9 جند.. قصتي مع التجنيد

9 جند.. قصتي مع التجنيد
* * *

تطوعتُ بمركز الجزويت الثقافي لمدة سنة، وكان من المفترض أن أتقدم للتجنيد خلال الشهور التي تلت ذلك، ولكني قررت أن أتأخر عن عمد كي لا تضيع عليّ فرصة التطوع. وقبل انتهاء فترته، وخلال شهر أبريل، تقدمتُ للالتحاق بالجيش على أن ألتحق به في شهر يوليو بعد انتهاء فترة التطوع.

وكان التطوع لديّ قد توقف بالنسبة إليّ عندما تم اختياري من بين المتطوعين لحلّ محل سكرتير المركز الذي ترك العمل. هذا العمل فرض عليّ الذهاب إلى المركز يوميًا من الثالثة عصرًا وحتى الحادية عشرة مساءً. كنت أعود من العمل منهكًا، فآكل بشراهة، ولسوء حظي ازداد وزني بضعة كيلوجرامات جعلتني لائقًا بدنيًا في نظر الكشف الطبي. لسنوات طويلة كنت أعاني من النحافة الشديدة ونقص الوزن، فلماذا عسا وزني أن يزداد في هذا الوقت تحديدًا؟

سافرتُ إلى الصعيد، لأن أول بطاقة شخصية استخرجتها كانت من مركز شرطة طما، محافظة سوهاج. كنا نقيم في الإسكندرية آنذاك، ولكننا آثرنا استخراج البطاقة من هناك. كان قرارًا غبيًا لم نعرف أنه سيترتب عليه وجوب الالتحاق بالجيش من خلال مركز طما. كان الكشف الطبي الأول هو الأقسى. حضرنا إلى مقر التعبئة في الخامسة صباحًا، وبدأ الكشف الطبي في حوالي التاسعة! أثار هذا الأمر غضبي، في حين كان الجميع يتقبله في سكوت. تعمدوا تأخير الكشف حتى يدفعونا لشراء منتجات الكانتين. ولما حان الموعد أخيرًا، خرج علينا عسكري ليقوم بما يُسمى «التلقين»، وهو إخبارنا بالمعلومات اللازمة عن الكشف، والحالات التي تستوجب الإعفاء، وبالطبع نسي أن يذكر ضمنها التلعثم. وكنت أعرف من خلال صديق يعاني من المشكلة ذاتها أنهم غالبًا ما ينسون هذا الأمر ولا يهتمون به.

الوزن، الطول، النظر… كل شيء لائق. غلظة غير مبررة من قبل العساكر والأطباء. أحدهم أمرني أن أجمع أوراقي الطبية التي نثرتها أمامه من أجل شرح حالتي، قائلًا: «لمّ حاجتك… أخلص». وآخر ضرب سطح المكتب بيديه بقوة فظيعة وصرخ غاضبًا عندما وضع أحدنا نظارته على المكتب، وكان قد قال لنا عند الدخول أن نضع أشياءنا على أرجلنا أثناء الكشف. وآخر، وكان عالي الرتبة، سمعته يقول لشخص يحاول إقناعه بأنه غير لائق جسديًا لسبب ما: «أعدل نفسك بدل ما أمسح بيك الأرض».

وسط هذه الأجواء كان عليّ أن أُظهر تلعثمي، والتلعثم حين تريده أن يظهر يختفي! بذلتُ كل ما في وسعي لإظهاره. قطّروا أعيننا بقطرة ملعونة من أجل الكشف على النظر، وهذه القطرة حالت دون رؤية الأشياء بوضوح. ذهبتُ إلى أحد الأطباء أسأله عما هو مكتوب في ورقة حالتي، أخبرته أنني متلعثم وسألته لماذا لم أُعرض على طبيب تخاطب؟ قال لي إن التلعثم مذكور في الأوراق بالفعل. قلت له: جيد، وأضفت أنني لا أستطيع الرؤية بوضوح، فقال لي بغلظة: «أديك شُفت».

خرجنا لانتظار النتيجة. ساعات طويلة، مثل ساعات انتظار الكشف. كان الجميع يتحملها، وكنت أضيق بها بشدة. أشعر أن كرامتي تُهان. لماذا عليّ أن أنتظر كل هذا الانتظار؟ لماذا يعذبوننا بكل الطرق؟ نودي على المعفيين، ثم المقبولين. كنت أدعو الله بخوف شديد، راجيًا ألا أسمع اسمي بينهم، ولم يحدث. بل جاء اسمي مع المحولين إلى اللجنة العليا في القاهرة، من أجل العرض على طبيب تخاطب. حدث ذلك بعد حوالي ساعة غضب فيها العسكري لأننا كنا نتكلم أثناء سماع الأسماء، فقرر ألا يوزع علينا أوراقنا. حاولنا استرضاءه دون فائدة، وكنت غاضبًا منه بشدة، خاصة أننا لم نكن نتكلم بصوت مزعج أو مرتفع، بل مجرد همسات يمكن تجاهلها. عدتُ إلى بيت خالي مرهقًا. لا أتذكر ما حدث بالضبط، ولكني تحممت، وخرجت وكانت المروحة مُدارة. لم تمر دقائق حتى لفظتُ كل ما في معدتي. بعد ساعات حاولت أن آكل لمداواة الإعياء وتسكين الصداع، وما إن انتهيت حتى تقيأت مرة أخرى.

عدتُ إلى الإسكندرية، وبعد حوالي أسبوعين سافرتُ إلى القاهرة من أجل الكشف الثاني. انتظرنا حوالي ساعتين قبل الدخول إلى الطبيب. كانت معي أوراق مختومة استخرجتها من مستشفى حكومي تُثبت حالتي. وكان كشف طبيب المستشفى عليّ من أغرب ما يمكن. حين دخلت أمرني أن أجلس، وكانت الكراسي بعيدة عن مكتبه فلم أفهم، فقال لي بغلظة: «قدامك تلت كراسي.. اقعد على واحد فيهم». جلست، فسألني: ممّ أشكو؟ حاولت أن أشرح له حالتي وأخرجت روشتة الأدوية التي أتعاطاها، فإذا به يهتف رافضًا أي روشتات كتبها غيره. أمرني أن أقف، ثم أن أغمض عينيّ، ثم أن أرفع يديّ. فعلتُ، فإذا به يتعجب من قدرتي على استيعاب الأوامر! الغبي يظن التلعثم مشكلة عقلية!

ما حدث معه جعلني أذهب إلى كشف اللجنة العليا غاضبًا، فلم أحاول شرح حالتي للطبيب أو إقناعه بمرضي، واكتفيت بتمثيل التأتأة أمامه. طلب مني أن أعد من واحد إلى عشرة، فعددتُ متلعثمًا. كان ينقر على كوب القهوة الموضوع أمامه بقلم في يده حين أتعثر، وكأنه يدفعني للكلام. وما إن وصلت إلى الرقم ثلاثة حتى أعطاني ورقة مغلّفة مكتوبًا عليها «لائق». الغضب منه ومن طبيب المستشفى حال دون محاولتي استرضاءه أو الشرح له. أخذت الورقة وخرجت، فختم على نموذج الـ110 خاصتي بالعودة إلى منطقة التجنيد. سألت عن التظلمات، فقيل لي: حين تذهب لسماع السلاح.

حوالي شهر ونصف بين الكشف الأخير وبين سماع السلاح، عدتُ إلى التطوع، ونظمتُ عددًا من الفعاليات. كنت أتكلم بصعوبة شديدة بسبب الضغط النفسي. يوم سماع السلاح ذهبنا، كالعادة، في الخامسة فجرًا خشية أن يفوتنا شيء فنعجز عن تعويضه، لأن التعامل مع أفراد الجيش غاية في الصعوبة، كما سمعنا من قبل، وكما تأكد لنا من خلال العروض السابقة. وكالعادة انتظرنا لساعات طويلة قبل أن نسمع السلاح. سألوا عمّن يريد أن يتظلم، فخرجتُ إليهم، ولكن حين نظر العسكري في أوراقي قال لي إنه لا يجوز التظلم لمن تحوّل إلى اللجنة العليا، ويجب أن ألتحق بمركز التدريب، ثم أتظلم.

كنت قد زرتُ طبيبًا متخصصًا في المخ والأعصاب والطب النفسي قبل شهور، وبدأتُ في تعاطي دواء من أجل التحكم في نوبات الاكتئاب، لكن الطبيب أمرني أن أوقف الدواء. لم أتحمل أعراض الانسحاب، فعدتُ إلى تعاطيه دون استشارته، ولم يكن لذلك أثر جيد. تناوله، ثم توقيفه، ثم العودة إليه، أظن أنها أبطلت مفعوله بشكل ما، أو ربما لم أشعر بالتحسن بسبب الضغط النفسي الذي أمرّ به في هذه الفترة. أثناء عودتي من الصعيد بعد سماع السلاح، قررتُ توقيف تعاطي الدواء. كنت أريد أن أكون على طبيعتي لعل التلعثم يظهر فأحصل على الإعفاء، لكنني واجهتُ أعراض انسحاب قوية جدًا. كنت عاجزًا عن فعل أي شيء، عاجزًا حتى عن التفكير، فاقد الإحساس بالحياة، لا أشعر إلا بالألم. بعد أيام زرتُ طبيبًا نفسيًا مختلفًا. كنت غير قادر حتى على انتظار دوري في عيادة الطبيب؛ كانت ساعة الانتظار دهرًا طويلًا. كنت أجلس بصعوبة وأتنفس بصعوبة أكبر. وصف لي الطبيب دواءً آخر غير الذي كنت أتعاطاه، والحمد لله أفقتُ من اكتئابي. وزرتُ صاحبة الأثر، فنصحتني بألا أحاول تمثيل التأتأة، لأن تمثيلها يُظهرني مدّعيًا. وقد كان خوفي من القبول في التجنيد يدفعني إلى التركيز على تمثيلها بكل طاقتي، لكن ما نتج عن ذلك لم يكن سوى القبول بالفعل.

تقبّلتُ فكرة التحاقي بالجيش، اشتريتُ حاجياته واستعددتُ، وذهبتُ إلى مركز تدريب مبارك الخاص بسلاح الداخلية في القاهرة. تفتيش دقيق قبل الدخول؛ قلبوا محتويات الحقيبة رأسًا على عقب. لملمتها بصعوبة وجلستُ مع زملائي لسماع القواعد. بعد وقت رفعتُ يدي لأسأل عن شيء متعلق بتأخري عن التقدم للتجنيد، كما ذكرتُ؛ لقد تأخرتُ من أجل التطوع. وما إن تحدثتُ حتى لاحظ العسكري تلعثمي، فطلب مني الخروج من الصف، ووجّهني نحو عسكري آخر يجلس ومعه دفتر يكتب فيه. سألني عن اسمي ومشكلتي، فأخبرته أنني متلعثم، وجلستُ في انتظار الكشف الثالث. ظننتُ أنهم سيمنحونني الإعفاء في اليوم نفسه، خاصة حين نجحتُ في التعثر بتلقائية وصدق أمام الطبيب، لكنهم حوّلوني إلى مستشفى أحمد جلال العسكري من أجل كشف آخر!

عدتُ إلى البيت وأخبرتهم بما حدث، وبعد أيام سافرتُ مرة أخرى إلى القاهرة من أجل الكشف الرابع. انتظرنا ساعات، كالعادة، قبل أن يحضر الأطباء والمختصون. دخلتُ ومعي أوراقي المختومة والروشتات، لكن الطبيب سألني عن دراستي، فقلتُ: معهد السينما. فقال: ممثل يعني! وفهمتُ مقصده فيما بعد؛ كان يقصد أنني أجيد التمثيل، وبالتالي من المحتمل ألا أكون متلعثمًا حقًا! لما سئمتُ طول الانتظار قررتُ أن أتطفل على العساكر والموظفين الذين كانت معهم أوراقنا. لم أكن وحيدًا؛ التف كثير من زملائي حول مجلسهم. حاولنا الضغط على الموظفين لمعرفة النتيجة، فما كان من أحدهم إلا أن سألني عن اسمي متظاهرًا بأنه سيساعدني، لكنه أخذ ورقتي واحتفظ بها. اكتشفتُ بعدها أنه يريد معاقبتي بسبب استعجالي. لم يُنَادَ على اسمي، واضطررتُ إلى دخول المستشفى لأسأله وأطلب منه الورقة، فقال لي: «تاني مرة متقفش الوقفة دي».

تحولتُ إلى الخانكة! ألم أتلعثم بصدق؟ ألم تكن أمامه أوراق مختومة وروشتات أدوية؟ عندما أخبرتُ صاحبة الأثر أظهرت رفضها لذلك، وحذرتني من تجربة دخول هذه المستشفى. قالت إن دخولي الجيش سيكون أهون من إقامتي في هذه المستشفى لمدة أسبوع. أشفقتُ على نفسي وتخوّفتُ مما هو آت. اقترحتُ أن أسألهم إن كان بإمكاني الخروج متى شئت من المستشفى مع الموافقة على دخول الجيش والتضحية بالإعفاء، لكنني لم أفعل، إذ وجدتُ الجميع يتصرفون بطبيعية غير متخوفين، وقيل لنا إن الإقامة في المستشفى لن تكون سيئة على الإطلاق كما نتوقع.

بعد الكثير من الإجراءات خضعتُ للكشف الأول في مستشفى الخانكة، الكشف الخامس في رحلة التجنيد. الطبيبة الأولى سألتني إن كنتُ أصلي أم لا، وفهمتُ بعدها أنها كانت تقصد أن ما بي ربما يكون بسبب ابتعادي عن طريق الله! الثانية كانت طبيبة ودودة متفهمة، وكنت قد تعلمتُ من تجربتي أنه من الضروري شرح حالتي ومحاولة استعطاف الطبيب، متخليًا عن الكبرياء غير المناسب للموقف. شرحتُ لها حالتي، تعثرتُ بشدة وبصدق، سألتني عن الأسرة، فحكيتُ لها عن صراعاتي معهم، وعن صفعة الوالد، وعن محاولتي الانتحار. ولم أحاول حقًا، فقط فكرتُ وكنتُ على وشك المحاولة، ولكني أخبرتها أنني حاولت وتم إنقاذي في آخر لحظة. المهم أنني أقنعتها بقوة أنني لا أصلح. لكن كان لا بد من الإقامة في المستشفى لثمانية أيام، حتى وإن كانت الحالة واضحة من أول لحظة. 

تلقّينا قواعد المستشفى، وتعيّن علينا حكمدار، كان لا بد أن يُختار واحد منا ليكون مسؤولًا عنا. تم اختياره لأنه الوحيد المتخرج من كلية، ولم أُختر لأنني متخرج من معهد! كانت أهم قاعدة في المستشفى أننا أرقام، ورقمي كان 9. كانت هناك الكثير من المساوئ، منها وجودنا معًا في عنبر واحد؛ كان الجميع يتحدثون بلا توقف، ويلعوبن الدومينو، وكنتُ أفضل الصمت والهدوء والجلوس وحيدًا، وكان ذلك حلمًا بعيد المنال. ضوضاء غير محتملة طوال النهار وحتى منتصف الليل. كان من المفترض أن تُغلق الأنوار ويُطفأ التلفاز عند الساعة الثانية عشرة، لكنهم كانوا يهملون ذلك. كنتُ أتوق لحدوثه حتى يتوقف الزملاء عن الحديث وينامون، كنتُ أعجز عن النوم وسط الضوضاء. كان الطعام جيدًا جدًا: لحوم ودجاج يوميًا، مع مكرونة وأرز وفاكهة. 

كان أسوأ شيء هو توقيف الدواء. حاولتُ إقناعهم في اليوم الأول أنني لا أستطيع الاستغناء عنه، لكن دون فائدة. قالوا إن عليهم تقييم حالتي «على الطبيعة»، دون تعاطي أي أدوية. واجهتُ أعراض الانسحاب المميتة في الأيام الثلاثة الأولى. كنتُ أعجز عن تناول الطعام، ولو حاولتُ أتقيأ. أقضي اليوم بأكمله مستلقيًا على السرير في إعياء شديد، غير محتمل للضوضاء والانتظار. كان الوالد قلقًا من فكرة دخول الخانكة، ولذلك جاء لزيارتي في اليوم التالي. كنتُ متوقفًا عن الدواء وظهر عليّ التعب، لكن الطبيب طمأنه عليّ وقال لي إنهم سيسمحون لي بتعاطي الدواء في أقرب وقت ممكن. بعد ثلاثة أيام عدتُ لتناول الدواء، عدتُ إلى الحياة. تم الكشف علينا ثلاث مرات أخرى خلال فترة إقامتنا في الخانكة. في كل مرة كنتُ أطلب الدواء بشدة، وكنتُ أخشى عدم قدرتي على التركيز والتلعثم بصدق في ظل غيابه، لكنني، الحمد لله، استطعتُ إظهاره. كشف، والثاني، والثامن! توقفوا عن الكشف علينا بعد اليوم الثالث، واكتفوا بقياس الضغط يوميًا.

بمرور الأيام فهمتُ شعور المسجونين، خاصة أننا كنا محبوسين داخل عنبر نوافذه مغلقة بشبكة حديدية، وحركتنا محدودة جدًا. أدركتُ قيمة الحرية: أن تتحرك كيفما تشاء، أن تستيقظ أو تنام وقتما تشاء. كان موظفو وأطباء الخانكة يتعاملون وكأن الطعام الجيد هو كل ما يحتاجه الإنسان. كانوا ينظرون إلينا وإلى المرضى على أننا نعيش في نعيم، لأننا نأكل اللحوم كل يوم! وكانوا قساة علينا وعلى المرضى خاصة. أحدهم كان يصرخ على مريض متأخر عقليًا ويسخر منه.

وجاء يوم الخروج. تنشقتُ عبق الحرية خارج الأسوار. عدتُ إلى البيت، وكان علينا انتظار التقرير الطبي. ذهبتُ مرة أخرى إلى المستشفى العسكري في القاهرة؛ كان الكشف رقم تسعة! انتظرنا ساعات، كالعادة. في إحدى المرات حضرتُ متأخرًا عن عمد، فقال لي العسكري: «معادك الساعة كام؟» فقلتُ له: «مش عارف.. مش مكتوب على التصريح». ولم يفعل شيئًا. وكان الكشف الأخير. دخلنا إلى طبيب مختلف عن طبيب المرة السابقة. نظرتُ في ملفي فوجدتُ تشخيص حالتي: اضطراب في التلعثم، واضطراب وجداني ثنائي القطب. لم أنتظر حتى يسألني الطبيب عن حالتي، وبدأتُ في شرحها محاولًا استدرار عطفه، لكنه لم يتمهل حتى يسمعني. ما إن نظر في الأوراق وقرأ عبارة «اضطراب في النطق» حتى كتب «غير لائق»، وطلب مني أن أبصم على بعض الأوراق. حاول العسكري المسؤول عنا أن يحصل منا على «حلاوة» حصولنا على الإعفاء، ورفضتُ إعطاءه أي شيء، على عكس البقية. ليس لأنني أرفض المبدأ فقط، ولكن لأنه سرق ساعة من حقيبتي التي أخذها معه يوم دخول الخانكة، كان من المفترض أن يحتفظ بأشيائنا الممنوع دخولها حتى يسلمها حين نخرج، واجهته بذلك وأنكر.

تبقّى أن نحضر إلى مقر مركز التدريب لاستلام شهادة الإعفاء. حضرتُ مرة ولم تكن جاهزة، تحملت الانتظار، وفي المرة الثانية حصلتُ عليها: شهادة إتمام الخدمة العسكرية. لأنني حصلتُ على «لائق» في البداية، لم أحصل على شهادة إعفاء، وإنما شهادة إتمام.

كانت هذه قصتي مع التجنيد. استغرقت شهورًا طويلة من الانتظار والسفر والخيبة والرجاء، وفي النهاية، الحمد لله، نجوتُ منه بشق الأنفس، على حد وصف صديق لي. أرجو أن يفهم الناس التلعثم، أرجو أن يهتمون به. أرجو ألا تسول نفس أحدكم له ادعاءه من أجل الإعفاء من التجنيد، فالمصاب الحقيقي قد يظلم نتيجة لذلك. أرجو أن نحترم بعضنا البعض، لا مبرر للمهانة، لقد خلقنا الله مكرمين، لماذا نسيء إلى بعضنا البعض؟

تم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال