اضطراب الشخصية الهستريونية.. تفهَّم قبل أن تحكم

هل لاحظت من قبل أن أحد الأشخاص يتصرف وكأنه يمثّل في مسرحية؟ ينطق الكلمات بطريقة تمثيلية مصطنعة؟ يحاول جذب الاهتمام نحوه بكل الطرق الممكنة؟ هذا الشخص غالبًا مصاب بما يُسمّى اضطراب الشخصية الهستريونية، أو الهستيرية، أو التمثيلية. وهو اضطراب شخصية ينتج عنه نمط دائم من السلوكيات التي تدل على حاجة شديدة إلى جذب الانتباه، والسعي المستمر لنيل الإعجاب، والمبالغة في التعبير العاطفي. في هذا المقال نعرض أعراض اضطراب الشخصية الهستريونية، وأسبابه، ومضاعفاته، وطرق علاجه.

اضطراب الشخصية الهستريونية
* * *

أعراض اضطراب الشخصية الهستريونية

المصاب باضطراب الشخصية الهستريونية لا يشعر بالارتياح أثناء التعامل مع الآخرين إلا إذا كان هو محور الاهتمام. يقلق ويشعر بالتهديد إذا توجّه اهتمام من حوله إلى شخص آخر أو إلى شيء آخر سواه، فلا يكون منه إلا أن يحاول جذب اهتمامهم نحوه. غالبًا ما يفعل ذلك عن طريق البدء في التحدث، ويظهر للآخرين من خلال كلامه التكلّف والتمثيلية اللذين يمارسهما من أجل لفت الانتباه. وغالبًا ما ينتج عن محاولاته المحمومة لجذب الاهتمام نفورُ الآخرين منه بسبب هذا التصنّع؛ أي إنه يسعى بشكل مرضي إلى الحصول على الاهتمام، وما ينتج عن سعيه إلا مزيد من عدم الاهتمام.

والمصابة باضطراب الشخصية الهستريونية غالبًا ما يتسم سلوكها مع الآخرين بطابع إغوائي جنسي؛ أي تحاول إثارة اهتمام الرجال بأنوثتها، التي غالبًا ما تكون غير طاغية إلى الحد الذي يستدعي هذه السلوكيات. ويعتبر المصاب باضطراب الشخصية الهستريونية علاقاته أكثر حميمية مما هي عليه في الواقع؛ فقد لا تتعدى علاقته بشخص ما حدود الصداقة، لكنه يتعامل معه كما لو كانا مرتبطين عاطفيًا.


أسباب اضطراب الشخصية الهستريونية

اضطراب الشخصية الهستريونية، مثل العديد من اضطرابات الشخصية الأخرى، له عامل وراثي، خاصة إذا كان بعض أفراد العائلة مصابين باضطرابات شخصية. ومن أسبابه أيضًا طبيعة الطفل الخاصة؛ كأن تكون لديه رغبة عالية في البحث عن الإثارة، أو حساسية مرتفعة، أو انفعالية سريعة. ويكون ذلك مرتبطًا بنشاط زائد في اللوزة الدماغية، مع خلل في تنظيم الفص الجبهي الأمامي، ما ينتج عنه ضعف في ضبط الانفعالات. وبالطبع، للدوبامين دور مؤثر في السلوك الباحث عن المكافأة والاهتمام.

ومن الأسباب النفسية أنماط التعلق غير الآمن، خاصة في الطفولة، حين يحصل الطفل على اهتمام متقطع من قِبل الأهل، أو يحصل على الاهتمام فقط حين يبكي ويصرخ أو يثير الضجة، فيتعلم أن الاهتمام يُكتسب عن طريق المبالغة، أو عبر الاهتمام المفرط بالمظهر على سبيل المثال. وكذلك حين يُمدح الطفل عندما يعبّر عن نفسه بأداء مسرحي. هذه الأخطاء في التواصل مع الطفل ترسّخ في نفسه شعورًا داخليًا عميقًا بعدم الاستحقاق، وتخلق لديه اعتمادًا شديدًا على التقييم الخارجي، وخوفًا شديدًا من الإهمال أو التجاهل.

ومن ثم يأتي دور المجتمع في تعزيز ما زرعته الأسرة داخل الطفل؛ حين يكون المجتمع ذكوريًا يهتم بالذكر على حساب الأنثى، ذلك أحد أسباب زيادة نسب التشخيص بين الإناث. كما أن المجتمعات التي تهتم بالمظاهر بشكل عام، خاصة في ظل ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها تعزز نمط البحث المستمر عن الإعجاب.

وقد تؤدي صدمة نفسية معينة في الطفولة، كالتحرش الجنسي أو التعرض المتكرر للرفض، إلى زيادة احتمال ظهور اضطراب الشخصية الهستريونية.


مضاعفات اضطراب الشخصية الهستريونية

غالبًا ما تكون مضاعفات اضطراب الشخصية الهستريونية نفسية وليست عضوية، منها الاكتئاب، الذي قد ينشأ نتيجة الفشل المستمر في العلاقات، والحساسية الشديدة تجاه الرفض، والشعور العميق بالفراغ الداخلي عند غياب الاهتمام من الآخرين. ومنها أيضًا القلق، والخوف المفرط والتوتر الشديد من فقدان الإعجاب أو التعرض للإهمال. كما يواجه المصاب باضطراب الشخصية الهستريونية صعوبة كبيرة في البقاء بمفرده، ويتسم بالتعلق السريع والمبالغ فيه بالآخرين، وغالبًا ما يكون هذا التعلق بأشخاص مؤذين نفسيًا أو مستغلين عاطفيًا. 

كما يواجه المصاب باضطراب الشخصية الهستريونية صعوبة في الالتزام طويل المدى. وينتج عن مبالغته في التعبير عن مشاعره عدم تصديقه من قبل المحيطين، ما يقوده إلى مزيد من المبالغة، التي قد تصل أحيانًا إلى إيذاء النفس أو محاولة الانتحار بدافع جذب الانتباه وكسب التعاطف. ومع التقدم في العمر، قد يفقد المصاب الاهتمام الاجتماعي الذي اعتاد عليه، وقد تفقد الأنثى - على وجه الخصوص - الجاذبية الجسدية التي كانت تعتمد عليها، ما قد يؤدي إلى اكتئاب مزمن أو عزلة اجتماعية.

وقد يصاحب اضطراب الشخصية الهستريونية اضطرابات أخرى، مثل اضطراب الشخصية النرجسية، أو اضطراب الشخصية الحدّية، أو اضطراب تعاطي المواد، وأحيانًا اضطرابات الأكل.


علاج اضطراب الشخصية الهستريونية

علاج اضطراب الشخصية الهستريونية، كغيره من اضطرابات الشخصية، يتضمن علاجًا دوائيًا وعلاجًا نفسيًا. العلاج الدوائي يهدف إلى علاج الاكتئاب أو القلق أو اضطراب المزاج الذي قد يصاحب الاضطراب.

أما العلاج النفسي فله عدة صور، منها:

- العلاج المعرفي السلوكي (CBT): الذي يعمل على تحليل الأفكار والمشاعر وتفنيد المعتقدات الراسخة، وأهمها اعتقاد المصاب بأنه لا يستحق الحب والاهتمام.

- العلاج الجدلي السلوكي (DBT): الذي يركز على تنظيم المشاعر، وتقليل حدّتها، ومساعدة المصاب على تحمل الضغوط دون تصعيد درامي.

- العلاج التحليلي الديناميكي: الذي ينظر إلى السلوك الحالي على أنه نتيجة لتجارب الطفولة، ويعمل على تحليل أنماط التعلق وآليات الدفاع النفسية.

- العلاج المرتكز على المخططات (Schema Therapy): وهو مزيج بين العلاج المعرفي السلوكي والتحليل النفسي، ويعمل على تغيير مخطط الإهمال وترسيخ الشعور بالاستحقاق داخل نفس المصاب.


أخطار التعامل العلاجي مع اضطراب الشخصية الهستريونية

أخطر ما قد يواجهه المعالج أثناء علاج المصاب باضطراب الشخصية الهستريونية هو احتمال نفور المريض إذا شعر أن المعالج لا يمنحه الاهتمام الكافي، أو محاولة المريض جذب اهتمام المعالج نفسه بشكل مرضي. وهنا يأتي دور المعالج في التفهم، ووضع حدود واضحة، والتعامل بوعي ومهارة، دون إفراط في الاهتمام أو تقصير قد يُفسَّر على أنه إهمال.

وجدير بالذكر أن حدة اضطراب الشخصية الهستريونية قد تقل بعد سن الأربعين؛ إذ يخفت السلوك الاستعراضي، لكن تبقى الهشاشة الداخلية وضعف تقدير الذات، وقد يتعززان مع تكرار التعرض للرفض وعدم التصديق، ويتطوران إلى اكتئاب مزمن أو سلوك عدواني. وعلاج اضطراب الشخصية الهستريونية لا يقضي عليه تمامًا، لكنه يساهم في خلق قدر كبير من الاستقرار النفسي والعاطفي، وتحسن ملحوظ في الأداء الوظيفي والاجتماعي، وبناء هوية أكثر نضجًا.

تم.

اكتب لنا رأيك في التعليقات، وشارك المقال ليصل إلى مزيد من القرّاء.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال