![]() |
| تصوير: إسراء خلف الله |
مساءً، وعند آخر منعطف في شارع السبع بنات، توقّف مشروع يحمل على ظهره عبارة: «مش كل من جاب زيرو يفخمها على زميله»، ويحمل في داخله أربعة عشر راكبًا. بدأ الركاب في النزول، في حين تهافت البعض عليه يتساءلون عن وجهته. لم يُعرهم السائق اهتمامًا كبيرًا. كان نحيفًا، أسمر، وأظافره متآكلة. أشار بيده مرة واحدة إشارة «بوابة 8»، بأن رسم شكل الثمانية بسبابته ووسطاه، قبل أن يركّز اهتمامه على من جاء عن يساره يطلب الإتاوة. حاول التملّص منه قائلًا:
- لسه طالع
فما كان من الآخر إلا أن أشار، في تبلّد، إلى خمس جنيهات ورقية مغروسة في جيب الشماسة الجلدي. ناوله السائق إياها في وجوم، وتناولها الرجل بينما كان يصفّف شعره في مرآة المشروع اليسرى.
تعالت أبواق السيارات من خلف المشروع كي يتحرك، لكنه تجاهلهم وأخذ ينتظر امتلاء سيارته بالكامل. بعض الناس كانوا يشيرون إليه إشارة «الهانوفيل»، وما إن يكتشفوا أنه «بوابة 8» حتى يُعرضوا عنه في تأفف أثار حنقه، رغم أن «بوابة 8» أخف وطأة من «الجمعية»؛ إذ إن أجرة الأولى سبع جنيهات فقط، أما الثانية فأجرتها اثنا عشر جنيهًا. ولكن في الحالتين لا تتوافق المحطة الأخيرة للسائق مع رغبة الناس؛ ففي الحالة الأولى سيتوقف قبل وصولهم إلى الهانوفيل، وفي الحالة الثانية يدّعي أنه سيستمر إلى ما بعد الهانوفيل ليأخذ أموالًا أكثر، في حين أن الغالبية العظمى سينزلون عند الهانوفيل.
ركب بجوار السائق شاب بدا وديعًا، فقال له:
- هتاخد الكرسيين!
نزل الشاب وركب في الخلف، ثم ركب بجوار السائق رجل ضخم، كبير في السن لكنه قوي، ولم يذكر له السائق أي شيء يتعلق بأجرة الكرسيين. أفرط الرجل في تجهمه، ولم يُجب أيًّا ممن سألوه عن وجهة المشروع، أو حتى يلتفت إليهم.
كان أحد الركاب يجلس على الكرسي الأمامي رافضًا الرجوع إلى الخلف، وأظهر كذلك رفضًا أن ينزل ليسمح للآخرين بالمرور.
- عدي ورا أخويااا
طالبه السائق بنبرة حادة
- مش هقعد ورا
- مالك؟!
- مش عاجبك؟ اطلع بينا على القسم
انتفض السائق فوق كرسيه وقال، في انفعال جمّ:
- قسم؟! اسم النبي حارسه أخويااا
حاول بعض الركاب تهدئة الموقف، ونزل الراكب من المشروع، ثم توقف والتقط صورة للوحة أرقام السيارة قبل أن يغادر، تاركًا السائق في غضب وذهول.
كان المشروع قد اقترب من نهاية السبع بنات وأوشك على إكمال عدد ركابه، حين قالت امرأة بصوت مبحوح إن ليس معها ما تدفعه. كانت تحمل أغراضًا غريبة، مثل عبوات بلاستيكية وزجاجات فارغة. توقع الجميع أن ينفجر السائق فيها غضبًا، خاصة بعد شجاره مع الراكب المتعجرف، إلا أنه استمع إليها بصبر ولم يعقّب، وتناول ممن يركب بجواره أجرة راكب واحد فقط في صمت.
وخرج من السبع بنات إلى محيط ميدان محمد علي، وكان يتبقى له راكب واحد. حاول أن يركب أحد الذين أشاروا إليه في عجالة، فارتبك الزبون وتعثر، وإذا بيد شرطي المرور تمتد، براحة مبسوطة، داخل المشروع في ثبات وإقرار. توقف السائق ولعن حظه، قبل أن يناول الشرطي الرخصة، ويوقف محرك السيارة وينزل. توسل إلى الشرطي أن يغفر له ما فعل، لكن الأخير لم ينظر إليه البتة. وبعد عدة محاولات، أعطى السائقُ الشرطيَّ خمسين جنيهًا، فبحث الأخير عن رخصته وأعطاه إيصالًا كتب عليه بعض العبارات المبهمة.
تجاهل السائق رجلًا رثّ الهيئة أشار له على الطريق، رغم حاجته إلى مزيد من الركاب، لكنه توقف بعد قليل لشاب دفع له عشرة جنيهات، وانتظر الشاب الباقي. ولما طال الانتظار طالبه به، فما كان من السائق إلا أن قال له، بتعجب مفتعل:
- راكب منين؟ دافع كام؟
وبينما كان يستخرج الباقي من جيبه، قطعت طريقه سيارة ملاكي انعطفت أمامه دون إشارة انتظار. وما إن لاحظ سائق المشروع أنها امرأة، حتى نزل في حماس وتحفّز، وصرخ عليها بقوة واقتحام. وبينما كان الجميع في المشروع يلعنون تصرفها، كانت هناك امرأة تطالب بالتهاون معها، فزمجر الناس من حولها مستنكرين. عاد السائق بعد لحظات وهو يلعن ملة المرأة.
- الدخيلة معاك
كانت امرأة عجوز معها بضعة أكياس كبيرة. تجاهلها السائق، فصمتت ظنًّا أنه قد سمعها، لكنه تجاوز مدخل الدخيلة، فنادته ثانيةً، وما كان منه إلا أن رفض دخول الدخيلة. نزلت العجوز لا تدري كيف ستستطيع المشي إلى بيتها في ظل وهنها وما تحمله من أحمال.
وصل إلى البيطاش، فنزل معظم الركاب ما عدا فتاة. استشعر السائق خجلها، فقرر أن ينزلها عند مول العجمي، على أن يعبر الدوران الذي أمامه ويعود إلى المنشية. ووافقت الفتاة في كمد.
كان سواد الليل قد طغى، فزاد السائقين طغيانًا. ولمّا ازداد عدد الزبائن وازدادت حاجتهم إلى العودة إلى منازلهم، وجد السائق - وغيره - الفرصة لئلا يجيب أي راكب يشير إليه أو يسأله عن محطة وقوفه. كان يتعمد أن يزيد من سرعته ويتجاوز من يتهافتون عليه، ويتجاوز كذلك فارض الإتاوة الذي غيّر مكانه مع تقدم الليل؛ لأن السائقين سيتخذون منعطفًا أبعد من الذي يقف الناس عنده.
وحين ألحّ الناس في سؤاله عن وجهته، كان قراره واضحًا:
- جمعية
النهاية..
جميع نصوص المدونة مسجلة لدى إدارة حقوق المؤلف، ويحظر نشرها أو استخدامها دون إذن مؤلفها.
