ميدو يحكي - سيرة ذاتية - الفصل الخامس

ميدو يحكي
* * *

في نفس الوقت كان لدي متسع جيد من اللهو؛ كنت ألعب كرة القدم على الكمبيوتر، وألعب «حرامي العربيات»، وكنا نلعب الكرة أنا وأخي الأكبر وعبده في الأدوار العلوية من المنزل. كنت أستيقظ فجرًا حتى ألعب على الكمبيوتر دون أن يزعجني أي من الإخوة ويطالب بتقسيم وقت اللعب فيما بيننا. وفي مرحلة أخرى كنت أستيقظ فأصعد إلى أحد الأدوار العلوية، أكنس الأرضية وأجهزها للعب الكرة.

واهتممت وقتها بالمهرجانات الشعبية وحفظتها، وكنا أحيانًا نسجل فيديوهات لنا، أنا وإخوتي، نغني المهرجانات، وكان الأخ الأكبر يخلع ثيابه ويقلد عبده موتة، وتزامن ذلك مع جنوحي نحو الانحراف بسبب ما حدث لي في المدرسة.

كنا في هذا الوقت نخطط للعودة إلى الإسكندرية مرة أخرى، خاصة بعد زيادة الصراعات بين الوالد والوالدة؛ كان يريد أن يبعدها عن أهلها. تزوج غير مرة في الإسكندرية، وكنت أسافر معه أحيانًا، وكنت أقول لنفسي كلما اشتد بي الألم إن السفر إلى الإسكندرية سيكون الحل، وسيكون البداية الجديدة التي أحلم بها. في مصر نُربَّى على أن الأجانب أكثر استحقاقًا من المصريين، وأن أهل المدينة أكثر استحقاقًا من أهل الصعيد والريف؛ لذلك يكون أهل الصعيد أكثر حمية وحساسية، ويسعون كل السعي لأن يشعروا أنهم أفضل من غيرهم، خاصة فيما يتعلق بالعائلات والثأر. ونُربَّى كذلك على أن الأخ الأكبر أكثر استحقاقًا من الأخ الأصغر، وأن الذكر أكثر استحقاقًا من الأنثى، وأحيانًا ما يكون أحد الأبناء أصغر، ولكنه أكثر جاذبية وحيوية، فنعامله وكأنه أكثر استحقاقًا من غيره. ولهذا كنا مهووسين بفكرة السفر إلى الإسكندرية والعيش هناك، خاصة وأن العامين اللذين عشناهما فيها من قبل كانا من أجمل ما يمكن.

كان لدينا قناعة أن أهل المدينة أفضل من أهل الصعيد، غير مهتمين بشؤون غيرهم، ولا يحكمهم نظام العائلات، حيث لم يكن لنا عائلة كبيرة، تمامًا مثل أمي، وكان ذلك سببًا دفع الوالد لأن يطلب مني على الدوام ألا أتشاجر مع أحد، وإن حاول أحدهم استفزازي، الأخ الأكبر أو غيره، عليّ أن أتقبل في برود، بل وأن أسخر من نفسي قبل أن يسخر مني أحد. كان كلامه بالنسبة لي كلامًا مقدسًا، وكنت مذعنًا كل الإذعان لما يقول. لم أتعلم أن أعبر عن غضبي، ولم أتعلم أن أتكلم.

ورغم أن جميعنا تربينا على نفس القواعد، إلا أنني الوحيد من بين إخوتي الذي عانى أيما معاناة. كان الجميع يدركون أن كلام الوالد مجازي لا يعني حرفيًا الصمت في مواجهة التنمر والاضطهاد، ولكني لم أفهم ذلك. كنت أصمت، وأصمت، ثم أبكي وأنهار، وألوذ بالفن. في كل المراحل التي تعثرت فيها في حياتي كنت أتوجه نحو الفن؛ أول الأمر اهتممت بالشعر وحاولت كتابة قصيدة، ثم هذه المرة شغفت بالموسيقى وقررت أن أغني مثل حمزة نمرة، الذي تعرفت عليه لأول مرة عام 2014م وفتنت به.

ما تبقى لنا في طما لم يكن كثيرًا. أصبحت متلعثمًا رسميًا. في البداية كنت أعتقد أنها موجة وستَمضي مثلما حدث في الماضي، ولكني كنت كبيرًا بالقدر الكافي الذي يجعلني أنشغل بالتفكير فيها، فتتضخم وتتضخم، خاصة في ظل ما كنت أتعرض له في المنزل وفي المدرسة.

وكنت استمني كثيراً، وأشعر بالذنب كلما فعلت، وأربط بين الاستمناء والتعثر في الحياة بشكل عام، وليس بخصوص التلعثم فقط. أفكر أن الله لن يوفقني إذا ارتكبت هذا الإثم. وقد حدث في أول يوم دراسي في الصف الثالث الإعدادي أن لم أجد اسمي في قوائم الفصول. ليلتها استمنيت وفكرت أن الله سيعاقبني غدًا بسبب ذلك، وقد حدث. بعد انتهاء امتحانات الصف الثاني الإعدادي لم أطلع على النتيجة، خاصة لما لم أجد اسمي في قائمة العشر الأوائل، بخلاف ما حدث في السنة الأولى الإعدادية إذ كنت الثالث على المدرسة، بعد الزميل المميز والصديق الصدوق، وقلت إنني ناجح بكل تأكيد. فإذا بي أفاجأ في أول يوم في الصف الثالث الإعدادي أنني مقيد كراسب. لا أعرف ماذا فعل المدرسون بالضبط، ولكن الأزمة انحلت بعد أن انهرت وبكيت أمام زملائي بلا توقف، وقيل إنه حدث تشابه أسماء بيني وبين أحد الراسبين، فتبدلت نتائجنا. اسمي يشكل لي أزمة في نطقه وفي إيجاده؛ منذ ذلك الحين أصبحت مهووسًا بفكرة عدم وجود اسمي، أنظر إلى القائمة المعلقة في الفصل في كل فرصة تتاح حتى أتأكد أن اسمي موجود.

لم أشعر أني موجود مرة أخرى بعد الرابعة الابتدائية سوى في نهاية المرحلة الإعدادية، حين انتقلنا إلى السكن في شقة على طريق السفر بالقرب من السكة الحديدية. كان أفضل بيت عشنا فيه في حياتنا. كان الوالد قد باع البيت الذي بناه حين عاد إلى طما. ومن عجب أن سمح الجيران لأنفسهم بالتدخل. لن أنسى تجمع سكان الشارع بالكامل في منضدة بيتنا للحديث مع الأب بخصوص بيع منزله وطبيعة المشتري، الذي أعطوا لأنفسهم الحق في تقييمه والحق في الموافقة عليه أو الرفض. عشنا لبضعة شهور مؤقتًا في منزل مساحته 75 مترًا، لأن الوالد تعثر ولم يستطع أن يتدبر أمره، حتى استطعنا أن ننتقل إلى هذه الشقة. كانت مساحتها جيدة، ومشطبة تشطيبًا لم نختبره في حياتنا حتى الآن.

المهم أنني شعرت أنني موجود حينها، لأن هذه الشقة كانت بجوار المقاهي التي يجلس فيها الشباب، وكان عدد من أصدقائي يأتون إليها يوميًا، وصرت أخرج معهم. لم أكن أتكلم كلمة واحدة طوال الجلسة، ولكني كنت أحيانًا ألعب الشطرنج مع أحدهم. كنت سعيدًا إلى حد ما، أذهب إلى الحلاق ليصفف لي شعري بالسيشوار كل أسبوع، وأقوم بتقفيز الملابس أو تضييقها بما يتناسب مع الموضة. ولكني وجدت الأب يتهمني بأنني أصبحت قليل الأدب، وأتطاول على أخي الأكبر، وقال إن جلوسي في المقهى هو السبب في ذلك!

الفصل السادس

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال