ميدو يحكي - سيرة ذاتية - الفصل السادس عشر

ميدو يحكي - سيرة ذاتية - الفصل السادس عشر
* * *

سرعان ما اعتبرتُ أنني تعافيتُ بالكامل. أتذكر أنني كنتُ أحجم عن إخبار صاحبة الأثر بما أواجهه من مشكلات، حتى لا ينشغل تفكيرها بما لا يستحق! كنتُ أعتقد أن الآخر متعاطف مثلي، يقضي أوقاته في التفكير في مشكلات غيره. كتبتُ صوت داخلي مرةً بعد أخرى؛ في النسخة الأولى كان البطل، في النهاية، يعتدي بالضرب على معلمه، وفي النسخة الثانية كان البطل يقطع لسانه، وفي الثالثة كان يشتبك مع أهله، وفي الرابعة والخامسة كان ينفجر فيهم غضبًا. كان صوت داخلي صدى لتطور حالتي؛ فعلى سبيل المثال، في النسخ الأولى لم يكن البطل صعيديًا، لأنني لم أدرك أن ذلك متصلٌ بأزمته، كما لم يكن مدللًا من قبل الأب للسبب نفسه. لكنني، بمرور الوقت، فهمتُ كيفية اتصال كل شيء. ولكي أصل إلى النسخة الأخيرة، كان عليَّ أن أخوض اختباراتٍ أصعب.

ما إن شعرتُ بوجودي في المنزل، وبقدرتي على الدفاع عن نفسي، حتى بدأتُ في الدفاع عن الإخوة الصغار مستخدمًا مهارة التوكيدية والإقناع العقلي الواعي، مع التركيز على تحديد المشكلة، وتحديد احتياجات كل طرف. لكن ما كان يحدث من قبل عبده كان عجيبًا؛ إذ كان يضيق بدفاعي عنه، وفي مواقف غير متصلة بالدفاع كان يعاملني بغلظة غير مبررة. كما أنني بالغتُ في الصراخ على الوالد. لم تكن توكيديتي إيجابية بنسبة مئة في المئة؛ إذ كنتُ أحمل غضبًا تجاه الوالد بسبب الصفعة. وجدير بالذكر أنني ما كنتُ أتكلم مع أحدٍ دون أن يُخيَّل إليَّ أنه سيصفعني، حتى وإن كان الحديث اعتياديًا. كما كانت تراودني خيالات غريبة تجاه الأشخاص الذين أهتم بهم.

ما يهم الآن أنني تماديتُ في الصراخ على الوالد، ما جعله يضطهد عبده من أجل الإيقاع بي. ولم أتمالك نفسي حين صفعه غير مرة، فخرجتُ من غرفتي وهممتُ بالهجوم عليه بنية رد صفعتي قبل صفعة أخي. وكان موقف الأم عجيبًا؛ إذ جعلت تصرخ بهيستيريا، وتحول دون اشتباكي مع الوالد، كان همومي بالهجوم عليه يسقط اسطورتها التي تعيش فيها، يخلقون الأصنام بأيديهم ثم يسجدون لها. أصر الوالد على مواجهتي وأرسل إليَّ أخي الأصغر، لكنني كنتُ أرفض. فيما مضى، ما كنتُ أترك المكان حين أغضب، أما الآن فقد أصبحتُ أكثر احترامًا لذاتي. غير أن الوالد أصر على جرح كبريائي؛ إذ جاء إلى الغرفة وأخرجني بالقوة، ولم أجرؤ على الاشتباك معه أو مقاومته؛ جبنتُ. وظل يصرخ ويعاتب حتى بكيتُ رغم المقاومة، فرضي بهذا الانكسار، وانتهى الموقف.

وكنتيجة لمحاولتي الهجوم على الأب من أجل عبده، حدث أن تورط عبده في مشكلة مع منحرفين. كان ذلك غريبًا جدًا، وكأنه تعمد التورط معهم رفضًا لدفاعي عنه، أو ربما لأن دفاعي كان مبالغًا فيه فجاء رد فعله سلبيًا. جاء المنحرفون إلى منزلنا، وأنهى الوالد الموقف بمسرحية؛ إذ عاد إلى البيت وكانوا حاضرين، فجعل يهتف متظاهرًا بأنه بلّغ الشرطة وسيحرر محضرًا. وقد صدقتُ تمثيليته، وأمسكتُ بالمنحرفين مانعًا إياهم من الخروج، في حين كان الوالد يهدف إلى تخويفهم وحثهم على المغادرة، وعدم العودة ثانية.

وعلى التوازي، بذلتُ مجهودًا كبيرًا لإقناع فتاتي بالعلاج النفسي، لكنها كانت ترفضه تمامًا. وقد تغير سلوكي معها إلى سلوك ناضج؛ لم أعد أتكلم بتلقائية وهبل، بل بات كلامي رصينًا. كان الأمر صعبًا في بدايته، وكنتُ كثيرًا ما أخطئ وأعاود التعامل بالأسلوب القديم. دفعها سلوكي إلى احترامي، فاهتمت بي كما لم تفعل من قبل، لدرجة أنها اشترت لي هدية في عيد ميلادي: رواية كنتُ قد أظهرتُ اهتمامي بها ذات مرة، ونوتة، وشيكولاتة. كانت أول هدية أستقبلها في حياتي. في مراهقتي رتّب حسن وصديقان آخران عيد ميلاد مفاجئًا لي، لكنني كنتُ في حالة من أصعب ما يمكن، فلم أستطع أن أتعامل معهم بود، أو أظهر أي سعادة تُذكر بما يفعلون؛ بل نشب شبه عراكٍ لفظي بيني وبين أحدهم!

ولكن سرعان ما عادت الفتاة إلى عادتها. ظننتُ أنني دفنتُ الماضي تمامًا، ولكن ها هو يتكرر ثانية. كان من المفترض أن نتقابل، لكنها تجاهلت مكالماتي، ورأيتها تتقرب من ولدٍ نرجسي. سمعتُ في أذني حينها كلمات الأغنية: «الحكاية مبتنتهيش». في الأيام التي تلت هذه الواقعة، لاحظتُ أنها تتجاهل تمامًا أن تسلّم عليَّ أو حتى تنظر إليَّ. لكنني كنتُ قد تغيرت، ففكرتُ لأول مرة في أن ما تفعله مأخذٌ عليها؛ فليس من الطبيعي أن نكون قريبين ثم تتجاهلني بهذا الشكل. واكتشفتُ، بمساعدة المعالجة، أنها كانت تتعمد فعل ذلك طوال الوقت، خاصة عندما قابلتها صدفة أثناء عبور الطريق، وقفت مكانها وجعلت تنظر بعيدًا عمدًا للحظات حتى لا تلتقي أعيننا بأي شكل. لقد كانت تحاول مداواة جرحها على حسابي، كانت تكرر قصتها من الماضي مع محبوبها بأن تصبح هي الجاني لا الضحية. قررتُ ألا أتعامل معها ثانية، وفيما بعد عادت توصل حبال المودة، لكنني كنتُ أحييها وأنصرف فورًا دون كلام. كنتُ حريصًا على تحيتها بمودة، لأنني أحترمها، وقد كنت أحاول الرحيل بشكل لائق وغير جارح.

توقفتُ تقريبًا عن لعب دور المنقذ، مع إخوتي ومعها، وأصبحتُ مهتمًا بذاتي، حتى إنني التفتُّ لأول مرة إلى الرواية التي بدأتها في مستهل رحلتي في الكتابة في يناير 2020م، وتساءلتُ: لماذا أكتب عن فتاة للتعبير عن معاناتي؟ لماذا لا أكتب عني بشكل مباشر؟ فتحولتُ إلى الكتابة عن نفسي. وكانت الخطة أن أكتب سيناريو قصيرًا في البداية، ثم أكتب رواية، لكنني كنتُ أحتاج إلى اختباراتٍ أخرى قبل الوصول إلى بداية النضج.

قابلتُ الفتاة في مكتبة الإسكندرية، حييتها مبتسمًا، وتجاهلتُ تمامًا محاولة الجلوس معها. أرسلت لي رسالة عبر واتساب متعجبة من عدم سؤالي عن مكان جلوسها، ثم مسحت الرسالة. وبعد وقت أرسلت لي رسالة طويلة تعتذر فيها عما كانت تفعله معي، خاصة في الفترة الأخيرة. وبهذه الرسالة أكدت لي أنها كانت متعمدة، أو على الأقل كانت واعية بأفعالها، ولم تكن تفعل ذلك دون إرادة كما كنتُ أظن. قلتُ لها إنني أقدّر ما تقول، لكنني أعتذر عن الاستمرار في العلاقة معها، مؤثرًا صحتي النفسية.

كنتُ قد استعدتُ ما حدث لي في الصبا، وتعجبتُ من عدم حديثي عن ذلك مع المعالجة. كيف اعتبرتُ نفسي متعافيًا ولم أتكلم عن ذلك قط؟ وكيف كنتُ أشفق على الفتاة وأتعاطف معها بسبب الذكورية والتحرش، وقد تعرضتُ لمثله رغم أنني ذكر؟ وتبقى لي اختبارٌ أصعب عليَّ أن أواجهه، هذه المرة بخصوص صاحبة الأثر. تحدثتُ في السطور السابقة عن أفكار غريبة كانت تراودني بخصوص من أحب. وقد أصبحت المعالجة أهم شخص في حياتي؛ هي أكثر من ساعدني وأكثر من تقبلني كما أنا. وبعد تقدمي في العلاج، تحولتُ من مصاب باضطراب الشخصية الحدية إلى مصاب بشبه اضطراب ثنائي القطب؛ فكنتُ أمر بنوبات اكتئاب أعجز فيها عن التفكير بشكل منطقي. وفي إحدى هذه النوبات جاءتني الفكرة: سأفكر قهرًا في المعالجة بشكل منحرف! ولن أستطيع كبح هذه الفكرة، لأنها ستستوجب الحديث معها بخصوصها، والحديث معها في هذا الشأن كفيل بإنهاء علاقتنا إلى الأبد. أتذكر أنني كنتُ أشاهد الأفلام وأنام بالإكراه هربًا من الفكرة. قضيتُ نحو يومين أصارعها؛ كانت أصعب لحظات حياتي، صراعًا منفردًا ضد عقلي فيما يتعلق بأكثر من أحببت. لكنني توصلتُ في النهاية، بعد مناقشة الأفكار كما علمتني صاحبة الأثر، إلى أنني أخشى هذه الفكرة لأنني غير قادر على تقبل وجودها. وحين قررتُ تقبل وجودها وعدم الخوف منها، بهتت. ولاحقًا اكتشفتُ أنني استخدمتُ مبدأ من مبادئ العلاج؛ وهي أن الأفكار لا تنتمي إلينا بالضرورة، أفكاري لا تعبر عني. قد يخطر لي ما هو غير منطقي وغير أخلاقي، لكن هذا لا يعني أنني مختل أو عديم الأخلاق.

قررتُ أن أشتري لصاحبة الأثر هدية. كانت المرة الأولى في حياتي التي أشتري فيها هدية لأحد. كنتُ أنتظر عيد الأم، لكنني قررتُ ألا أذهب بالعلاقة في هذا الاتجاه؛ فهي ليست أمي، ولا تعوض غياب الأم، علي أن أضع كل شخص في مكانه الصحيح. نزلتُ أبحث عن هدية مناسبة، واخترتُ إناءً زجاجيًا بداخله باقة ورد بنفسجية، محاطة بصوفٍ ذهبي. قلتُ لها إن اختياري لهذه الهدية تحديدًا له معنى. سألتني، فشرحتُ لها أن الأزرق يدل على العجز. قالت إن هذا اللون ليس أزرق، فقلتُ: نعم، لأنني لم أعد عاجزًا كما كنتُ في الماضي، وفي نفس الوقت فالماضي لم يُمحَ تمامًا من حياتي، وإنما تغير لونه، وهو محاط بالذهب الذي يعبر عن الحب والحرية. شكرتني بشدة على هذه الهدية الرقيقة. كانت لحظة توترتُ فيها أكثر من اللازم، لكنني كنتُ أتحسس خطواتي في طريق التعبير عن مشاعري.

الآن أصبحتُ شبه جاهز لكتابة نسخة أخرى من صوت داخلي؛ نسخة لا ينفجر فيها البطل في النهاية، بل تأتي نهايتها هادئة، لا تقدم حلولًا بقدر ما تستعرض الحالة، وتتناول الشخصيات بموضوعية. غير أن الخطأ في هذه النسخة أن البطل كان سلبيًا؛ إذ يظل في النهاية مقتنعًا بأفكاره الخاطئة عن الوالد وعن نفسه، ولا يتقدم نحو ذاته، ولا يثور على هذه المعتقدات بأي شكل. تقدمتُ بهذه النسخة إلى منحة، وكنتُ أطمح إلى التحول إلى الإخراج. لم أوفَّق في أي منحة تقدمتُ إليها، لكن الإخراج ظل أحد الأشياء التي كنتُ أسعى إلى تحقيقها يومًا ما.

الفصل السابع عشر

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال