أحلى الأوقات - ذكر شرقي منقرض

لوج لاين أحلى الأوقات

    سلمى شابةٌ انطوائية، بعد وفاة والدتها تتلقى خطاباتٍ غريبةً من مُرسِل مجهول، تعيدها إلى ماضيها الذي كانت تريد أمها أن تمحوه، بعد أن تزوجت من رجلٍ غني، وانتقلت معه ومع ابنتها من شبرا إلى المعادي. فتعود سلمى لتلتقي بشخصياتٍ من ماضيها، بحثًا عن حقيقة مُرسِل الخطابات، منهم صديقتا طفولتها ووالدها. فيا ترى، من هو المُرسِل؟ وكيف سيكون أثر هذه الرحلة في شخصية سلمى؟ الفيلم من سيناريو وحوار: وسام سليمان، قصة وإخراج: هالة خليل.

* * *

أحلى الأوقات

* * *

ذكور أحلى الأوقات

    الظهور الأول للخصم -ربيع- في سيناريو أحلى الأوقات يخبرنا بالكثير عنه؛ إذ كان مختبئًا وراء ستار الاستحمام، ثم ظهر فجأة ليجذب نجوى زوجته إلى داخل حوض الاستحمام ويغلق عليهما الستار. كما أن طبيعة شخصية شقيقته المتصنعة، وحديثها عنه، يحكيان الكثير. فقد قالت إنه حساس للغاية، وإنها تخشى أن يؤذي نفسه من فرط انفعاله بوفاة زوجته. وكذلك زوجة ربيع الأولى، التي أثنت على جمال زوجته الثانية، إن امتداحها لزوجة زوجها السابق قد يبدو لطفًا منها، ولكن في الحقيقة ليست كل الأشياء قابلة للإفصاح عنها، كان ينبغي أن تتحلى بقدرٍ من احترام الذات، وتمتنع عن مدح هذه المرأة التي تزوجت من زوجها السابق بعد وفاة ابنهما. كل هذه الأسباب المحيطة بربيع قادرة على أن تصنع منه ذكرًا شرقيًا مثاليًا؛ وصف أنه شديد الحساسية، رغم أنه شخصٌ مستهترٌ، غير قادر على المواجهة، ولذلك غاص في حالةٍ من الإنكار حين علم بوفاة زوجته، وقال، في أهم مشاهد الفيلم بينه وبين سلمى -المواجهة الكبرى بين البطل والخصم- إنه بعد أن علم بوفاة نجوى كان يحتاج إلى أن يعود إلى البيت ليسألها كيف يتصرف! إنه طفل صغير في جسد رجل بالغ. وقد قال بنفسه، في أحد المشاهد، إنه اكتشف أنه "عيل".

    ولم يوضح سيناريو أحلى الأوقات ما الذي حدث بالضبط بعد وفاة ابنه، الذي مات تمامًا مثلما ماتت نجوى، دون سابق إنذار. وجدير بالذكر هنا أن الصدفة في الدراما غير مقبولة، ما لم تحدث في بداية القصة أو تُوظَّف دراميًا، وقد جمعت الكاتبة وسام سليمان بين الأمرين، فقد جاء موت نجوى بالصدفة في بداية الفيلم، وكان موظفًا دراميًا من خلال تشابهه مع طريقة موت الابن. ويبدو أن ربيع طلّق زوجته الأولى بعد وفاة الابن، بسبب نكوصه الملحوظ ورغبته الدائمة في الهرب من المواجهة، ولذلك كان يحاول إصلاح علاقته مع سلمى بطريقة غير مباشرة، عن طريق إرسال خطاباتٍ غريبة دون كتابة اسم المُرسِل.

    ويجدر بالإشارة هنا إلى المشهد الذي قال فيه لشقيقته -حين حدثته عما فعل بعد وفاة زوجته-: «يا تأكليني يا تروحي». وفي مشهد آخر بين إبراهيم ويسرية، حين عجز إبراهيم عن الرد على ما كانت تقوله، فما كان منه إلا أن سألها عن الطعام، ولما اكتشف أنها لم تُحضّره بعد، قرر أن يذهب إلى أمه لتطعمه. في مراحل النمو النفسي للإنسان توجد مرحلة تسمى المرحلة الفمية، وتمتد منذ الولادة وحتى عمر سنتين؛ لذلك لم يكن حديث كليهما عن الطعام صدفة، وإنما كان دلالة على انحباسهما نفسيًا في إحدى مراحل الطفولة. ونلفت هنا إلى أن يسرية أيضًا كانت تعامل إبراهيم كما لو كان طفلًا بالفعل؛ فقد كانت تتحمل عنه أعباء المنزل والحياة المشتركة بالكامل، حتى إنها كانت تزيل له شعر أذنيه، بينما لم يكن يفعل هو سوى أن يلبس النظارة والطاقية، وخلاص على كده.

    وكان طارق حالةً أخرى من بين أبطال أحلى الأوقات المصابين بمتلازمة الذكر الشرقي، على حد وصف الدكتور محمد طه، مؤلف كتاب ذكر شرقي منقرض. كتب طه أن أحد أكبر مخاوف الذكر الشرقي هو الخوف من ألا يكون كافيًا. وقد قال طارق لضحى صراحةً إنه يخشى أن تصبح ممثلةً مشهورة فتتخلى عنه، لأنه سيصبح بلا قيمة مقارنةً بها. ونلفت هنا إلى لقطةٍ معبرة بين ضحى وطارق؛ فحين قالت له إن حياة الإنسان قد تتغير في لحظة، وكانت تقصد التمثيل، أغلق باب المحل عليها، وكأنه يغلق على أحلامها. وكان عبد السلام كذلك أحد المصابين بهذه المتلازمة، ولكنه ذكرًا شرقيًا من نوعٍ خاص؛ فقد كان، على الأرجح، يحب سلمى حبًا عذريًا، أي حبًا لا يكون الجنس حاضرًا في ممارسته. وكان والد سلمى ذكرًا شرقيًا غير مكترث، يتزوج وينجب بلا أي إحساس بالمسؤولية، ويجهل تمامًا الاحتياجات النفسية لزوجته وأبنائه، حتى إنه قال لسلمى: «إذا كنتي قدرتي تعيشي بعيد عني ييجي خمستاشر سنة.. يبقى أنتي مش محتاجاني»!. وفي الواقع، لم تكن سلمى تحتاج إلى أحدٍ بقدر حاجتها إليه. كما كان يأمل دخول الجنة رغم كل ما يفعله! وهنا يجدر بالإشارة إلى مهارة الكاتبة وسام سليمان في خلق صوتٍ مختلف لكل شخصية، وقد تجلى ذلك بوضوح في حديث الوالد في هذا المشهد.

    أخيرًا، الرجل الوحيد -إن جاز القول- بين ذكور أحلى الأوقات، هشام، الذي لم يكن رجلًا شرقيًا بقدر عدم كونه مجرد ذكر؛ إذ كانت حياته وعمله غير مرتبطين بالمرأة. وربما اختارت الكاتبة ذلك حتى لا تختزل أحلى الأوقات في الذكورية، ولكني أرى أنه اختيار غير موفق، فجميع أجزاء السيناريو متصلة بالذكورية. ولكن وعلى أي حال، كان هشام شخصية غير تقليدية؛ إذ ترك الهندسة وعمل كماريونيست، كما كان صريحًا مع سلمى إلى حد بعيد، إذ قال لها إنه كان يتمنى أن يحدث أي شيء يدفعها إلى أن تتحدث معه، كما تجرأ وتقدم لخطبتها رغم أنها أخبرته برغبتها في السفر، وكان ذلك تصرفًا جريئًا يدل على ثقته بنفسه وحبه الصادق لها. وجدير بالذكر أن تصرف طارق المشابه مع ضحى، عندما حدد موعد حفل الزفاف مع والدها دون استشارتها، لا يدل على الثقة بالنفس أو الحب؛ لأنه نابع من خوفه من فقدانها، أي من عدم ثقته بنفسه، لا العكس، كما هو الحال مع هشام.


نساء أحلى الأوقات

    أما عن النساء، فأبرزهن يسرية، (المحجبة)، التي كانت تقول إنها "زي الفل"، وإن الزواج التقليدي وتربية الأطفال وحدها لم يؤثرا فيها، في حين ظهر مدى قسوتها على طالبات المدرسة التي تعمل بها، وتنمرها حين وصفت سلمى بأنها "عليقة الأوتوبيس". كما كانت يسرية أكثرهن جرأةً واقتحامًا؛ فقد قادت رحلة البحث عن مُرسِل الخطابات، وكانت صاحبة فكرة دخول شقة هشام، جار سلمى. ومن الملفت أنها في هذا المشهد كانت تدفع سلمى المترددة أثناء توجههما إلى الشقة، وهي أيضًا من بادرت بفتح الباب والدخول. وقد تأثرت يسرية بعودة سلمى إلى حياتها، واستعادة ذكرياتها معها ومع ضحى، فبدأت تطالب إبراهيم بأن يشاركها أعباء الحياة المشتركة، قبل أن تطلب منه أن يشتري لها وردًا. أما ضحى، فقد أدى دخول سلمى إلى حياتها إلى أن تتعرف على ربيع، -من الجيد أن يكون السيناريو متماسكاً بهذا الشكل، كل جزء مرتبط بالآخر ويؤدي إليه-، الذي حاول تحقيق حلمها بأن تصبح ممثلة، رغم اعتراض خطيبها طارق. وفي النهاية يدرك إبراهيم أنه لا تعارض بين ما يفضله وبين ما ترغب فيه زوجته، فيشتري وردًا وكبابًا. وتنصلح علاقة طارق وضحى بعدما تقلع ضحى عن الرغبة في التمثيل.

    أما سلمى، فلأنها غير تقليدية مثلهم، فترتبط بمن يحبها، على أن يعوضها وجوده، ووجود ربيع، عما تفتقده من أبوة. جدير بالذكر هنا إلى أن هشام، عندما طلب الزواج منها، طلبها من ربيع، في دلالة على أنه أصبح بمثابة والدها، بعد أن عرفته كما لم تعرفه من قبل، واكتشفت أنه، رغم طفولته النفسية، يحبها ويعاملها كما لو كانت ابنته. لكل بطلٍ درامي هدفٌ درامي وحاجةٌ درامية؛ فالبطل يريد شيئًا من الخارج، ويحتاج في داخله إلى شيء آخر، ودائمًا ما يكون الهدف والحاجة متصلين أحدهما بالآخر. وفي أحلى الأوقات كانت سلمى تهدف إلى معرفة مُرسِل الخطابات المجهول، الذي أعادها إلى الماضي، وأيقظ بداخلها الطفلة الحبيسة داخل انطوائيتها. فعادت تتسكع مع صديقتيها، وتعرفت إلى شابٍ معجب بها، كان يخشى الاقتراب منها فيما مضى بسبب انطوائيتها. كما قابلت مدرسًا أحبها وهي طفلة في المدرسة، وقد كان يكبرها بأعوام، وكأنه تجسيد لحاجتها الداخلية؛ إذ كانت تحتاج إلى أب، لكنها تعافت حين تقربت أكثر من ربيع، وحين أحبت شابًا في مثل عمرها، ومن الملفت أنها قالت في أحد المشاهد إنها تخشى من خلع ثيابها أمام من ستتزوجه، في دلالة على أنها كانت تبحث نفسياً عن أب وليس عن زوج، فالأب هو من تخجل الفتاة من التعري أمامه.

تم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال