن أشعلوا النيران في مبنى ما، فحدث أن أظهر البطل رفضه لذلك. ولكن قام الخصم -أو البطل- بتهديد المحقق المسؤول عن ملف هذه الجريمة، حتى يجبره على تركها. وكنتيجة لرفض البطل لما يحدث كاد الأخير أن يقتل أحد المشتركين في نادي القتال ضربا، فقاد الخصم تجربة جديدة واجه فيها البطل بأمر تفجير شقته قبل أن يختفي من حياته.
حاول بطل Fight Club فهم ما يحدث دون جدوى، ولكن مات بوب بسبب مشروع الفوضى، فأدرك البطل أن ما يخططون إليه أمر جلل، من شأنه إحداث فوضى عارمة، فقرر وقفه. وبحث عن تايلر في كل مكان ممكن، سافر وسأل مشتركين نادي القتال في كل مدينة حتى اكتشف أنه وتايلر نفس الشخص، وقد واجهه تايلر بذلك. ولكن الأخطر من أي شيء هو خطة مشروع الفوضى بتفجير مباني بطاقات الائتمان، ورغبتهم في التخلص من مارلا لأنها تعرف الكثير.
أبلغ بطل Fight Club الشرطة عن المشروع، بعد أن اطمأن على مارلا، أو هكذا ظن، فوجد أن الضباط أنفسهم أعضاء في مشروع الفوضى، ولكن استطاع أن يهرب من قبضتهم وذهب إلى أحد المباني التي تحتوي على إحدى القنابل الرئيسية، التي ستفجر بقية القنابل، واستطاع أن يوقفها. فواجهه تايلر بالقوة ومنعه من الاستمرار في توقيف بقية القنابل، ولكن استطاع البطل أن يجد الحل، بأن يركز تفكيره على التخلص من تايلر بناء على فكرة كونهما نفس الشخص، فقتل تايلر وأصيب إثر ذلك. ولكن القنابل تفجرت دون أن يستطيع البطل منعها، فوقف برفقة مارلا متقبلا ما حدث، أو ربما راضياً عنه.
وهكذا استطاع سيناريو Fight Club أن يجذب اهتمام المشاهد من البداية حتى النهاية، دون ملل أو تشتت، من خلال تسلسل الفعل ورد الفعل، ووقوع غير المتوقع، ليعلمنا Fight Club درساً في الكتابة.
تم.
اكتب لنا رأيك في التعليقات، وشارك المقال ليصل للمزيد من الأشخاص.
