في إجازة آخر السنة للصف السادس الابتدائي، التي قضيتها بالكامل في المنزل، ومعظم الإجازات التي تلتها كذلك، حتى إنني انقطعت عن زيارة بيت جدي، ظهرت لدي صعوبة في نطق بداية الكلمات. أتذكر أنني كنت أفتح فمي في تشنج لكي أنطق أول حرف من كل كلمة، ومع تعجب الأسرة ازداد الأمر سوءاً. بت أخاف من ذهابي لشراء حاجيات المنزل، أفكر كثيراً كيف سأنطق الكلمات أمام البائع.
وكلما كانت الأيام تمضي كانت حالتي تزداد سوءاً، وأمتلئ تخوفاً من قدوم الدراسة، التي تستوجب مواجهات كلامية أمام المدرسين. لأول مرة يؤثر التلعثم على دراستي. في البداية أقنعت نفسي أنني لن أتعثر عند التحدث بالإنجليزية، وبالفعل في حصة الإنجليزي كنت أتكلم بطبيعية، ولكن سرعان ما زحفت الفكرة فصبغت شتى جوانب حياتي.
في البداية كان يبدو أنني أتأخر في الإجابة لأنني لم أسمع أو لم أفهم. سألتني معلمة ما في بداية الدراسة، بعد أن طلبت مني أن أكتب شيئاً على السبورة لتختبر مستواي وفعلتُ، قالت: What’s your name?، ولما شعرتُ أنني غير قادر على التكلم سألتها: إيه؟ فضحكت واعتقدت أنني لم أفهم، فسألتني باللغة العربية وأجبتها.
أذكر أني تغيبت عن حصة العربي لمّا عرفت أن الحصة القادمة سندرس فيها درس قراءة، وأنا لن أستطيع أن أقرأ الدرس، ولا أريد مواجهة الناس بعجزي. وكنت أحياناً أستطيع أن أتكلم وأقرأ الدرس، وأسمِّع ما حفظت من سور القرآن في حصة الدين، وكنت حين يراودني صوت التأتأة أتظاهر بأنني نسيت ما حفظت حتى لا يعرف المدرس أنني متلعثم.
كان لدي صديقان، حين أتعثر يتكلمان بدلاً مني ويوضحان للمدرس ما يحدث قائلين: معلش هو بيقف في الكلام. ولكنهما سخرا مني أمام مدرس ذات مرة. كان مدرس دراسات اجتماعية يطلب منا أن نقرأ الدرس قراءة، وعجزت تماماً عن التكلم، رأيتهما يضحكان ويتغامزان. عدتُ إلى المنزل منهاراً من البكاء، وحكيت للوالد عما حدث، ولم يقل شيئاً.
كنت أعرف بشكل ما أن الأمر متعلق بالثقة، ولم أجد شيئاً يرد ثقتي إليّ سوى الإلقاء. قررت أن ألقي قصيدة في طابور الصباح، كنت أعرف أنني ما إن أمسك الميكروفون حتى أتحول إلى شخص آخر، شخص قادر على التكلم، وقد حدث. وبالفعل وجدت نفسي بعدها قادراً على التكلم بهدوء وثقة إلى حد بعيد. ولكن ذات مساء كنت مع صديقيّ في الشارع نشتري الجبن من أجل سندوتشات الغد، وقابلنا المجموعة المتنمرة، كان لديهم حصة ما، وإذا بهم يتجمعون من حولي ويهتفون: يا أم كلثووووم. تحملت ما يحدث في صمت، وضحك صديقي، أحدهم ما يزال صديقي حتى اليوم، ولكننا حينها لم نكن أصدقاء بحق، كنا نغتب بعضنا البعض، وحاول صديقي الصدوق أن يفرق بيننا غير مرة، لسبب لم أفهمه حتى الآن.
المهم عدتُ إلى المنزل ولم أحك ما حدث، ولكني رفضت الذهاب للمدرسة في اليوم التالي. ولما ضغط عليّ الأهل أخبرتهم، فما كان من الوالد إلا أن صرخ: خليه يروح يحل مشاكله بنفسه! وفكرت أن أقتل أحد المتنمرين، وعرضت الأمر على صديقيّ، وظنوا أنني أمزح.
ولما اشتد عليّ المرض وأصبحت عاجزاً حتى عن نطق اسمي، انهرت أثناء تناولي طعام الغداء في المنزل، وفهم الوالد أنني أتعرض لمواقف مشابهة لما تعرضت لها من قبل، فما كان منه إلا أن قال: سيبوه، تعبان من المذاكرة! وأذكر أيضاً أن الأخ الأكبر أصيب بالثعلبة، وتساقطت بؤر من شعره. كان يلونها بلون فلوماستر أسود، وذات مرة أجبره الوالد بالقوة والضرب أن يخرج معنا، وهو كان محرجاً. كان الوالد يقول لي بخصوص أزمتي في المدرسة إنه ليس أمامنا سوى شهور قليلة ونرحل إلى الإسكندرية. كانت تلك طرق الوالد في معالجة الأمور.
على التوازي كان الجنون حاضراً في البيت. منذ الصغر اعتاد الوالد أن يهدد الوالدة بأنه سيتزوج عليها. كان يقول إن السبب يرجع إلى رفضها الإنجاب واكتفاءها بأربعة أبناء فقط، وأن زوجة أبيها قد أشارت عليها بأن تأخذ حقنة مانع للحمل، خاصة وأن معظم أخواتها ممرضات، لأن زوجة أبيها تطمع في جزء من راتبها، والأم تبعث بهذه الأموال من خلف ظهر الوالد، ورغم رفضه.
كان الوالد والوالدة يتشاجران كثيراً منذ الصغر، ولكن في هذه الفترة تحديداً أتذكر أن صراعاتهما ازدادت قوة وتوحشاً. وفي هذا الوقت كنت مقرباً من الوالد. ما حدث لي في المدرسة جعلني أبحث عن قضية ما أنفث فيها غضبي وقهري، مثلما يتجه الكثير من الناس إلى التأسلم بعد خذلانهم في أمر من أمور الحياة. وجدت في قضية الأب المتنفس. حكى لي عما فعلته أمي في بداية زواجهم، وأنها رفعت عليه قضية ودخل قفص الاتهام بسببها.
ما أفهمه الآن أن الأم لم يكن لها عائلة كبيرة، وكان كثرة عدد الأقرباء أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للصعيديين. احترام الناس لك يتحدد حسب عائلتك، كلما كانت كبيرة من حيث العدد والمكانة كلما كنت محترماً. أظن أن أسرة الأم كانوا يحاولون إثبات أنهم أقوياء بسبب شعورهم الغائر بالضعف، فكان ذلك يدفع الأم لأن تغضب لأتفه الأسباب وتعود لبيت أهلها، حتى يدفعوا الوالد لمهابتهم واحترامهم.
ولكني أفهم الآن أن الأم، بجانب محاولاتها إثبات قوتها وقوة أهلها، كانت تعاني من سوء معاملة الوالد الذكوري، ولكنها لم تترب على المواجهة. كانت تضيق لأسباب وتغضب لأسباب مختلفة، ما كان يظهرها أمامنا بمظهر الظالمة. أذكر أن عمتي جاءت لتصلح بينهما ذات مرة، ولما وجدتُ الأم تختلق أحداثاً لم تحدث نظرتُ إليها في سخط شديد، وقال الأب معلقاً: أنا مش هحكيلك، بصي لبصة ولدها وانتي تعرفي. وقد تعمدتُ أن أنظر إليها بهذا الشكل التمثيلي. كنت متأثراً بما تفعل بالفعل وساخطاً عليها، ولكن هذه النظرة لم تكن عفوية.
وفي موقف آخر طلبتُ من الوالد أن آتي معه إلى بيت جدي، مخططاً أن أنفجر فيهم وأصرخ مدافعاً عن والدي، ولكنه لم يأخذني معه. كانت فكرة مثيرة بالنسبة إليّ. أفهم الآن سبب رغبتي في ذلك. كما قلت، كنت مكبوتاً مقهوراً أبحث عن متنفس، ألوذ بمودة الوالد. كنت حتى سن الخامسة عشرة أبكي حين يسافر الوالد، خوفاً وحزناً من معاملة الأم لنا في غيابه. لم تكن معاملتها لنا في حضوره تختلف عنها في غيابه، ولكنه حين يكون حاضراً يدافع عنها ضدنا.
وكنت أتلذذ بمعاملتها بسوء. كنت أرى أن ذلك واجبي بسبب ما رأيتها تفعله ضد الأب. وذات مرة لم يكن الأب موجوداً، لا أذكر ماذا قلتُ وماذا فعلتْ، ولكني ضايقتها بأسلوبي وبردي عليها، فإذا بها تصفعني بقوة، وإذا بي أصرخ في هيستيريا وأتظاهر بأنني سأضربها، ولكني لا أجرؤ أن أفعل. وأذكر أيضاً اتحادي وإخوتي ضدها بسبب موقف حدث في غياب الوالد. إن لم تخني الذاكرة كانت تطلب من أحد إخوتي أن يدخل من البلكونة، وقد اتهمناها حين جاء الوالد أنها تعمدت رفع صوتها لكي يسمعها الناس بالخارج. وكان الوالد قد علمنا أن نغار على حرمة بيتنا، ولا نسمح للأم بأن تخرج إلى البلكونة بدون حجاب أو تتكلم بصوت مرتفع. أذكر أنها فوجئت لما وجدتنا جميعاً متحدين ضدها في مواجهة الوالد، نظرة الحسرة في عينيها لا تُنسى.
وأذكر لها موقف حنّت عليّ فيه. كان الوالد يبني ويشطب أدواراً إضافية في البيت، حتى يكون لكل منا شقته فيه، كعادة أهل الصعيد. وكنا نحمل بأنفسنا الطوب والرمال من الشارع إلى الشقة المراد تشطيبها. وذات مرة قسا عليّ الأب وكنت رافضاً أن أعمل معهم في حمل الرمال. لن أنسى أنني سقطتُ على الأرض وسقط دلو الرمال من فوق كتفي، والوالد لم يكلف نفسه عناء الاطمئنان عليّ. حينها خرجت الأم من الشقة وحاولت تهدئتي. كانت تحنو أحياناً، ولكنها تغضب دون سبب، فتشعرك أنك مخطئ أو غير محبوب بلا مبرر.
وكان الصراع بيني وبين الأخ الأكبر محتدّاً كذلك في هذه الفترة، حتى إنني رفعت عليه سكيناً ذات مرة. ولما عاد الوالد لامني بشدة، رغم أنني المظلوم. كان الأخ يضايقني فأصرخ، فيقلدني مستهزئاً، فيزداد صراخي، وما يكون من الوالد إلا أن يلومني على صراخي وتطاولي على الأخ الأكبر. أذكر أنني كنت أصعد إلى الأدوار العلوية غير المشطبة بعد من المنزل، بعد عراكي معه، أبكي بمفردي. وأتذكر جيداً ذات مرة قررت ألا أنفعل أبداً حتى لا يضيع حقي. قررت أن أكون هادئاً بارداً في مواجهة كل ما يضايقني، ومن ضمنه كان التنمر في المدرسة. ومن هنا تعلمت أن أفعل مثلما تفعل الأم، أغضب لأسباب وأعبر عن غضبي لأسباب مختلفة، ولم يجلب ذلك سوى مزيد من المعاناة، إذ كان يظهرني أمام الوالد والأخ بمظهر الظالم المفتري الذي يدلس الحقائق.
