أسئلة شائعة في حقل الكتابة

هل موهبة الكتابة تكفي دون تعلّم؟ هل الرواية هي الشكل المثالي للكتابة؟ هل يجب أن أكتب يوميًا؟ كيف أتعامل مع فقدان الشغف؟

أسئلة شائعة في حقل الكتابة
* * *

- هل موهبة الكتابة تكفي دون تعلّم؟

لا، قولًا واحدًا. الموهبة هي البذرة، وهذه البذرة تحتاج إلى مقومات أخرى لكي تنمو وتثمر؛ مثل التربة والمياه والسماد. الكثيرون يظنون أن الكتابة مجرد خيال، لكنها في الواقع خطة بنائية تستلزم الكثير من التعلّم والتدريب.


- هل لا بد من الدراسة في معهد السينما أو كلية الآداب لتعلم الكتابة؟

لا. ثمانون بالمئة مما تعلمته كان نتاج التعلّم الذاتي. من الجيد أن تدرس السينما أو الآداب، حيث يتوفر لديك مصدر ممتاز للتعلّم وتعزيز الثقافة، وبيئة جيدة للإبداع، والكثير من الفرص، خاصة حين نتحدث عن معهد السينما. ولكن إذا لم تُوفَّق في دراسة السينما أو الآداب، يمكنك تعلّم الكتابة بشكل ذاتي مستقل.


- كيف أتعلم الكتابة ذاتيًا؟

كما ذكرتُ في مقالات سابقة، الكتابة مثلث له ثلاثة أضلاع: الموهبة، والحرفة، والثقافة. الموهبة تنمو وتقوى بالتجربة، والحرفة يمكنك تعلمها من خلال ورش ودورات تعلم الكتابة، سواء لدى مدرّب متخصص أو بدونه إذا شئت، عن طريق قراءة الكتب والمقالات، ومشاهدة الفيديوهات التعليمية على الإنترنت. مرة أخرى أرشّح لك مشاهدة جزء (السيناريو من ورشة الأفلامجية) على اليوتيوب، حتى وإن كنت أديبًا؛ فالحكي قواعده ثابتة في الرواية والسيناريو وكل أشكال الكتابة الدرامية المختلفة. كما أنصحك بقراءة سلسلة مقالات (كيف تكتب قصة) على موقع ميدو يكتب. بالإضافة إلى القراءة في مجالات علم النفس، والفلسفة، والتاريخ، واللغة، سواء عبر الكتب والمقالات أو المحتوى المرئي.


- هل الرواية هي الشكل المثالي للكتابة؟

لا، الرواية ليست الطريقة الوحيدة للكتابة. مع الأسف، كثير من الناس يعتقدون أن كتابة المقال أو القصة القصيرة ليست كتابة حقيقية، وأن الرواية أو الكتاب هما الشكلان الأمثلين، لأنهما يحققان النجاح التجاري المرجو والانتشار المنشود، ويحظيان باهتمام دور النشر. لكنني أرى أن للكتابة طرقًا عدة؛ فالكاتب ليس فقط من يكتب الروايات والكتب ويتواجد في معرض الكتاب لتوقيع النسخ. لكل كاتب مكانه؛ هناك من يكتب على صفحات التواصل الاجتماعي للأصدقاء والمتابعين، وهذا - في رأيي - كاتب أيضًا. سواء كتب مقالًا أو قصيدة أو حتى خاطرة، فإن كان التفاعل والتعليقات كافيين بالنسبة إليه، فهو في غير حاجة إلى تغيير نهجه. لكل كاتب طريقه وجمهوره، ولكل كاتب احترامه.


- هل يجب أن أكتب يوميًا؟

عدد لا بأس به من الكتّاب المخضرمين تحدثوا عن روتين يومي للكتابة، وقالوا إن الكتابة وظيفة كأي وظيفة: أستيقظ يوميًا لأدائها في ساعات محددة. ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي انتشرت فكرة سأكتب، أو سأرسم كل يوم، على أنها تحدٍّ. لكنني أرى أنه من الخطأ التعامل مع الكتابة - ومع أي شيء - بطريقة استهلاكية. عالمنا الصناعي المتحضر يفرض علينا التفكير في كل الأمور بهذه الطريقة؛ عالم يطالبك بالعمل يوميًا في وقت محدد، بغض النظر عن ظروفك وحالتك النفسية، إلا في حالات الطوارئ القصوى. هذه الطريقة تُنتج - في الأيام التي تكون فيها قادرًا على العمل - نتائج فاترة تشوبها الأخطاء.

من الجيد أن تسعى للكتابة بشكل مستمر، لكن حذارِ من الكتابة رغم فقدان الشغف، وحذارِ من الكتابة دون فكرة حقيقية صادقة تريد التعبير عنها؛ فما ينتج عن غير ذلك يكون مجرد ثرثرة، كما قال نجيب محفوظ.


- هل أخطط للكتابة أم أكتب النص مباشرة؟

القصة ليست إلا عملية بناء منظمة؛ من المستحيل أن تبدأ في كتابة النص مباشرة وتنتج قصة جيدة. حتى أكثر الكتّاب مهارة، إذا بلغوا مرحلة متقدمة من الاحتراف، وأغنتهم خبرتهم عن التخطيط المفصل، فإنهم يخططون - ولو تخطيطًا بسيطًا - قبل البدء في كتابة النص. تسعون بالمئة من قواعد الكتابة التي أنصحك بتعلمها متعلقة بما قبل كتابة النص: بناء القصة، رسم الشخصيات، التحضير للكتابة، وغيرها من المراحل التي تحتاج إلى تخطيط دقيق ومرهق، من أجل الوصول إلى قصة قابلة للتلقي.


- أكتب كم كلمة يوميًا؟

هذا السؤال متصل بالسؤالين السابقين؛ فالرغبة في كتابة عدد كلمات محدد يوميًا تقع في إطار التعامل مع الكتابة بشكل استهلاكي. كما أن صاحب السؤال يتحدث وكأن الكتابة هي فقط كتابة النص، متجاهلًا المراحل التي تسبقها، والتي تشكل - كما ذكرت - تسعين بالمئة من عملية الكتابة. إذا كنت في مراحل البناء التي تسبق كتابة النص، تستخرج الفكرة، ثم تكتب ملخصًا، ثم… ثم… فلماذا تسأل عن عدد الكلمات؟ ومن غير الجيد أيضًا أن تفكر في عدد ساعات محدد للكتابة يوميًا؛ ففي بعض الأحيان تكون في حالة نشاط تسمح لك بالكتابة لساعات طويلة دون توقف أو تشتت، وفي أحيان أخرى لا تستطيع أن تكتب أكثر من ربع ساعة.

 ما من إنسان يرفض النجاح والاجتهاد، عليك أن تؤمن بذلك. توقف عن لوم نفسك واتهامها بالتخاذل والتكاسل؛ فإذا تكاسلت عن الكتابة لأي سبب، فربما لم يحن بعد وقت كتابة هذه القصة. حين يجيء الوقت المناسب ستكتبها، ولن يمنعك شيء.


- كيف أتعامل مع الانسداد الإبداعي؟

إذا كنت تبدأ في كتابة النص مباشرة وتتوقف لأنك لا تعرف ما سيأتي، فكما ذكرت - وسأكرر - تسعون بالمئة من الكتابة تخطيــــــــــــــــــط. الكاتب المحترف لا يبدأ في كتابة النص إلا حين تكون لديه معرفة كاملة ومكتوبة بكل مجريات الأحداث بالتفصيل الممل.

أما إذا كنت تقصد عدم القدرة على الكتابة في بعض الأيام بسبب فقدان الشغف أو القدرة، فالإجابة هي ذاتها إجابة السؤال السابق: توقف عن لوم نفسك، واعلم أنك لست سلبيًا؛ أنت تحب الكتابة، وإن عجزت عن القيام بها فلك كل الحق في ذلك. أنت إنسان، لست مطالبًا بالنشاط المستمر غير المتوقف. 

تقبّل ضعفك، وتقبّل عدم قدرتك في بعض الأحيان، واستغل وقت التوقف في الترفيه عن نفسك؛ وستكتشف أن الترفيه سيعيدك للكتابة بطاقة ربما أكبر مما كانت قبل التوقف.


- عمّ أكتب؟

أكثر الأعمال نجاحًا هي تلك المتصلة بكاتبها بشكل مباشر. إن تجربتك في الحياة تجربة فريدة في كل الأحوال، تستحق أن تحكى، حتى وإن لم تكن معاناة ملحمية. أحد أساليب علاج المدمنين - على سبيل المثال - هو إحضار مدمنين متعافين للحديث عن تجربتهم، لأن المريض يصغي جيدًا إلى صاحب التجربة، وعلى النقيض قد لا يستسيغ نصائح المعالج الذي لم يجرّب التعاطي قط.

قصتك، أنت أفضل من يقصّها. حتى وإن قررت الكتابة عن موضوع لا تعرفه، متلذذًا بفكرة البحث والقراءة، فإنك - رغم كل شيء - ستصل إلى القصة من المدخل الشخصي. في رأيي، الإنسان عاجز عن الكتابة عما لا يعرفه بنسبة مئة بالمئة.


- كيف أتعامل مع فقدان الشغف؟

الكثير من الناس يعتقدون أن فقدان الشغف يعني عدم الرغبة في الكتابة، وعليه يظنون أن رغبتهم المستمرة في الكتابة دليل على عدم فقدان الشغف. لكن الحقيقة أن فقدان الشغف هو عدم القدرة على الكتابة الجيدة رغم الرغبة؛ الإنسان لن يتوقف عن الرغبة والاحتياج إلى الفعل، السؤال: ماذا يفعل حين لا يقدر على الفعل؟

أظن أن كل إنسان يسعى لهدف معين؛ ما إن يتحقق حتى يفقد الإنسان شغفه. الكثير من المبدعين حين يصلون إلى مرحلة معينة من النجاح يبدؤون في السقوط، ولا ينتج عن محاولاتهم في النهوض إلا مزيد من الفشل. في رأيي، هذا يرجع إلى فقدان الشغف؛ بعض المبدعين كانت حاجتهم الداخلية هي نجاح معين، وما إن حققوه حتى فقدوا شغفهم، لكن الأزمة أن النجاح والفكر الاستهلاكي يطالبان الإنسان بالإنتاج المستمر.

أفضل المبدعين هم من يتقبلون فقدان الشغف، ولا يرفضونه، ولا يسعون محمومين إلى تغييره. أفضل المبدعين من ينسحب من الساحة قانعًا بما حققه من نجاح دون الرغبة في المزيد.

ورغم كل شيء تستطيع أن تتعرف على فقدان الشغف متى جاء؛ حتى وإن كانت لديك رغبة عارمة في العمل، فإن جزءًا ما بداخلك يشعر بعدم الرغبة. عليك أن تصغي إلى صوتك الداخلي، وأن تكون صادقًا مع نفسك حتى لا تقع في هذا الشرك؛ حينها لن تنتج فقط أعمالًا رديئة تحط من شأنك، بل إن كثيرًا من الجمهور سينظرون إلى أعمالك السابقة التي حظيت بالنجاح نظرة مختلفة، وقد يفقدون إيمانهم بك، وربما يشعرون أنك لم تكن جيدًا منذ البداية. عندها ستفقد الماضي والحاضر والمستقبل.

  تقبّل فقدان الشغف، وانسحب في الوقت المناسب، يمكنك أن تعمل في العديد من الوظائف المتصلة بالكتابة، دون أن تكتب.

تم.

إذا كان لديك سؤالاً اكتبه في التعليقات، وشارك المقال ليصل للمزيد من الأشخاص.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال