كيف نتعامل مع التلعثم؟ مصابين ومحيطين

مشهد من قصة صوت داخلي

وقفتُ أمام سكرتيرة متجهمة، الأصوات من حولي شبه متوقفة. كانت عيني ثابتة عليها، وفي الوقت نفسه أتلافى التقاء أعيننا. نظرتْ إليّ في ضجر لما وجدتني صامتًا، حاولتُ التكلم، لكن لساني جعل يصطدم بمؤخرة قواطعي، فبدا وكأنني أتكلم بصوت منخفض. فقالت في خشونة:

- علِّ صوتك.

نظرتُ إليها كأنني أدركت وجودها أمامي للتو، وبقيت صامتًا، مطبق الفكين للحظات. مطّت شفتيها في ضجر دون أن ترفع عينيها عن عينيّ. طال صمتي، وتعلقت عيناي بدفتر التسجيل. ولما يئستُ من القدرة على التكلم، حاولت أن أتكلم رغمًا عني؛ فتشنج وجهي بالكامل، وأصدرت حركات غريبة بشفتي وفكي. لا أعرف كيف يبدو وجهي في هذه الأثناء، لكنني أراه في عيني من أمامي. سمعتُ فكي يطقطق من شدة التشنج قبل أن أنطق:

- عل…… ال… و.

بقيت ناظرة إليّ في تبلد، بينما حاولت استكمال الاسم، فقلت بصوت مكتوم:

- علـ… اء.

- علاء إيه؟

نطقتها بسهولة مستفزة، وبدون أن أتنفس قلت:

- مح… السيد.

- علاء السيد؟

- علاء… مح… مح… م (وارتعشت شفتاي ورسمت حرف (و) في تشنج)… حمد.

سجلت الاسم في فتور. زفرتُ بعمق شديد، وسيطر صوت صفير طغى على أي صوت آخر، وتملكني شرود الذهن.

كيف نتعامل مع التلعثم؟
* * *

ما هو التلعثم؟

التلعثم، أو التأتأة، هو اضطراب في النطق ينتج عنه عدم قدرة المصاب على التحدث بسلاسة. يحدث التلعثم نتيجة خلل في التنسيق العصبي الخاص بالكلام داخل المخ؛ فالأجزاء المسؤولة عن التخطيط اللغوي، وتحويل الفكرة إلى أصوات، ثم التحكم العضلي في اللسان والشفتين، تعمل بشكل مضطرب. يصاحب ذلك نشاطٌ زائد في الفص الأيمن، في حين أن الفص الأيسر هو المسؤول عن اللغة والكلام، بينما الفص الأيمن مسؤول عن الأفكار الداخلية والمخاوف. ومخاوف المتلعثم من عدم قدرته على الكلام تتضخم أثناء الحديث نتيجة هذا النشاط الزائد، إضافة إلى التوتر الناتج عن تجارب سابقة وخلل التنسيق العصبي، ما يؤدي فعلًا إلى تعثره في الكلام، فيحدث تكرار لبعض الكلمات، أو توقف مفاجئ، أو تشنجات في اللسان والفكين.


ما هي أشكال التلعثم؟

بعض الأشخاص يواجهون صعوبة في بداية الكلام، وخاصة الأطفال المصابين ببوادر التلعثم؛ إذ يكرر الطفل بداية الكلمة أكثر من مرة قبل أن يتمكن من نطقها. وبعض الأشخاص يلجؤون إلى إصدار أصوات غريبة قبل البدء في الكلام، والبعض الآخر تتشنج وجوههم وشفاههم قهرياً ظنًا منهم أن ذلك سيساعدهم على التحدث. هناك أيضًا ما يُسمى بالحبسة الكلامية، يعجز عن بدء التحدث من الأساس، والبعض قد ينطق كلمة ثم يتوقف فجأة غير قادر على استكمال الجملة. والكثير من الأشخاص يعانون من أكثر من شكل من أشكال التلعثم بشكل متناوب: يمرون بفترات يعجزون فيها عن نطق بداية الكلمة، وفترات أخرى تتشنج فيها ألسنتهم، وفترات ثالثة يعانون فيها الحبسة الكلامية. بعض الأشخاص قد يعجزون عن التحدث بالعربية مثلًا، لكنهم يستطيعون التحدث بالإنجليزية بشكل طبيعي، وآخرون حين يفكرون في الأمر أكثر من اللازم قد ينتهي بهم التفكير إلى العجز عن الكلام بأي لغة.


ما هي أسباب التلعثم؟

لنفكك سلوك الإنسان من الناحية النفسية: الإنسان الذي حظي باهتمام كافٍ من أهله في الطفولة، ونجح اجتماعيًا وعاطفيًا - ولا يعني النجاح هنا دوام العلاقات، بل عدم التعرض المتكرر للرفض والشعور بالوحدة - هذا الإنسان يتكوَّن لديه، بفعل تكرار المواقف الإيجابية، معتقدٌ راسخ بأنه إنسان يستحق الحب والاهتمام. ونفس الإنسان تتشكل من معتقدات راسخة تُنتج أفكارًا تلقائية، تثير مشاعر معينة، فيتصرف بناءً عليها. في حالة الإنسان القادر على التحدث بطلاقة، يكون ذلك مرتبطًا غالبًا باعتقاده أنه يستحق أن يُسمع ويُرى.

أما حين يتلعثم الإنسان، فغالبًا ما يكون المعتقد الراسخ لديه هو (عدم الاستحقاق)، فكرة عميقة تشكلت من تراكم تجارب قاسية ومنظمة جعلته يعتقد أنه غير مستحق للحب أو الاحترام أو الاهتمام. هذا المعتقد يفرز أفكارًا سلبية تلقائية؛ فحين يصبح في موقف يتطلب التحدث أمام الناس، تنشط هذه الأفكار في الفص الأيمن، فيشعر بالتوتر، ويضطرب جهاز النطق، فيعجز عن التعبير عن نفسه. وغالبًا ما يلقى من الآخرين رفضًا أو نفورًا، ما يعزز معتقد عدم الاستحقاق لديه أكثر وأكثر.


بم يشعر المتلعثم؟

يُحكى أن سقراط، بعد أن فرغ من شرح إحدى محاضراته وأخذ يجيب على أسئلة الطلاب، لاحظ أن الجميع سألوا ما عدا طالب واحد، فقال له: "تكلم حتى أراك" هذا التعبير يلخص جوهر المسألة: الكلام هو وسيلة الظهور والوجود الاجتماعي. كما ذكرت، التلعثم مرتبط بمعتقد عدم الاستحقاق، وهذا المعتقد متصل بالرفض والشعور بعدم الأهمية  أو عدم الشوفان على حد وصف دكتور محمد طه - أولًا من الأسرة، ثم من المجتمع. لذلك يشعر من يتلعثم بأنه غير مرئي، منعدم القيمة، وغير قادر على إحداث أي أثر.

اقرأ: ملخص كتاب الخروج عن النص لـ محمد طه


ماذا يحتاج المتلعثم؟

بعض الناس يحاولون مساعدة المتلعثم باستكمال حديثه بدلًا منه، أو بإعفائه من الكلام تمامًا. إذا كان المتلعثم طالبًا، قد يتجاوز المعلم دوره في التحدث. بعضهم يشيح بوجهه بعيدًا حين يبدأ في التعثر، والبعض يبتسم، والبعض يعبس، ظنًا أن تغيير تعابير الوجه تخفف عنه. آخرون يتجاهلون ما يحاول قوله وكأنهم لم يسمعوه، أو يتجاوزون تعثره وكأنه لم يحدث. وهناك، للأسف، من يسخر منه.

مع كل التقدير لمحاولات الناس التخفيف عن المتلعثم، يجب أن نفهم الطريقة الصحيحة للتعامل معه: لا تتجاهل تلعثمه ولا تتجاوز دوره في الحديث، أنت تساعده أكثر حين تدفعه لأن يتحدث ويعبر عن نفسه، لا تنظر بعيدًا عن عينيه، لا تعبس ولا تبتسم بشكل متكلف، لا تُكمل الجملة بدلًا منه، انظر في عينيه حتى لو زاد التعثر؛ فالتواصل البصري، رغم أنه قد يزيد التلعثم في البداية، فهو أساس التواصل الإنساني، وبمرور الوقت يساعد المتلعثم على بناء الثقة بالنفس، خاصة إذا وجد المتلعثم تفهمًا وقبولًا دون نفور أو انزعاج أو اهتمام مبالغ فيه.

المتلعثم يحتاج أن يتعامل معه بطبيعية، مثل أي شخص آخر: لا اهتمامًا مفرطًا، ولا نفورًا، ولا ابتسامًا متكلفًا، ولا عبوسًا، وبالطبع لا تجاهل ولا سخرية.


ما هو علاج التلعثم؟

ينقسم علاج التلعثم إلى شقين: علاج دوائي وعلاج سلوكي. العلاج الدوائي يتم من خلال تعاطي أدوية كيميائية تساعد على تقليل التوتر وخفض القلق، والمساهمة في ضبط عضلات الكلام بشكل أكثر سلاسة. أما العلاج السلوكي فيعتمد على رصد المشاعر وتتبع الأفكار السلبية بمساعدة المعالج للوصول إلى المعتقدات الراسخة، ثم مناقشتها. يهدف هذا العلاج إلى تفكيك المعتقدات والسلوكيات الخاطئة لدى المتلعثم وإعادة بنائها بصورة صحية.

كما ذكرت، التلعثم ليس إلا نتاج معتقد داخلي بعدم الاستحقاق نشأ من تجارب سلبية منظمة، تسبب خللًا في آلية الكلام داخل المخ. الجانب العصبي يحتاج دعمًا دوائيًا عند الضرورة، بينما الجانب النفسي السلوكي يحتاج معالجًا يمنح المتلعثم - أولًا - الاهتمام والتفهم اللذين افتقدهما في حياته، ثم يساعده على إعادة ضبط ذاته من الداخل، ومراجعة معتقداته السلبية واستبدالها بأخرى أكثر إيجابية. 

بناء على تجربتي، التلعثم لم يختف بنسبة مئة بالمئة، ولكني نجحت في السيطرة عليه، أحياناً ما يعاود الظهور بسبب الضغوط والتوتر، ولكني سرعان ما أستعيد ثقتي وقدرتي على التكلم بفضل الانتظام في تعاطي الدواء، وزيارة المعالج النفسي.

وبالطبع كلما كان التدخل مبكراً كلما كان أفضل، إذا ما ظهرت على طفلك بوادر التلعثم عليك أن تزور طبيباً متخصصاً في أسرع وقت، الكثير من المتلعثمين لم يكونوا ليعانون من هذا المرض في الكبر إذا ما حدث تدخل مبكر من قبل الأسرة.

تم.

اكتب لنا رأيك في التعليقات، وشارك المقال ليصل للمزيد من الأشخاص.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال