التحرش الجنسي.. مأساة لا تنتهي

«نفسي فيك أنا»؛ قيلت لي الكثير من العبارات المشابهة، خاصة خلال الفترة التي عشتها في الصعيد في طفولتي وصباي. في هذا المقال أتحدث عن التحرش الجنسي: مفهومه، أشكاله، نسب حدوثه، أسبابه، وآثاره، وكيف نحمي أنفسنا وذوينا منه.

(اقرأ: ميدو يحكي – سيرة ذاتية)

التحرش الجنسي.. مأساة لا تنتهي
* * *

مفهوم التحرش الجنسي

التحرش في المطلق هو أي تعرض غير مرغوب فيه أو مضايقة من شخص لآخر. والتحرش الجنسي هو أي سلوك غير مرغوب فيه يحمل طابعًا جنسيًا، ويسبب للضحية شعورًا بعدم الأمان أو بالانتهاك أو بالإهانة. ويُصنَّف الفعل على أنه تحرش جنسي – من عدمه – بناءً على شعور الضحية، وليس على موقف الجاني؛ فقد يُقال إن الجاني لم يقصد، أو أن ما فعله كان تصرفًا عاديًا، خاصة حين يكون التحرش بصريًا أو لفظيًا من خلال إيحاء جنسي غير مباشر. ولكن، مهما كان مقصد الجاني أو نيته، ما دام الضحية قد شعر بالانزعاج أو بالانتهاك الجنسي – مهما كان هذا الشعور طفيفًا – فإن ما حدث يُعد تحرشًا جنسيًا.


أشكال التحرش الجنسي

تتعدد أشكال التحرش الجنسي، ومنها:

- التحرش اللفظي: ويتم من خلال التعليقات على الجسد أو الملابس، أو قول كلمات، أو أداء حركات بالوجه – وخاصة بالفم والأسنان – ذات إيحاء جنسي معين.

- التحرش الجسدي: ويتم عن طريق ملامسة الجاني لجسد الضحية بشكل جنسي، أو الاقتراب منه أكثر من اللازم دون رغبته.

- التحرش البصري: وهو من أكثر الأشكال شيوعًا، ويتم عن طريق النظر إلى جسد الضحية بشهوة.

- التحرش الإلكتروني: ويكون من خلال نشر صور أو تعليقات غير لائقة عبر مواقع الإنترنت.


نسب التحرش الجنسي

الإحصاءات غير دقيقة في مسألة التحرش الجنسي؛ لأنها تعتمد على حصر البلاغات المقدمة ضد المتحرشين جنسيًا. وفي الدول العربية عدد البلاغات محدود جدًا، نظرًا لخوف الكثير من الضحايا من العار الذي قد يلحق بهم إذا تحدثوا عما تعرضوا له من إساءة جنسية. وهو خوف كثيرًا ما يحول دون إخبار الضحايا ذويهم بما حدث، وليس فقط دون اللجوء إلى القانون. ففي مجتمعاتنا العربية لا تخفى ظاهرة إنكار الوقائع، أو لوم ضحايا التحرش وتحميلهم مسؤولية ما تعرضوا له بسبب سلوكهم أو ملبسهم، خاصة إذا كانوا نساء.

وعلى أي حال، سنعرض ما تشير إليه بعض الإحصاءات: تشير بعض الدراسات إلى أن مائة وعشرين مليون فتاة حول العالم تعرضن لأحد أشكال الاعتداء الجنسي مرة واحدة على الأقل خلال حياتهن. كما تشير تقارير اليونيسف إلى أن واحدًا من كل ثمانية أطفال في العالم تعرض لإساءة جنسية قبل سن الثامنة عشرة. وتذكر منظمة الصحة العالمية أن واحدة من كل خمس نساء، وواحدًا من كل ثلاثة عشر رجلًا، تعرضوا لاعتداء جنسي في طفولتهم. وتقر دراسات أخرى بأن نحو 15% من الرجال حول العالم تعرضوا للتحرش الجنسي.

أما في مصر، فقد حظيت قضية التحرش الجنسي باهتمام في السنوات الأخيرة، وكشفت دراسات عن تعرض أكثر من 90% من نساء مصر، ونحو 27% من الرجال، للتحرش الجنسي في مرحلة من مراحل حياتهم. وفيما يتعلق بالأطفال، فإن الأرقام غير دقيقة؛ نظرًا لأن كثيرًا منهم لا يدركون أن ما يتعرضون له يُعد انتهاكًا، وكثيرًا منهم يُجبرون على السكوت خوفًا من الأهل أو من تهديد الجاني. وآخرون ممن يعترفون لذويهم بما حدث يُقابلون بالإنكار أو اللوم أو التخويف.


أسباب التحرش الجنسي

تتعدد أسباب التحرش الجنسي، أسباب نفسية وتربوية ومجتمعية وقانونية. منها معاناة الجاني من اضطراب في التواصل، مرتبط بعدم تنشئته على احترام حدود الآخرين ومساحتهم الشخصية، خاصة الذكور الذين يُربَّون في مجتمعاتنا الشرقية على أنهم أصحاب الغلبة والأفضلية على النساء، مما يجعل بعضهم لا يحترم آدمية الأنثى وحقوقها. ومنها غياب التربية الجنسية السليمة؛ ففي بلادنا يمتنع كثير من أولياء الأمور عن توعية أبنائهم بالأمور المتعلقة بالجنس، فيتركونهم فريسة للأفكار المشوهة، ولما يبثه الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من محتوى يحمل إيحاءات جنسية، فضلًا عما قد يصلون إليه من محتوى إباحي يشيِّئ جسد المرأة ويُسَلِّعها، ويحصرها في خانة المتعة الجنسية فحسب.

وهناك أسباب متعلقة بالاقتصاد والمجتمع والقانون؛ فبسبب البطالة والتعسر المادي لدى شريحة كبيرة من الشباب في المجتمع المصري – على وجه التحديد – قد يلجأ بعضهم إلى الاعتداء على النساء جنسيًا بدافع إشباع احتياجات مكبوتة. والكبت عمومًا مرتبط بظاهرة التحرش الجنسي؛ إذ تسود في مجتمعاتنا العربية حساسية في العلاقة بين الذكر والأنثى، قد تتحول إلى هوس لدى بعض الرجال، وهو هوس قد يلازمهم من باكورة الوعي حتى المشيب، ولذلك تُرتكب كثير من جرائم التحرش ضد الأطفال والنساء على يد رجال متقدمين في السن. ومن أهم الأسباب كذلك التطبيع المجتمعي – وأحيانًا القانوني – مع المتحرش؛ إذ قد يجد دعمًا أو تبريرًا من بعض المحيطين به، كما يحدث أحيانًا تهاون في تطبيق العقوبات. ورغم أن القانون المصري يقضي بحبس المتحرش من سنتين إلى أربع سنوات، وقد تصل العقوبة إلى سبع سنوات في بعض الحالات، فإن الجاني لا يواجه دائمًا العقاب الرادع، بسبب تعاطف بعض أفراد المجتمع معه أو التقليل من خطورة فعله.


آثار التحرش الجنسي على الضحية

أولًا: الأطفال. يصيب التحرش الجنسي الأطفال بالشعور بالتهديد وانعدام الأمان، ويسبب لهم ارتباكًا نفسيًا وفقدانًا للثقة بالنفس، خاصة أن الطفل لا يفهم في كثير من الأحيان ما يحدث له. كما قد يشعر بالذنب، ظنًا منه أنه سبب ما حدث. وقد تتطور الآثار إلى اضطرابات سلوكية، مثل الانطواء أو العدوانية، وأحيانًا التبول اللاإرادي.

ثانيًا: النساء والرجال. يسبب التحرش الجنسي للنساء والرجال قلقًا مستمرًا، وفقدان الثقة في المجتمع، ويخلق غضبًا مكبوتًا قد يتحول إلى اكتئاب. وقد تتطور الحالة أيضاً إلى اضطرابات نفسية مختلفة. وبالنسبة لبعض الرجال، قد يضاعف التحرش الشعور بالعار والذنب. وقد يتعرض الضحية – ذكر أو أنثى – لنوبات هلع، ويميل إلى الانعزال أو السلوك العدواني. كما يؤثر التحرش في العلاقات الاجتماعية، وخاصة العلاقة مع الجنس الآخر، ويمتد أثره إلى العلاقة الحميمية، حيث قد يعاني الضحية من ضعف الرغبة الجنسية أو النفور.


آثار التحرش الجنسي على الجاني

المتحرش أيضًا يتعرض لأثر سلبي نتيجة فعلته؛ إذ يعزز التحرش لديه السلوك العدواني، ويغذي إحساسًا زائفًا بالقوة والسيطرة. كما يؤدي إلى تبلد التعاطف مع الآخرين، ويشوّه نظرته للعلاقات الاجتماعية – خاصة العاطفية – إذ يدفعه التحرش إلى أن يتعامل مع الناس بوصفهم أشياء لا أشخاصًا. والأخطر أن السلوك قد يتطور من تحرش إلى ارتكاب جرائم أكثر جسامة، إذا لم يُواجَه بالردع والعلاج المناسبين.


كيف نحمي أنفسنا وذوينا من التحرش الجنسي؟

يمكن حماية أنفسنا وذوينا من التحرش الجنسي وسائر أشكال الانتهاك من خلال التربية الإيجابية، سواء في تربية أبنائنا أو في تهذيب أنفسنا. ينبغي أن تقوم هذه التربية على احترام الحدود الشخصية، وصون الحقوق، واحترام كلمة «لا»، وتقوم كذلك على المساواة بين الذكر والأنثى. كما ينبغي أن نعلم أنفسنا وأبناءنا كيفية التعبير عن مشاعرهم، والإفصاح عما يضايقهم، ووضع حدود واضحة في التعامل مع الآخرين، وعدم السماح لأي شخص بتجاوزها.

ومن الضروري التوقف عن لوم الضحية و تبرير فعل الجاني. وفي الوقت نفسه، فإن فهم الأسباب التربوية والمجتمعية ينبغي أن يدفعنا لتفهم الجاني والتعاطف معه، ولكن دون إسقاط المسؤولية عنه؛ فالمساءلة القانونية واجبة، إلى جانب السعي إلى تقويم السلوك وعلاجه. أما الضحية، فالأولى أن نمنحه الدعم الكامل، نستمع إليه، ونصدقه، ونساعده على التعافي وتجاوز ما تعرض له.

تم.

اكتب لنا رأيك في التعليقات، وشارك المقال ليصل للمزيد من القراء.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال