باتت التوكيدية سلاحًا متوقعًا ضد الأخ الأكبر. ولكني ناقشت الأفكار وحللتها، وتوصلت إلى أنني لم أعد أرغب في الصراخ. تحولت توكيديتي إلى الهدوء والسِّلم؛ إن تجاوز أحدهم شكرته، فخجل من نفسه ومما فعل. لم أنتهِ تمامًا من دور المنقذ، حتى الآن! انفجرتُ ذات مرة في الأب مثلما كنت أفعل في الماضي؛ هدَّد بضرب الأخ الأصغر صلاح، فخرجتُ من غرفتي، ليس من أجل الاشتباك معه مثل السابق، وإنما من أجل الدفاع عن الأخ فقط. ومن العجيب أن يومها تشاجر الأخ مع زميل له، ووصل الأمر إلى قيام الأهل بتحرير محضر في قسم الشرطة ضد الولد؛ يفعل مثلما فعل أخوه! يرفض الدفاع السلبي.
تغيرتُ كثيرًا؛ قررت أن أشارك في إعداد الطعام، وأغسل ملابسي بنفسي، ولم يمنعني ذلك من إقامة الحدود مع أفراد الأسرة. تعرفتُ على فتاة أخرى، كانت تكبرني بأعوام، ولكن لها روح طفلة. أصبحتُ قادرًا على تبادل الحديث؛ لا أقصد عدم التلعثم، وإنما القدرة على إيجاد ما يمكن أن يُقال. أما فيما يتعلق بالتلعثم، فبفضل تمارين اليقظة أصبحتُ قادرًا على التركيز على أن أتكلم، دون التركيز على صوتي الداخلي الذي يسبب عدم قدرتي على الكلام. ولكن سرعان ما بهتت علاقتي بالفتاة، لما وجدتها تفعل مثلما تفعل سابقتها.
كنتُ في هذه الفترة مركزًا على الرواية، شعرتُ أن وقتها قد حان. وكنتُ أمر بنوبات هوس واكتئاب خفيفة، لكنها مؤثرة؛ فتعجزني عن الكتابة وعن التركيز، أفقد اليقظة وأصبح غير حاضر.
نظمتُ ورشة كتابة، تحدثتُ عنها في كتابات سابقة. كانت ورشة تهدف إلى العلاج بالحكي، أدرتها بمساعدة معالجة نفسية، وكان هناك منافس؛ كاتب آخر سيحضر الجلسات. وبفضل المناقشة ومهارات العلاج استطعتُ أن أنتصر، فرضتُ وجودي وأثبتُّ حضوري بقوة، حتى إن المعالجة أرسلت لي تثني عليّ وتشيد بتألقي. ولكن سرعان ما جاءت نوبة الاكتئاب، فعجزتُ تمامًا عن الكلام، ناهيك عن عدم حضور معظم الناس في الجلسة التالية. شعر الجميع أن الموضوع يحتاج إلى جهد كبير، وبسبب سوء تخطيطي وقلة خبرتي لم أكن قادرًا على تحديد هدف مناسب للورشة. لما حضرتُ الجلسة التالية لاحظوا الإعياء الذي بدا عليّ بسبب الاكتئاب، قبل أن أعجز عن الكلام، للدرجة التي جعلتني ألغي المحاضرة وأعتذر لهم، وفيما بعد ألغيت الورشة بالكامل. كانت صدمة قوية.
في هذه الفترة قابلتُ حسن، صديق المراهقة، كان يستعد للالتحاق بالتجنيد. كنتُ مختلفًا تمامًا في التعامل معه، عني في الماضي؛ كنت أتكلم بحدود وعقلانية. لاحظ ذلك، فحكيتُ له عن الصعوبات التي أواجهها مع الأهل، فقال لي: «ستنتصر». بدا أنه يقصد ما هو أكبر من صراعات الأهل. وبعد ذلك بأكثر من عام، قابلت فتاة البيانو، عرضت أن نتكلم، وتقابلنا بناء على رغبتي، ولكني اكتشفت أنها أصبحت مخطوبة! لم أفهم لماذا نخرج معاً إذاً، وأعربت عن رفضي لهذا الوضع، كنت واضحاً معها وواثقاً، ما جعلها تمنحني ما طلبته منها فيما مضى، عانقتني! للمرة الأولى في حياتي أعانق فتاة! وحين أمسكت بيدها ذات مرة لنعبر الطريق كانت المرة الأولى كذلك أن أمسك بيد فتاة، كل شيء حدث معها لأول مرة، سأظل أحبها وأقدرها رغم كل شيء.
بعد ذلك حان وقت مشروع التخرج. كان المطلوب سيناريو روائي طويل وآخر قصير. عجزتُ كل العجز عن تحويل «صوت داخلي» إلى سيناريو طويل؛ القصة تنتهي سريعًا، كما أنني ما زلتُ أحيا بداخلها. كنتُ أريد أن أكتب عن الحاضر، ولكن لكي أتمكن من ذلك يجب أن يمر وقت كافٍ حتى أستطيع رؤيته بوضوح. اتضحت لي دوافع كل شخصية، وتعاطفتُ معهم: هذا الأب الذي تربى على أن أخاه الأكبر أفضل منه، وربّى ابنه الأكبر بالطريقة نفسها. وهذه الأم المسكينة التي ماتت أمها مبكرًا، ووقعت فريسة لزوجة أبيها التي دفعتها نحو التعقيد النفسي، خاصة في ظل غياب الأب إكلينيكيًا. وهذا الأخ الأكبر الذي فقد ذاته، ولم يشعر بوجوده إلا من خلال التسلط على إخوته وأمه. وهذين الأخ الذي كان مضطهداً طوال حياته فلم يستوعب الإنصاف.
ناهيك عن احترامهم لي آخر المطاف، وتقدريهم لمبادئي رغم كل شيء؛ لم يُخفِ عليّ إعجابهم بما أصنع وبما أطالب. ثورتي نجحت، الجميع تغير بشكل ملحوظ. لم يظهر التغيير فجأة، ولكني لاحظت في الفترة الأخيرة أن تغيرًا كبيرًا قد وقع. عندما أقارن حال أفراد هذه الأسرة في بداية رحلتي من أجل الكتابة، وحالهم الآن، أجد فارقًا ضخمًا؛ لم يعد الأب مضطهِدًا للأم وللإخوة مثلما كان في الماضي، ولم يعد الأخ الأكبر متجبرًا، ولم يعد الإخوة الصغار غير مسؤولين.
ولكن رغم كل ذلك، عجزتُ عن كتابة نسخة طويلة من «صوت داخلي» يتغيرون في نهايتها؛ ربما لأنني لم أغفر بعد، لم أسامح. كانوا يظنون أن ما وقع في الماضي قد نُسي، ولكن لما قرأ الأخ الأكبر السيرة الذاتية أدرك أن ما حدث ما يزال حيّاً بداخلي،. وسيدرك الأب ذلك هو الآخر عندما يسمع بأمر السيرة.
اضطررتُ أن أضيف مشاهد عديمة القيمة في سيناريو «صوت داخلي» من أجل جعله طويلًا، وجعلتُ البطل في نهايته يقرر أن يكتب، على أن ينتحر بعد إتمام روايته. وجاءتني رغبة الانتحار بالفعل. أخبرتُ صاحبة الأثر أنني لم أعد أريد شيئًا من الدنيا، ولكني كنتُ أعرف أنني لو كنتُ كذلك بالفعل لما راسلتها؛ من يريد أن يقتل نفسه لن يهتم بالحديث مع أحد.
كنتُ أشعر أن حياتي انتهت عند «صوت داخلي». كانت هذه هي الفكرة التي دفعتني نحو الاكتئاب. ولما عدتُ إلى طبيعتي قررتُ أن أفعل ما يثبت عكسها؛ تقدمتُ للتطوع في مركز الجزويت الثقافي، وأنشأتُ مدونة نشرتُ عليها تحليل سيناريوهات، قبل أن أبدأ في نشر القصص عليها. ومن ثم قمتُ بتحويل «صوت داخلي» إلى قصة وليس سيناريو، يحلم البطل في نهايتها بأن يصبح كاتبًا، وكانت تلك النهاية أنسب نهاية؛ فتحول البطل الكبير الذي حدث في نسخة مشروع التخرج غير منطقي، بينما هذا التحول البسيط الهادئ ما أجمله! في رأيي 😊
واجهتُ صعوبة شديدة في أول الأمر لما اختلطتُ بأصدقاء الجزويت؛ لم أكن معتادًا على التعامل مع الناس بهذه الكثافة. بدأت رحلة التطوع بمعسكر تكوين إنساني، خمسة أيام متواصلة. تغيبتُ عن اليوم الثالث؛ وصلتُ إلى المكان في كليوباترا، ثم عبرتُ الطريق وعدتُ إلى العجمي، مقررًا عدم الاستمرار في الحياة. وهذه المرة لم أراسل المعالجة، ولكني أرسلتُ إلى المسؤول عن المتطوعين أعتذر له عن الحضور. وفيما بعد أصبح هذا المسؤول من أقرب وأحب الناس إليّ، أود أن أشكره مرة أخرى على كل شيء. وقتها كنتُ أعرف أن اهتمامي بأن أوضح له يعني أنني غير راغب في الموت بنسبة مئة بالمئة.
وبمرور الوقت انسجمتُ مع الأصدقاء؛ كانوا ودودين ومتقبلين، على عكس أصدقاء معهد السينما. ولفت ما حدث انتباهي وانتباه المعالجة إلى حاجتي لعلاج دوائي، بجانب العلاج السلوكي الذي حققتُ فيه تقدمًا كبيرًا. وتذوقتُ طعم الحياة كما لم أتذوقه من قبل؛ شعرتُ أنني شخص طبيعي، متزن، دون تقلبات. وتم اختياري لما هو أكبر من التطوع؛ أصبحتُ أعمل في السكرتاريا، ما جعلني أتعامل مع الناس يوميًا، عبر الهاتف وفي الواقع. ولكن كان المدير غريبًا فظًّا، نفرتُ من سلوكه ولم أستمر في العمل.
وبدأت معركة التجنيد؛ دوامة من الإجراءات والغلظة في التعامل. كانت مشكلتي أنني أتكلم بطبيعية حين أريد أن أتلعثم، ما جعلني أظهر وكأنني أدّعي أنني متلعثم. حصلتُ على «لائق»، ولكن ما إن دخلتُ مركز التدريب حتى أخرجوني لما تحدثتُ ولاحظوا مشكلتي. أتحدث عن الأمر سريعاً وببساطة، ولكنها كانت رحلة شاقة. لأسابيع طويلة أمضي من كشف إلى كشف، حتى إنني حُجزتُ في الخانكة لمدة تسعة أيام، ولكني استطعتُ أن أتلعثم أمام الأطباء بشكل يصدق، وأخيراً منحوني الإعفاء من التجنيد.
أتذكر منشورًا رأيتُه على فيسبوك في بداية الرحلة، يعبر عن صدمة مصر من الشخص الذي تخرج وعمل في مجال دراسته، وأُعفي من التجنيد، وتزوج من محبوبته. أشعر أن هذا هو تحدّي في الحياة؛ تحدٍّ ضد مصر وطبيعتها، لأني أحبها، لا لأني أكرهها. لو كنتُ أكرهها لغادرتها بلا اهتمام، لكتبتُ بلغة أخرى، ولكني اخترتُ اللغة العربية. وحتى إن رحلتُ، أظن أنني سأظل أكتب بالعربية ما حييت. وصدقًا، لا أظن أنني سأرحل بالفعل، رغم مزاعمي.
حاولت هذه المرة كتابة جزءاً ثانياً من صوت داخلي، ولكني فشلت، وجاءتني فكرة السيرة الذاتية، كانت حلاً جيداً لمشكلتي، أريد أن أتخلص من همومي وآلامي، حتى أستطيع أن أكتب عن شخص غيري، أو ربما لن أكتب دراما ثانية! أريد أن أمضي في حياتي دون هذا الحمل الثقيل فوق ظهري. أعرف أن الماضي لن يمحى بنسبة مئة بالمئة، ولكني متقبل وجوده، وأستطيع الآن أن أقول إنني الآن متقبل كل ما حدث، رغم كل شيء، لم أكن كذلك فيما مضى، كان هناك جزء بداخلي يرفض التسليم، جزء يريد أن يثور ضد الإله، ولكن الآن أظن أنه قد سكن.
* * *
لا أشعر أنني انتهيت، ولكني أعرف أنها النهاية. لم أحكِ كل شيء، رغم محاولتي؛ ربما يكون في الأمر جانبٌ إيجابي، فمخزون الحكي لديّ ما يزال ينطوي على الكثير. لقد حاولت أن أكون صادقًا إلى أقصى حدٍّ ممكن، وأرجو أن يسامحني أيٌّ ممن تسببتُ في إزعاجهم، أو جرحِ مشاعرهم بأيّ شكلٍ كان. لقد كنت أكتب من أجل ذاتي، وحاولتُ قدر الإمكان ألّا أركّز إلا عليها. يبدو أنني لن أدرك تأثير هذا الحديث عليّ الآن. لم أشعر أنني تحررت كما كنت آمل، ولم أشعر بالسلام الذي كنت أنشد. ما زلت أشعر أن للقصة بقية، رغم إدراكي أنها النهاية…
تمت.
اكتب لي رأيك في التعليقات.
