سابع جار – الدراما غير التقليدية كما يجب أن تكون

سابع جار

* * *

بطل سابع جار

    دراميًا، يوجد بطل واحد فقط لكل قصة. أما عبارة "البطولة الجماعية"، أو "البطولة الثنائية" فهي عبارة تجارية بحتة. من هنا ننطلق في رحلتنا لتحليل ونقد مسلسل سابع جار، فهو واحدٌ من أكثر الأعمال التي تشعرك، كمشاهد، بأنه يعتمد على البطولة الجماعية، بينما هو، في الحقيقة، ليس كذلك. بعد مشاهدة سابع جار أكثر من مرة، تمكنت من تحديد البطل؛ إنها دعاء، رغم أنها غير موجودة على الملصق الدعائي للمسلسل، وذلك لأن فدوى عابد لم تكن ممثلة معروفة آنذاك، ولأن الملصق الدعائي صُمِّم من أجل جذب المشاهدين لمتابعة المسلسل؛ لذلك يتصدره دلال عبد العزيز وشيرين، ومعهما عدد من الممثلين ذوي الوجوه المعروفة إلى حدٍّ ما.

    ولعلك الآن تتساءل: كيف يمكن تحديد بطل أي قصة؟ من خلال التلقي المكثف للكثير من الأعمال الدرامية، أكثر من مرة، تمكنا من تحديد الطريقة التي يمكن أن تتعرف بها على بطل القصة دراميًا، وهي تعتمد على سؤالين: الأول: من الشخص الذي تبدأ عنده الأحداث، وتنتهي عنده؟ في سابع جار نجد أن المسلسل يبدأ بتقدم شاب لخطبة دعاء، ولكن، لسوء حظها، تقع حالة وفاة في العمارة، وينتهي المسلسل بخطوبتها على شاب أكثر انفتاحًا على الحياة. ومن هنا ننتقل إلى السؤال الثاني: من الشخص الذي يمر بتحول درامي؟ بمعنى أن الأحداث تبدأ وهو متسم بعيب درامي معين، ثم يتغير هذا الشخص مع نهاية العمل، سنكتشف أن هذه الشخصية هي دعاء. ففي البداية كانت متزمتة، ترفض ارتداء بعض الملابس، مثل السراويل، كما كانت ترفض وضع مساحيق التجميل، ولكنها، في مشهد النهاية، توافق على تشغيل الأغاني في حفل خطوبتها، بل وتسمح لنفسها بأن تفرح، وبالكاد ترقص، برفقة خطيبها وأهلهما. في المقابل، لا تمتلك بقية شخصيات سابع جار ما يسمى بـ (قوس التحول)، فهالة، على سبيل المثال، تبدأ أحداث المسلسل وهي ترغب في الإنجاب، لكن عزة نفسها تمنعها من الإقدام على الزواج، خوفًا من نظرة الزوج وعائلته لها بعد معرفتهم بحقيقة والدها المحتال. هنا تمتلك هالة مشكلة، لكنها لا تمتلك عيبًا دراميًا في شخصيتها. وجميع الشخصيات لديها مشكلات، ولكن لا يكاد أحد منهم يمتلك نقطة ضعف محددة في شخصيته يخوض بسببها صراعًا يؤدي به، في نهاية المطاف، إلى تغييرها، إن كان بطلًا تقليديًا. أما إن كان بطلًا سلبيًا، فإن عيوبه تزداد حدةً وشراسة. وقد تحدثنا في مقالات وكتب وفيديوهات سابقة عن الفارق بين البطل التقليدي والبطل السلبي.


لو كان سابع جار دراما تقليدية

    لو كان سابع جار دراما تقليدية، لكان البطل واضحًا، دون عناء البحث عنه، مثلما كان البطل واضحًا في سيناريو عمارة يعقوبيان، الذي يتشابه مع سابع جار في فكرة تناول قصص غير متصلة جميعها بحدث واحد. ومن هنا ننتقل إلى النقطة الثانية، ألا وهي كسر الكاتبة هبة يسري قواعد الدراما التقليدية من أجل تقديم أحداث تبدو طبيعية. فالدراما التقليدية تتضمن حدثًا محركًا واحدًا في حياة البطل، والحدث المحرك هو الحدث الذي يعترض حياة البطل الاعتيادية ويدخله في صراع. في عمارة يعقوبيان كان الحدث المحرك هو محاولة دولت الاستيلاء على شقة زكي. لم تبدأ الأحداث مثلاً بما وقع في الماضي بين زكي وكريستين، وإنما تناول وحيد حامد ذلك من خلال أحداث الحاضر. أما سابع جار فيتناول أربع تجارب خطبة مرت بها دعاء. ولو كان العمل دراما تقليدية، لكان الحدث المحرك هو تقدم باسم لخطبتها، ولعرضت التجارب السابقة من خلال أحداث الحاضر. وقد اختارت هبة يسري تصميم سيناريو المسلسل بهذه الطريقة لكي تشعرك بأنك تشاهد أحداثًا طبيعية، كتلك التي تقع في حياتك اليومية. ولو كان هناك حدث محرك واحد فقط، لفقد المشاهد إحساسه بطبيعية الأحداث.

    وكذلك فعلت هبة يسري فيما يتعلق ببناء المشاهد والحوار. فلو كانت الدراما تقليدية، لتضمن كل مشهد حدثًا واحدًا فقط، لكن ما فعلته الكاتبة كان مختلفًا. فإذا أعدت مشاهدة المشهد الأول من الحلقة الأولى، ستجد أن أكثر من حدث يقع في الوقت نفسه: حيرة لمياء بسبب الظرف الطارئ الذي تزامن مع موعد عريس دعاء، وعدم اكتراث هبة، رغم حبها لزوجة سيادة اللواء المتوفاة، ومجيء ليلى للمساعدة. وكذلك فعلت هبة يسري في كتابة الحوار؛ فقد كانت الشخصيات تتحدث بطبيعية، فبدا الحوار وكأنه غير مكتوب بواسطة شخص، لدرجة أن كثيرًا من المشاهدين اعتقدوا أن مساحة الارتجال كانت واسعة، لكن الممثلة سارة عبد الرحمن قالت، في حديث مع عدد من الجمهور، إن نسبة الارتجال في المسلسل "صفر في المئة". ولم يكن هذا الزخم داخل المشاهد من أجل المط لأغراض تجارية، بغرض لإطالة المسلسل إلى سبعة وستين حلقة، وإنما جاء لخدمة الدراما، والحالة التي أرادت الكاتبة التعبير عنها. ولذلك لم يكن الحوار عشوائيًا، ولم يكن غير درامي في الوقت ذاته، بل كانت الكاتبة ملتزمة بقاعدتين مهمتين في كتابة الحوار. الأولى:بداية المشهد من أكثر نقاطه سخونة، ويتضح ذلك، على سبيل المثال، في مشهد مالك ولمياء، حين أخبرها بحقيقة اختلاقه أمر الدروس من أجل زيادة مساحة التقبل بين ابنه حمزة ودعاء. فنجد أن المشهد يبدأ باعتراف مالك بالحقيقة، ولم يبدأ بالتحيات أو بالمقدمات التي تسبق الدخول في الموضوع، لأن الدراما تتجاوز مثل هذه التفاصيل عديمة الأهمية. والقاعدة الثانية هي عدم تقديم إجابة شافية في نهاية المشهد، فعلى سبيل المثال، في المشهد الذي كانت فيه نازك تنتف حاجبي ليلى استعدادًا لمقابلة رجائي، ينتهي المشهد بسؤال هبة: "طب وعمو مجدي؟"، ثم يقطع مباشرة إلى المشهد التالي دون إجابة. ومرة أخرى، تجاوزت الكاتبة عرض لقاء ليلى ومن معها برجائي، كما تجاوزت السلامات والتحيات التي لا تضيف شيئًا إلى الدراما.

    ولكن كسر هذه القواعد أمر في منتهى الخطورة، ويجب التعامل معه بحذر شديد؛ لأن المشاهد قد يفقد اهتمامه إذا كان النص مفككًا. إلا أن هبة يسري فعلت ذلك بمهارة مبهرة؛ فرغم أنها ضمنت كل مشهد عددًا من الأمور التي تحدث في الوقت نفسه، فإنك تجد دائمًا معلومة رئيسية واحدة يحملها كل مشهد. ففي مشهد البداية في أول حلقة، الذي تحدثنا عنه في السطور السابقة، كانت المعلومة الرئيسية هي فشل لمياء في تأجيل موعد العريس. كما أن كسر قاعدة الحدث المحرك الواحد، خاصة فيما يخص خط البطلة الدرامي، كان من الممكن أن يصيب المشاهد بالتشتت، لكن هبة يسري نجحت في توحيد الموضوع، رغم تعدد الأحداث. فكان الموضوع الرئيسي لدعاء هو الخطاب، الذين يتقدمون رغبة في الزواج منها. لذلك لم يستعرض سابع جار حياة دعاء بكل ما فيها بصورة عشوائية، وإنما كانت معظم الأحداث والمشاهد متصلة برغبتها في الزواج، وعجزها عن إيجاد الشخص المناسب. ففي الدروس التي كانت تحضرها في المسجد، حاولت المحاضِرة أن توفق بينها وبين رجل أرمل، كما كان تقديمها التبرعات للمحتاجين سببًا في إعجاب مالك بها، وكانت علاقتها بصديقتها شيري سببًا في اتصالها بباسم.


كوميديا سابع جار

    هناك أمر آخر جذب انتباهي في سيناريو سابع جار، وهو أن كوميديا المسلسل لم تكن كوميديا بالمعنى التقليدي. فليس من الصائب تصنيف المسلسل على أنه مسلسل كوميدي، كما فعلت إحدى المنصات، بل هو مسلسل اجتماعي، والكوميديا فيه نابعة من مواقف طبيعية وشخصيات حقيقية. لم تكن الكوميديا مصطنعة من أجل إضحاك المشاهد، وهذا لا يعني أنك لا ينبغي أن تضحك أثناء المشاهدة، وإنما المقصود أن كوميديا سابع جار كانت جزءًا من الحالة الواقعية الصادقة التي أرادت الكاتبة التعبير عنها. ولذلك، لم نرَ، على سبيل المثال، مشهد رجائي وهو يرتدي جلبابًا هنديًا لمفاجأة ليلى، وإنما شاهدنا ليلى وهي تحكي لنا هذا الموقف، وغيره من المواقف المشابهة؛ لأن تجسيد مثل هذه المشاهد كان من شأنه أن ينقل المسلسل من خانة الاجتماعي إلى خانة الكوميدي، وهو ما لم تكن هبة يسري تريده.


رأي شخصي في سابع جار

    تقييمي لمسلسل سابع جار هو تقريباً 5 من 5. إن سابع جار أفضل مسلسل شاهدته في حياتي، أفضل من أي مسلسل عربي أو أجنبي. وأود أن أشكر الكاتبة هبة يسري على هذه التحفة الفنية، وأنا متأكد من أنها ستبقى حيةً لزمن طويل. وأود أيضًا أن أذكر أن شخصيتي المفضلة في سابع جار هو شريف؛ فهو أكثر الشخصيات شبهًا بي. أحببت فيه أنه يمنح كل من حوله مساحتهم الخاصة، ويحترم حريتهم. فقد قال، في أحد المشاهد، إنه سيدع مي تتصرف كيفما تشاء في حياتها الخاصة، حتى وإن كان ما تفعله خطأً في رأيه، ما دام ليس جزءًا من هذا الاختيار، وما دام ذلك الاختيار لن يؤثر في علاقته بها، فهي حرة. هذه ليست أنانية، وإنما احترام عميق للآخر؛ لأن لكل إنسان الحق في أن يخوض تجربته بنفسه ويتعلم منها. ومن الملفت أن هشام رد عليه في هذا المشهد قائلًا إنني غير مقتنع بأي كلمة مما تقول. ومثل هذا الرد يمكن أن يصدر عن معظم شخصيات المسلسل، لأن كثيرًا منهم يفكرون بهذه الطريقة، باستثناء شريف.

تم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال