رسالة إلى صاحبة الأثر

رسالة إلى صاحبة الأثر
* * *

بعد تأجيل وتفكير فيما يمكن أن يُحكى بخصوص التقدم الذي حققته بفضل العلاج النفسي الذي انتظمتُ معكِ فيه لعامين ونصف، خلصتُ إلى أنه يمكن حصر كل ما أضافه إليّ في تجربة ورشة الكتابة. دائمًا ما كنت أفكر فيما يُقال عن العلاقات والفرص على أنها أمور كبيرة تحتاج إلى مجهود، إلا أنني اكتشفت أنها تحدث نتيجة لتصرفات بسيطة مني. قبل العلاج كنت أرى أن أي أمر صغير لا ضرورة له طالما لست متأكدًا من أنه سيحدث فارقًا ضخمًا في حياتي، ولكن بعد وقت من العلاج أوليتُ مثل هذه الأمور اهتمامًا، ومنها كان الحضور في عروض الأفلام والندوات الثقافية.

وفي إحدى الندوات جلست بجواري د. إيناس، وهي أخصائية نفسية، سمعتها تتحدث عن رغبتها في إقامة فعالية علاج نفسي عن طريق الكتابة. ولولا اعتيادي التحدث متلعثمًا أثناء الجلسات لما كنت سأجرؤ على الاستئذان والتدخل في الحوار، غير مبالٍ بأن يلاحظ الطرف الآخر أنني متلعثم، متحملًا تعبيرات وجهه المرتبكة أثناء تعثري. وجدير بالذكر أنني في الماضي ما كنت لأستأذن قبل الدخول في الحوار، لكن بعد وقت من العلاج، وبطريقة فطرية، استنتجت أن مثل هذه الذوقيات لا ينبغي أن نتجاهلها، حتى وإن كانت أكثر الكلمات ثقلًا على لساني. وكذلك كنت في الماضي إن تعرفت على شخص ما أخجل أن أعاود التواصل معه، مرجحًا عدم رغبته في التعامل معي، ولكن لن أنسى ما قلته لي ذات مرة في هذا الصدد: «أنت على كده بتوقع علاقات كتير أوي». ما زال قلبي ينقبض كلما تذكرت هذه العبارة.

اتفقنا على كل شيء، وأنشأت د. إيناس مجموعة على واتساب للمشتركين، وذوقيًا رغبتُ في الترحيب بهم وتوضيح ما سنقوم به في الورشة، ولكن لم أجد اهتمامًا بما قلت، وجعلتُ كالعادة أراجع كلماتي وأقيّم طريقتي، وانهالت المخاوف على صدري فأثقلته. وازدادت الأمور سوءًا حين أدخلت د. إيناس كاتبًا آخر في المجموعة، ولم يعد الأمر مجرد شك في طريقة تعامل إيناس معي، وقلق حول احترامها لي من عدمه، وتساؤل حول احترام الناس لي وقدرتي على السداد في هذه الورشة في ظل تلعثمي، بل تجسدت خبرات الماضي مرة أخرى في تجربة هي الأكبر والأقسى. هناك شخص أفضل مني على وشك أن يستحوذ على شيء أريده. هو أكبر سنًا وله أعمال أدبية منشورة، قادر على التكلم وصديق قديم لإيناس. حتمًا ستوكله بقيادة الورشة حين تجدني عاجزًا عن التكلم، أو قبل أن أحاول حتى. فهي من المؤكد لاحظت مشكلتي وندمت على الاتفاق معي، خاصة بعد ترحيبي الباهت وعدم اهتمام الناس بي.

لم أحكِ لكِ هذه الأحداث وقتها، واكتفيتُ بالحديث عن الخوف من المواجهة والتلعثم. وبالمناسبة، فهذا روتين العلاج منذ بدأته معكِ؛ دائمًا ما أقرر ألا أحكي بعض الأمور، وإما تستنتجين حدوثها بمفردك أو تقودني الظروف لأن أحكي فيما بعد بطريقة أو بأخرى، مثلما يحدث الآن. متى سأنجح في الكتمان عنكِ؟

لقد كانت حيلتنا السحرية في مواجهة جميع الأمور هي المناقشة، مسترجعًا لحظات الكشف في الجلسات، حين نتتبع الأفكار ومعانيها، أو نستدعي الأدلة والأدلة المعارضة، فتسأليني عن رأيي في النتيجة، وألوذ بالصمت مفكرًا متفاجئًا. ورأيتُ أن إعادة التجربة نفسها بهذا الشكل ليست تهديدًا بتكرارها ثانية، إنما إرادة من الله أن أهزمها. وهكذا قلبتُ الأمور لصالحي، فاكتشفت أن عدم ترحيب الناس مأخذٌ عليهم وليس عليّ، كما يؤخذ على إيناس إدخال كاتب غيري إلى المجموعة دون استئذاني. وفيما يخص كفاءته وكفاءتي تعجبتُ من تعاملي مع نفسي بهذا الاحتقار، صحيح أنه ليس لدي أعمال أدبية منشورة أو سيناريوهات منفذة، ولكن تجربتي وخبرتي في الكتابة لا يُستهان بهما، والأهم تجربتي مع العلاج النفسي، ما يجعلني جديرًا بدور كهذا. والأمر ليس سباقًا؛ ليس من يتكلم أفضل أو يكتب أفضل. لقد تم الاتفاق معي أولًا، ما يقتضي عدم وجود سواي قائدًا للورشة. ولكن ماذا إن حاول التحايل على الأمور مستغلًا عدم قدرتي على التكلم؟ فلتدافع عما تريد يا أستاذ ميدو. أنت تستحق الفوز بما تريد.

وكانت المرة الأولى التي تخرج فيها كلمة «الاستحقاق» من داخلي بهذه القناعة والقوة، وكانت المرة الأولى ألا أصمت متعجبًا من النتيجة، بل أقفز فرحًا بما وصلتُ إليه.

شكرًا ❤️

ونبهتُ نفسي إلى أن الاستحقاق بحاجة إلى الأخذ بالأسباب، ولم أكن كذلك قبل العلاج والوعي. إنما كنت أرى أن تحقيق الرغبات يتم بطريقتين: إما أن تأتيني دون أي مقابل لأنني أستحقها، وإما أن أسعى بشكل مبالغ فيه مما يجعلني أفقدها. والعجيب أنني لم أقع في ممارسة الاستمناء لفترة طويلة استعدادًا للورشة، وقد كان التوتر من عدم الوقوع كفيلًا بالاضطرار إليه، ولكن ربما شعوري بالاستحقاق هذه المرة جعلني أصمد بحق، فانخرطتُ في التأمل كما لم أفعل من قبل، وانهلتُ على الأفكار مناقشة، مستعينًا بما قلته لي وقتها، أن التوتر والتلعثم في موقف كهذا أمر طبيعي لعموم البشر. ومن هنا كان المدخل، فتساءلت: لماذا أنظر إلى التلعثم على أنه حالة خاصة تحتاج إلى الخوف والتحسب؟ هل يخجل من يكتب بيده اليسرى؟ هل يخجل من لديه عيون بنية؟ وكذلك لن أخجل من صفة لديّ، خاصة وأنها مستحدثة. لقد مررتُ بتجربة حياتية شديدة الصعوبة خلّفت لدي هذه الصفة. هل يخجل المحارب من بترٍ في يديه إثر المعركة؟!

ركزتُ على أن أجعل من نفسي الأولوية، فأهتم بمشاعري أنا بصفة أساسية وليس بالآخرين، وأن آخذ وقتي بالكامل في التفكير قبل الكلام أو أثناءه حتى أجد الكلام والطريقة المناسبين. تلك طريقتي في التفكير، ولا عيب في ذلك. وكذلك لا بد أن أقود تقدم الورشة في الاتجاه الذي حددته أثناء التحضير، فإن ترك المجال لأي شخص يقول ما يريد، أو السماح لأي شخص غيري بالتدخل في القيادة، لن نحقق تقدمًا. وجرت الأمور بانسيابية؛ تعثرتُ قليلًا في البداية لكني تحاملتُ، فليس من السهل أن تتوسط حلقة من الجالسين ينظرون إليك ملتمسين منك الشرح والتفهيم والقيادة. واندجمتُ بعد وقت، حتى إنني تركتُ مقعدي ووقفتُ بينهم في حرية تامة، أتحرك هنا وهناك، فأسمع من هذه وأسأل هذه، وأحوّل الحوار من نقطة إلى أخرى، وأضع الحدود، وأوقف الضيف المتحذلق عند حدّه بلباقة إذا ما حاول التدخل.

وانتهت الجلسة بعد نحو أربع ساعات. عدتُ إلى المنزل منهكًا لدرجة أنني نمتُ بملابس الخروج، واستيقظتُ فجرًا فوجدتُ عدة رسائل صوتية من د. إيناس تشكر بشدة مجهودي وتثني على حضوري المميز، وإشادة جميع المشتركين بي. وجدير بالذكر أن طبيعة المشتركين في الورشة ساعدتني كثيرًا فيما فعلت، فمعظم من يقرر زيارة معالج نفسي هو شخص ذو قدر عالٍ من الحساسية والقدرة على تقبل الآخر. أناس يعطونك المساحة لتتكلم، وهو أمر نادر الوجود رغم بساطته. وقد جعلتني هذه الملاحظة لا أضيق فيما بعد حين أتعثر في التعامل مع أحدهم، فقد كنت قبلها ألقي المسؤولية بالكامل عليّ أنا، في حين أن الآخر مسؤول عن جزء كبير من أريحيتي في التواصل معه.

* * *

ما جعلني أؤجل كتابة هذه الأوراق وأفكر كثيرًا هو تخوفي من الوصول إلى فقرة الختام هذه. فلقد كان نجاحي في الورشة في الجلسة الأولى فقط، كما هو الحال في أمور كثيرة؛ تكون البداية رائعة، وما إن ألاحظ أنها رائعة حتى أتخوف من التعثر فيما هو آتٍ فأتعثر بالفعل. لو كتبتُ هذه الأوراق قبل محادثتنا الأخيرة ما كنتُ سأجد ختامًا، كانت الأفاعي في رأسي هائجة، وما إن هدأت حتى اتضحت الأمور. دائمًا ما كنت مستاءً من عدم استمراريتي في أي شيء. وقد اكتشفتُ في الأيام الماضية أنني لم أستمر في شيء في حياتي مثلما استمررتُ في الكتابة عن نفسي. إنني أكتب القصة نفسها منذ خمس سنوات، وما زلت على استعداد لإعادة كتابتها مجددًا حتى أصل إلى النتيجة المرجوة. ولكنه شعور يُحبطني لأنني أنهيتُ دراستي ومرّت خمس سنوات وما زلت في البيت نفسه أعيد كتابة القصة نفسها. لا أحد يعرفني، لم أستقل ولم أنجح نجاحًا كاملًا. 

ومن هنا عرفتُ مكمن المشكلة. فحين واجهتُ الرفض في طفولتي وظهرت التأتأة أول ما ظهرت، انطويتُ على نفسي وغرقتُ في أحلام اليقظة لسنوات طويلة، وحتى الآن أنتظر وأتخيل أن أمرًا كبيرًا سيحدث فينهي كل معاناتي. الألم الرهيب جعلني لا أريد أن أشعر بأي ألم مجددًا، وما أزال، ولكن الوقت قد حان لأتخلى أخيرًا عن هذه الفكرة، دون أن أشعر بالذنب تجاهي كطفل. فدائمًا ما كنت أرفض الانخراط في الحياة حتى لا أشعر أنني أخون الطفل المجروح بداخلي. لقد تعرض للرفض في هذه الحياة، وأردتُ أن أبقى مستاءً منها إلى الأبد إكرامًا له. ولعل هذا ما يجعلني دائمًا أخشى الاندماج. حكيتُ لكِ من قبل عن «البلوك» الذي يقف في رأسي عندما ألاحظ أنني أندمج في شيء ما مهما كان بسيطًا، حتى في تمارين التأمل. ودائمًا ما أخشى أن أملأ وقتي بأنشطة كثيرة أو علاقات، أريد دائمًا أن يكون لدي وقت فراغ كبير، أخشى أن أندمج حتى لا أتعرض للرفض ثانية، فما حدث في الماضي حدث لأنني حاولتُ في الأشياء دون تحسب.

ولكنني الآن أفهم أخيرًا أن الأمان ليس في الانسحاب، لأن المشكلة لم تكن في الاندماج، إنما في اختياراتي للأشخاص ومحاولتي الاندماج في أمور ليست لي. من الطبيعي أن تخذلني، ومن الطبيعي ألا أستمر فيها، مثلما لم أستمر في غير الكتابة. فهي أمور قد أكون قادرًا على فعلها لبعض الوقت، لكن ليس كل الوقت. أما الكتابة فهي لي، هي أنا. ولا أريد منها فائدة معينة تغيّر حياتي ثم أتوقف عنها وأنسحب. وأهميتها لا تعني أن أتعامل معها باعتمادية. ولا أريد أن أتحمس بشكل مفرط، فليس هناك أسهل من الكلام. أتمنى ألا تشغلني سعادتي بالاستنتاج عن الفعل. أتمنى أن أستطيع الاهتمام بالكتابة وبغيرها من الأمور بشكل متوازن. 

أتمنى أن أندمج.

تمت.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال