الإنتاجية.. هوس إنسان العصر الحديث

مقدمة

في السنوات الأخيرة أصبح موضوع الإنتاجية أحد أكثر الموضوعات حضوراً في محركات البحث، ملايين من الناس يبحثون بشكل يومي عن طرق لتنظيم وإدارة الوقت وزيادة الإنجاز. وفيما يتصل بالإبداع ظهر الكثير من الناس على مواقع التواصل الاجتماعي يدعون إلى تحدي الكتابة أو الرسم يومياً بلا توقف. لقد أصبح إنسان العصر الحديث مهووساً بالإنتاجية إلى أقصى حد. في هذا المقال نتحدث عن: لماذا يبحث الناس باستمرار عن الإنتاجية؟ كيف تعامل المبدعون مع الإنتاجية؟ كيف تزيد من الإنتاجية مع الحفاظ على جودة العمل والشغف تجاهه؟

الإنتاجية.. هوس إنسان العصر الحديث
* * *

لماذا يبحث الناس باستمرار عن زيادة الإنتاجية؟

فيما مضى، في عصور ما قبل الحداثة، كان العمل جزءاً من الحياة اليومية، ولكن في العصر الحديث أصبح العمل محور الحياة، نتيجة للثورة الصناعية وظهور نظام العمل بالساعات، الذي لم يكن موجوداً في الماضي غير البعيد. ما أثر في نمط تفكير الإنسان، ببطء، حتى أضحى الإنسان المعاصر يقيس كل الأشياء بوحدات دقيقة، ويحدد قيمته، في نظر نفسه أولاً قبل المجتمع، بناء على ما ينجز من منجزات وما ينتج من إنتاجات. "الوقت يعني المال"، هذه العبارة يمكن اعتبارها شعار العصور الحديثة. مثل هذه العبارات في كثير من الأحيان، وبشكل غير واعٍ، تدفع الإنسان إلى التعامل مع نفسه كما لو كان آلة يجب أن يعمل دون توقف.

وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذا الهوس بالإنتاجية، عندما يتصفح المرء مواقع التواصل على هاتفه فيرى صوراً لأشخاص يعلنون عن نجاحاتهم وإنجازاتهم، ويشاهد (فلوجز) يعرض فيها المؤثرون روتينهم اليومي، إذ يستيقظون مبكراً ويمارسون الرياضة ويعملون لساعات طويلة ويجنون الكثير من الأموال. هذه العوامل توهم الرائي بأن الجميع يعملون بلا توقف وينجزون باستمرار، وترسخ لديه معتقداً بأنه متأخر عن الآخرين، ما يدفعه إلى البحث عن طرق لزيادة الإنتاجية، ليس بدافع الشغف الذي ينبغي أن يكون المحرك الأساسي لمسعى الإنسان، وإنما بدافع الخوف من التأخر وقلق السعي إلى المكانة.

بالإضافة إلى خوف الإنسان -الطبيعي- من إضاعة حياته دون معنى، ما يدفعه إلى السعي لزيادة الإنتاجية، إذ يسعى الإنسان بطبيعته إلى ملء كل لحظة في حياته بالعمل والإنتاج. ولكن الإنتاجية المفرطة قد تؤدي بالإنسان إلى نتيجة عكسية، إذ ينتج عنها ما يسمى بالـ Burnout أو الاحتراق النفسي، وهي حالة حين يصاب بها الشخص يفقد طاقته وحماسه، حتى تجاه الأعمال التي يحب أن يؤديها. كما يحاول الإنسان -بطبيعته أيضاً- أن يشعر بالسيطرة على حياته، والإنتاجية تمنحه هذا الشعور بقوة، عندما يكتب مهام يومه وينظم وقته يشعر أنه يتحكم في الحياة. ولكن الحياة -بطبيعتها كذلك- غير منظمة بهذا الشكل الذي يسعى الإنسان المعاصر إلى خلقه، ما يصيبه غالباً بالإحباط.

وسبب آخر يدفع الإنسان إلى السعي لزيادة الإنتاجية، وهو خوفه من الكسل، فالجميع يتهم نفسه بأنه كسول ومتخاذل، لذلك يسعى الكثير من الناس إلى تقييد أنفسهم بنظام أو تحدٍّ حتى لا يشعروا بتأنيب الضمير. ولكن الإنسان ليس كسولاً، نعم، لا يوجد إنسان لا يريد أن ينجح، لا يوجد إنسان لا يريد أن يعمل، بل يوجد إنسان لا يحب ما يفعل فيجد صعوبة في الالتزام به. افعل ما تحب، وربما تكتشف أنك أكثر الناس اجتهاداً وأغزرهم إنتاجية.

(اقرأ: العمل.. كما عرفته)


كيف تعامل المبدعون مع الإنتاجية؟

اختلفت طريقة تعامل المبدعين مع الإنتاجية في عملهم، بعضهم كان يعمل وفق نظام وروتين يومي صارمين، مثل الكاتب الأمريكي أرنست هيمنجواي، والكاتب الياباني هاروكي موراكامي، والكاتب المصري نجيب محفوظ. كان هؤلاء وغيرهم يكتبون بشكل شبه يومي، عدداً من الكلمات المحددة غالباً، وفي ساعات محددة. هؤلاء يتعاملون مع الكتابة كما لو كانت وظيفة تقليدية حداثية، ولكن هذا لا يعني أنهم كانوا يعملون بدون شغف، بل يعني أنهم كانوا منظمين إلى حد بعيد، ويعني أنهم كان لديهم دائماً ما يريدون أن يعبروا عنه. هناك مبدعون -وكتاب تحديداً- تجربتهم الحياتية غنية جداً، ما يجعل أذهانهم عامرة دوماً بالأفكار. إذا لم تكن كذلك بطبيعتك فلا تسعَ إلى اختلاق ما ليس فيك، كن نفسك.

هنا ينبغي أن نستعرض تجربة مبدعين آخرين مع الإنتاجية، مثل الكاتب الألماني فرانز كافكا، الذي لم يكن يكتب بشكل منتظم، بل كان أحياناً يكتب لأيام دون توقف، وأحياناً أخرى يتوقف لأيام دون كتابة. ولسنا في حاجة إلى الحديث عن جودة أعماله وقوة تأثيرها، الذي ما يزال ممتداً حتى يومنا هذا. ومن الملفت أن معظم أعمال كافكا كانت معنية بمعاناة الإنسان المعاصر في المجتمع الصناعي، الذي يشيّئ البشر ويفقدهم إنسانيتهم. ورغم أن كافكا كان يعمل موظفاً تقليدياً، ولم تنشر أعماله القصصية سوى بعد موته، إلا أن أسلوب حياته في العمل الإبداعي ككاتب كان أفضل مثال لما يدعو إليه من خلال قصصه، من عودة إلى الذات وتقبل للآدمية التي أطالبك بأن تتحلى بهما من أجل أن تكون مبدعاً بحق. عليك أن تدرك أن لكل منا قصته الخاصة، لسنا مطالبين بالتطابق أو حتى التماثل.

(اقرأ: المسخ.. الإنسان الآلي)

وعلينا أن ننوه إلى أهمية فترات التوقف عن الإنتاجية في حياة المبدع، فهي جزء أصيل في العملية الإبداعية. العقل اللاواعي يواصل العمل في الخلفية، ولذلك كثير من الأفكار الجيدة تخطر للإنسان في غير أوقات العمل. كما أن فترات التوقف تفيد المبدع إذ تعينه على إعادة ترتيب أفكاره والاستعداد الجيد للعمل الآتي بعد المساعدة في اختياره. سئل نجيب محفوظ عن الثرثرة وما تمثله له، فقال: حين أكتب دون رسالة حقيقية يكون ما أكتبه مجرد ثرثرة. وللأسف هناك الكثير من الأعمال في الوقت الحالي، في السينما والأدب، ليست إلا مجرد ثرثرة، صناعها يرفضون التوقف عن العمل. فبعد أن صنعوا أعمالاً نجحت بشكل ملحوظ تهافت عليهم المنتجون والناشرون، وحتم عليهم المجتمع الاستهلاكي الاستمرار في الإنتاجية دون توقف، دون شغف حقيقي، مثل أحمد مراد وتامر محسن وكريم الشناوي وغيرهم، إذ لوحظ تدنٍّ غريب في مستوى أعمالهم الأخيرة على المستوى الفني.

(اقرأ: أحمد مراد.. السقوط في بئر الاستهلاكية)


كيف تزيد من الإنتاجية مع الحفاظ على جودة العمل والشغف تجاهه؟

المسعى الحقيقي الذي ينبغي أن يبحث الإنسان المعاصر عن سبيله ليس زيادة الإنتاجية فحسب، وإنما زيادة الإنتاجية مع الحفاظ على جودة العمل والشغف تجاهه. ولكي تحقق ذلك عليك أولاً ألا تعمل بأقصى طاقتك طوال الوقت حتى لا تصل إلى الإرهاق النفسي. اعمل بقدر معقول من الطاقة، اعمل لساعات أقل ولكن بتركيز أعلى، إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن الإنسان غير قادر على التركيز العميق لأكثر من ثلاث أو أربع ساعات يومياً. لا تنجذب بفعل الحماس نحو الإفراط في العمل من أجل زيادة الإنتاجية، لأن الإفراط في العمل سيؤدي إلى نتائج عكسية، ستفقد التركيز في العمل وسيضعف الحماس تجاهه. وعلى النقيض، فإن العمل بشكل متوازن سيضمن لك الاستمرارية، وبالتالي زيادة الإنتاجية.

ولا تنسَ أن تترك مساحة للملل، فالملل عنصر مهم في العملية الإبداعية. عندما لا يكون العقل مشغولاً باستقبال معلومات جديدة يبدأ في إعادة ترتيب الأفكار والربط بينها، كما ذكرنا في فقرة سابقة، لذلك أوقات الفراغ لا تقل أهمية عن أوقات العمل. وفي سياق متصل عليك بالفصل بين أنواع العمل المختلفة. العمل ينقسم إلى نوعين: عمل إبداعي يتطلب حضوراً ذهنياً وتفكيراً معقداً، مثل الكتابة، وعمل تقني لا يحتاج إلى قدر كبير من التركيز والمجهود الذهني، مثل التحرير. يجب أن تعطي أهمية لكليهما، ويمكنك ملء بعض وقت فراغك بالنوع الثاني من العمل، من أجل توفير بعض الوقت، وبالتالي زيادة الإنتاجية.


خاتمة

في الختام نود أن نذكر بأهم ما جاء في هذا المقال من نقاط. لقد تحدثنا عن هوس الإنسان المعاصر بزيادة الإنتاجية بسبب تأثره بالثورة الصناعية ومواقع التواصل الاجتماعي وخوفه من الكسل. ولكن على الإنسان -وخاصة المبدع- ألا ينجرف نحو جاذبية زيادة الإنتاجية التي تؤثر بالسلب على جودة العمل الذي يؤديه. عليك ألا تستنزف كل طاقتك في العمل سعياً وراء زيادة الإنتاجية، حتى تحافظ على الاستمرارية التي ستساعدك في المقام الأول على زيادة الإنتاجية، في حين سيؤدي الإفراط في العمل إلى ما يسمى بالاحتراق النفسي.


تم.
اكتب لنا رأيك في التعليقات، وشارك المقال ليصل للمزيد من الأشخاص.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال