بدأ العام الدراسي السادس، وكان الزميل المميز الأول على المدرسة، بطبيعة الحال، وابن عمه الثاني، وقد حصلتُ على درجات عالية جداً في جميع المواد، ولكن الرياضيات حالت دون ظهوري في الترتيب. حصلتُ في بقية المواد على 99 و100 درجة من 100، وفي الرياضيات 87 درجة من 100. أذكر أن معلمة اللغة الإنجليزية كانت سعيدة بالزميل الأول على المدرسة، فما كان مني إلا أن قلت لها، دون أن تسألني، إنني حصلتُ على 100 من 100 في اللغة الإنجليزية، فنظرت إليّ بتعجب لم أفهم سببه حينها، ولكن حين أذكر الموقف الآن أفهم أنها لاحظت أنني أحاول إثارة اهتمامها بسبب غيرتي من الزميل.
فهمتُ من كلام زملائي أن الزميل يحصل على المركز الأول كل عام بفضل توصيات عمه للمراقبين والمصححين، وهنا مرة أخرى شعرتُ أن والدي عاجز، رغم ما يزعم من نفوذ لديه. الآن أنا أرفض الغش والوساطة، ولكني حينها كنتُ صبياً يريد أن يكون الأفضل بأي شكل.
ما حدث منذ تركتُ مدرسة الإسلامية عقب ثورة يناير كان وكأنه انعكاس لما يحدث في البلاد من فوضى وعبث. وقد ظهر عقب الثورة الشاعر هشام الجخ، وكان على الكمبيوتر المنزلي خاصتنا فيديوهات لهشام الجخ يلقي قصائده الشعرية بلهجته الصعيدية المميزة. وحدث ذات يوم في حصة الأنشطة أن خرج الزميل المميز ليلقي قصيدة لعنترة بن شداد، كان قد دربه على إلقائها ليشترك في مسابقة على مستوى مدارس طما. لم أجرؤ أن أتحدث بنفسي، فدفعتُ صديقاً لي أن يخبر المعلمة أنني أحفظ قصيدة ما وأستطيع إلقاءها، وخرجتُ أمام الطلاب، ولكني لم أفهم الفارق بين الإلقاء وبين الغناء. كنتُ منذ صغري شغوفاً بالأغاني الوطنية، أحلم يقظاً بأن أدخل الجيش وأحارب وأستشهد. كنتُ أحفظ الكثير من الأغاني الوطنية، خاصة التي كنتُ أسمعها على قنوات الرياضة في وقت المباريات المهمة للمنتخب المصري لكرة القدم. كانت القصيدة التي أحفظها قصيدة «مصر تتحدث عن نفسها» للشاعر حافظ إبراهيم، غنيتها على طريقة أم كلثوم ولم ألقها إلقاءً، ورأيتُ الغيرة في عيني الزميل المميز لأول مرة. يومها عدتُ إلى المنزل وكلي شغف بالشعر والإلقاء، وقررتُ أن ألقي قصائد هشام الجخ، وكنتُ بارعاً في تقليده بحضوره وأسلوبه المميزين. خطفتُ الأنظار وأثرتُ اهتمام الجميع، وقررت المعلمة أن أشترك مع الزميل في المسابقة.
ولكني في الوقت نفسه، وربما بسبب جلوسي للمرة الثانية في المقاعد الخلفية، رغم أنني حرصتُ أن آتي إلى المدرسة مبكراً في اليوم الأول، لم أجد مكاناً شاغراً سوى في الصف الرابع. وحتى حين انتقلنا إلى مدرسة صلاح سالم مؤقتاً، حتى ينتهوا من أعمال التجديد في مدرسة التحرير، حاول البعض أن يجلسوا في غير أماكنهم الأولى على اعتبار أنهم يبدؤون فصلاً جديداً في مدرسة جديدة، ولكن والد الزميل المميز رفض وقال: اللي هيقعد مكان ولدي هضربه بالنار!
ربما بسبب جلوسي في الخلف تقربتُ من أربعة زملاء معينين، وربما أيضاً بسبب إحساسي بالفشل الدراسي في مواجهة الزميل المميز، قررتُ أن أنحرف. صرتُ أتفوه بالألفاظ البذيئة التي يمقتها الوالد. حدثوني عن الجنس والمواقع الإباحية، وقد كانت كل معلوماتي عن الأمر في هذه المرحلة أن الإنجاب يحدث عن طريق القبل والأحضان، كأنه طاقة كهرومغناطيسية تنتقل من جسد الذكر إلى جسد الأنثى في هذه الأثناء، وكنتُ أتساءل: لماذا إذاً لا تحبل الممثلات بسبب المشاهد الحميمية؟ وبسبب هؤلاء شغفتُ بالجنس أكثر وأكثر، وكان الكمبيوتر والإنترنت قد دخلا منزلنا، فاستعنتُ بهما.
كنا في مدرسة التحرير نحضر نصف الفصل الدراسي الأول فترة صباحية، والنصف الثاني فترة مسائية، بالتبادل مع مدرسة التربية القومية، التي انهار بناؤها فلجأوا إلى مدرسة التحرير مؤقتاً. كنتُ أقضي ساعات ما قبل موعد المدرسة في الظهيرة جالساً على الإنترنت أبحث عن مقاطع ساخنة، ولكني لم أعرف طريق الإباحية بعد. وحدث ذات يوم أن لامستُ قضيبي المنتصب أثناء المشاهدة، فانتفضت وسرت النشوة في أطرافي، ومن هنا اكتشفتُ الاستمناء. لم أكن أفهم حينها ما يحدث بالضبط، ولم أكن قد بلغتُ جنسياً بعد.
واكتشفتُ أن أحد الزملاء الأربعة يعرف الفتاة التي كنتُ معجباً بها في هذه المرحلة، وهي فتاة مختلفة عن فتاة الإسلامية، إذ كان يحضر معها درساً ما. وقد كنتُ مادة خاماً ممتازة للاستغلال والتنمر. لم أدرك أنهم قد يؤذونني، كنتُ ساذجاً جداً. قال لي أحدهم إنه في الحصة الماضية وضع يده على فرجها طوال الحصة، وسمحت له بذلك، وصدقته. وحكى لي آخر أنه مرتبط بصديقتها ويهاتفها يومياً في المساء، ما شجعني أن أعترف لها بحبي، وكان الأخ الأكبر على علم بذلك، إذ كنتُ أحكي له عن الفتيات اللاتي أعجب بهن. كتبتُ كلمة «بحبك» في ورقة، وبعد الحصة قابلتُ الأخ الأكبر، فسألني إن كنتُ أخبرتها، فقلت له: ليس بعد. وشجعني وجوده على أن أستوقفها وأعطيتها الورقة. قال لي إنه فوجئ لما فعلتُ ذلك حقاً، وأنه تحرك مسرعاً من الحرج والخوف. تعجبتِ الفتاة وتساءلت عما بالورقة، فقلت لها: اقريها وأنتِ مروحة. كانت المرة الأولى في حياتي أن أعترف لإحداهن بمشاعري. ولما حكيتُ لأحد الزملاء الأربعة عما حدث، ضحك وتركني وجرى من هول المفاجأة، وكأنه يقول لي: أنت عبيط وصدقت وقلت لها صح.
بعد حصتين أو ثلاث كنتُ أعود إلى البيت مسرعاً بعد انتهائهما خوفاً من مواجهة الفتاة. حدث أن لحقت بي قبل أن أصل إلى البيت واستوقفتني، قالت لي صديقتها: إحنا هنعتبره محصلش حاجة، ولو سمحت متديهاش ورق تاني. قلتُ: انسي إني عطيتك أي حاجة.
قام من حكيتُ له عن الأمر بفضحي أمام بقية الأولاد في الفصل، وجعلوا يهتفون: يا بتاع فلانة، يا بتاع فلانة. وقالوا أيضاً: قطعت الورقة وتفّت عليه… تفّت عليه. لم يحدث ذلك وقتها، بل بعدها بعام، بعد أن دخلتُ مدرسة صلاح سالم الإعدادية، وكان معي في الفصل نفس زملاء مدرسة التحرير، مع عودة الصديق الصدوق إلى حياتي. وحدث أن وقعتُ في نفس الخطأ بأن حكيتُ لولد آخر عن إعجابي بنفس الفتاة لما اكتشفتُ أنه جارها، فما كان منه إلا أن تعاون مع البقية وفعلوا ما فعلوا.
وكان أحدهم منذ تقربت منه يعرض علي أن يمارس معي الجنس! كان يحكي لي عن أولاد يأتون إلى بيته ليمارس معهم الجنس الفموي، حتى يشعرني أن هذا أمر عادي، وكانوا يتحرشون بي لفظياً، فيبدون إعجابهم بمساحات معينة من جسدي! وكنت حزيناً لا أعرف ماذا فعلت كي يفكروا في بهذه الطريقة.
