كانت الجلسات الأولى معنية بتفريغ المشاعر المكبوتة. لم نستعن بالأدوية؛ كتب لي الطبيب دواءً بالفعل، لكنني توقفت عنه بعد استشارته، واعتمدت فقط على العلاج السلوكي. كانت الجلسات تتم في مساحة عمل مشتركة، لأنني لم أكن أستطيع دفع تكلفة القاعة الخاصة. كنت أجلس مع المعالجة ونتكلم، ويسمع موظفو المكان حديثنا. كنت أتكلم بصوت منخفض، في حين كانت المعالجة ذات صوت قوي فاضح، ولم أكن أُعبِّر عن عدم ارتياحي لذلك.
وبعد وقت لفتت المعالجة انتباهي إلى الطريقة المباشرة في التعبير، وطبقتها على الفور مع الفتاة، وسرعان ما أخبرتها أنني معجب بها، لكنها رفضت. كانت قد حكت لي عن حبها لشاب يكبرها بأعوام، وكنت أرى أنها تحبه لأنها ترى فيه والدها النرجسي المهمل. ومن خلال كتب د. محمد طه فهمت أنها تكرر التجربة قهريًا من أجل تغيير النهاية؛ تريد من النرجسي المهمل أن يختارها في آخر المطاف فتنحل العقدة، لكن ما يحدث أن العقدة تتعزز وتتعزز. رغم رفضها سمحت لي بالتعبير عن كل ما أشعر به، حتى إنني طلبت أن أعانقها! كانت رغبة غريبة لدي، وفيما بعد لاحظت أنني أشعر بهذه الرغبة تجاه أي أنثى تتقرب إليّ؛ إنه احتياج صارخ ملح. لم أجرؤ على طلب ذلك وجهًا لوجه؛ أخبرتها أنني أريد شيئًا ما، وانتظرت حتى ركب كلٌّ منا مواصلته للمنزل، وقلت لها عبر واتساب: «كان نفسي أحضنك». قالت لي إنه من الجيد أنني لم أقل ذلك وجهًا لوجه، بما يعني أنها ترفض.
في البيت لا أعرف كيف مرت هذه الفترة؛ لست أتذكرها جيدًا. أتذكر فقط أنني مرضت غير مرة، وأُصبت بنوبات قيء، واهتم الوالد واصطحبني إلى غير طبيب، قال آخرهم إنه ما من سبب عضوي، وإن هذا ما يسمى بالمرض النفس جسدي. وقد كانت فكرة زيارة طبيب فيما مضى مرفوضة في بيتنا، لا نذهب إلى طبيب في حالة الطوارئ القصوى. وكنت مدركًا أن مشكلات المعدة مرتبطة بالحاجة إلى الاهتمام، ومن هنا فهمت لماذا ماتيلدا في فيلم ليون المحترف حين شعرت بالحب ربطت بينه وبين الألم في معدتها. إن الحاجة إلى الاهتمام، أو «الشوفان» كما يسميها د. محمد طه، مرتبطة بالسنتين الأوليين في عمر الإنسان، وهي مرحلة تُسمى بالمرحلة الفمية، حيث يكتشف الإنسان كل شيء عن طريق فمه، وبالتالي عن طريق جهازه الهضمي. ولأنني حظيت باهتمام صادق لأول مرة من قبل المعالجة، أطلق جسدي صرخات احتياجه المحمومة.
في هذه الفترة كانت الفتاة تظهر وتختفي من حياتي كالعادة، وكانت المعالجة تقول لي إن هذه علاقة اعتمادية. لم أفهم معنى هذه الكلمة إلا بعد وقت طويل. لم تطلب مني أن أبتعد عن الفتاة فورًا؛ كانت تدرك أن ذلك سيكون صعبًا جدًا في هذه الفترة. ما زلت أتحسس خطواتي نحو التعافي، وقرار الابتعاد عمّن أحب لن يكون يسيرًا عليّ أبدًا. وكانت الفتاة تبدي إعجابها بي وبِتقدمي في العلاج، وفي الوقت ذاته كانت، ما إن تستشعر قوتي واحتمالية ابتعادي عنها، حتى تحكي لي عن مأساتها، وعن الأذى الذي تتعرض له من قبل الأهل والأصدقاء والأحباب. وكان ذلك الحديث يُغشي صدري بغيمة سوداء ثقيلة. كنت أبكي في الجلسات بلا توقف، مثيرًا دهشة المعالجة من اهتمامي الشديد بالآخر وتعاطفي غير المحدود معه. أتذكر أنني انهرت في إحدى الجلسات أيما انهيار، بينما كنت أحكي للمعالجة عن طفلة شاهدتها تتعرض للعنف والتمييز من قبل أهلها لصالح أخيها. سألتني فيم أفكر تحديدًا، فقلت إنني أرى في هذه الفتاة نفسي. كان التعاطف المفرط مع الآخر طريقتي في التنفيس عن آلامي الشخصية!
وفي الفترة التي تلت ذلك عرّفتني المعالجة على شيء تسميه «التوكيدية»، وهو الدفاع عن النفس بطريقة مباشرة ولهجة قوية، مع الاستمرارية والتمسك بالمبدأ. هذا الشيء غيّر حياتي. بدأت أواجه الأسرة به؛ ما إن يبدأ الأخ الأكبر في السخرية مما أقول أو التدخل في شؤوني الخاصة، حتى أخاطبه بحدة أن يلتزم حدوده ويحترم نفسه، وأخاطب الأب بأنني لم أخطئ في حقه ولم أتطاول عليه، فلماذا لا يكف عن التدخل فيما لا يعنيه؟ بوغت الأخ بهذا الأسلوب القوي، كان وجهه يحمر ويحتقن في مواجهة صرخاتي القوية الواثقة. وداهنني الأب أول الأمر. لا أعرف هل كان معجبًا بما كنت أفعل، أم أنه يريد أن يصلح علاقته معي. التوكيدية جعلتني أتنفس! لأول مرة منذ زمن طويل أشعر بالهواء يملأ صدري بشذى الثقة وعبير الحرية. شعرت بالحزن على ما ضاع من سنوات عمري دون اكتشاف هذه الطريقة. إنها طريقة بسيطة جدًا، لكن تأثيرها مذهل، خاصة حين تتمسك بالاستمرارية، فلا تتوقف عن الدفاع عن نفسك، وعن مخاطبة المنتهك بأن يتوقف عما يفعل، وأنك لا تسمح له بتجاوز حدودك.
تحسنت إلى حد ما، خاصة لما بدأنا في الجلسات نؤدي تمارين اليقظة والتأمل. أتذكر ما شعرت به عند القيام بتمرين اليقظة الذهنية لأول مرة؛ طلبت مني المعالجة أن أختار عنصرًا ما من حولنا في الغرفة، فاخترت رسماً على الحائط، وبدأت في وصفها دون أحكام أو استنتاجات. كان الرسم عبارة من أغنية لحمزة نمرة تقول: «طول ما أنت فيك النبض حي.. انتصارك بكرة جاي». وما إن انتهى التمرين حتى شعرت بحضور ذهني مذهل في اللحظة الحاضرة؛ شعرت أنني موجود ومنتبه. كانت لحظة ساحرة لن أنساها.
ولن أنسى كذلك ما شعرت به حين وقعت الخيانة. كان لدي تخوف واحد رئيسي تجاه علاقتي بالفتاة، وهو احتمالية أن تختار غيري وتفضله عليّ. كان ذلك مرتبطًا بما حدث في المراهقة، حين أبدت الفتاة الأولى إعجابها بصديقي، واكتشفت أن صديقي الآخر على علاقة بصديقة الثانية. واكتشفت أن ذلك مرتبط بما يُسمى عقدة أوديب؛ الاهتمام بالأم في سنين العمر الأولى، الذي يقف الوالد عائقًا في طريقه، فيشعر الطفل بالعجز والضعف تجاه هذا الكيان الضخم المسيطر. ربما لذلك حلمت في هذه الفترة بأنني ذهبت مع الوالد ليتقدم لخطبة فتاة البيانو! واستطعت أن أختلس حديثًا منفردًا معها؛ سألتها لماذا لا تقول لا، ولم تُجب.
فيما بعد حدث أن اقتربت الفتاة مني، مثلما تفعل عادة، وفجأة ابتعدت، لكن في هذه المرة تقربت من صديقي مصطفى! كنت أجلس مع الزملاء في مقهى بعد انتهاء المحاضرات. جاءت الفتاة فسلمت على الجميع ما عداي، والأسوأ أنها تبادلت حديثًا مع فتاة تجلس بجواري، وظننت أنها تتحدث إليّ أنا، فتحدثت إليها؛ كان موقفًا قمة في الإحراج. ثم طلبت من مصطفى أن يجلسا على انفراد! لم تدرِ أنها بذلك تفتح جرحًا عميقًا بداخلي بسكين حاد، جرحًا لم يلتئم بعد. لن أنسى ما شعرت به في هذه اللحظة، خاصة أن العلاقة بيني وبين مصطفى كانت متوترة بسبب سوء تفاهم ما. ظللت أبكي بلا توقف حتى اليوم التالي. نصحتني المعالجة بأن أكتب ما أفكر فيه وما أشعر به. وكنت أفكر في أنها قررت الارتباط بمصطفى لأنه أفضل مني؛ لأنني متلعثم وغير جذاب. لكنه من عرّفني بها، وسعى لأن نقترب من بعضنا البعض! نعم، ولأنني فشلت في أن أكسب قلبها سيفعل هو ذلك، وسيستطيع! الآخر يملك طرقًا وحيلًا لا أمتلكها؛ يملك المهارة والجاذبية والاستحقاق. أما أنا، فلا! ما كان عجيبًا يومها أنني تحاملت على نفسي وتحدثت مع مصطفى لأشرح له سبب سوء التفاهم الذي وقع بيننا، خاصة لما تدخل صديق آخر لم يعجبه الوضع. لقد تجاهلت مشاعري الهائلة ضده وتحدثت معه دون أن أُعبِّر عنها بأي شكل من الأشكال. ارتعشت وتشنجت بشدة بينما أتحدث معه، ولم يفهم السبب.
كان هذا الموقف داعيًا لاستدعاء جرح المراهقة في جلسات العلاج. سألتني المعالجة مجموعة من الأسئلة كي تستخرج المعتقد الراسخ، وكان: «فيه حد أحسن مني». ما زلت أتذكر شكل الورقة التي كتبت عليها المعالجة يومها؛ كانت ورقة مطبوعة مستخدمة من قبل، كتبت في ظهرها بقلم أحمر. طلبت مني أن أستخرج أدلة مؤيدة وأدلة معارضة لهذا المعتقد. وجدت العديد من الأدلة المعارضة، ولم أجد أدلة مؤدية قوية سوى تجربتي مع الفتاتين في المراهقة. سألتني عن نسبة صحة الأدلة المؤيدة والأدلة المعارضة، وهنا التفتُّ إلى أن الفتاة الثانية كانت شخصية هيستريونية، ولذلك كانت تتلذذ بتعذيبي وإشعاري بأنني لا أستحق، فكان ذلك داحضًا للأدلة أيما دحض.
في هذه الجلسة سقط جزء كبير من الماضي الأليم من فوق ظهري. شعرت أنني أعتدل قليلًا لأول مرة؛ أرفع رأسي، أرى الحقيقة، وألمسها. على قدر الألم أتى التكشف. كانت صاحبة الأثر دائمًا ما تقول إن وظيفة المعالج أن يكشِّف للمريض وينير له الطريق. كانت كل جلسة تكشف جزءًا من الحقيقة. ما أثمن الحقيقة، وما أروع إدراكها! الحقيقة سبيل النجاة.
