في صباح أحد الأيام في المستشفى، ومرورًا بذلك الممر الضيق الذي يضجّ بأصوات عجلات الكراسي المعدنية، كانت توجد ليال، ذات الأربعة عشر عامًا، ملامحها مزيج من البراءة والإرهاق. سارت ليال ببطء شديد برفقة والدتها نحو غرفة «العلاج الكيماوي»، ويداها الصغيرتان ملتصقتان ببعضهما بتوتر.
جلست ليال على الكرسي الجلدي البارد، وبدأت الممرضة تبحث عن وريد في يدها التي غزاها الاحمرار.
قالت ليال بهمس:
- هل سيؤلم هذا اليوم أيضًا؟
فردّت الممرضة بابتسامة حزينة:
- ستكونين بطلة كالعادة يا ليال.
وبينما يتدفق السائل ببطء، دخلت العائلة؛ كان الأب يحاول إخفاء حزنه خلف ابتسامة عريضة، وكان الأخ الصغير يحمل «باقة» من البالونات الملوّنة، التي اصطدمت بسقف الغرفة الأبيض الكئيب.
* * *
في عصر اليوم الثاني، من شرفة غرفة المستشفى، جلست ليال على كرسيها المتحرك، شاحبة كالقمر في وضح النهار. من مكانها المرتفع، كانت تراقب أطفالًا من بعيد يركضون خلف الكرة. كانت صرخاتهم تصل إليها ممزوجة برائحة الحرية. أحدهم يسجّل هدفًا ويقفز عاليًا كأنه يطير.
تأملت ليال البالون الذي تمسكه، وحاولت نفخه، لكن أنفاسها خانتها قليلًا، حينها شعرت بحسرة تنهش صدرها.
وقالت ليال بصوتها الداخلي:
- هم يملكون أقدامًا تحملهم على الأرض، وأنا أملك أحلامًا لا يحملها إلا الهواء.
ثم طلبت ليال مقصًا صغيرًا، وأمسكت به ببطء شديد، وقصّت خيط البالون الأول… ثم الثاني.
قال الأب باستغراب:
- ليال! لماذا تطيرينها؟ لقد اشتريناها لتبقى معكِ!
ردّت ليال بعينين لامعتين:
- هي لا تطير يا أبي… هي تذهب لتسبقني إلى هناك، كل بالون هي «طبيبة» كنت أتمنى أن أكونها، وكل لون هو يوم جميل سأعيشه بعيدًا عن هذا السرير. أنا لا أفقدها، أنا أحرر أحلامي من مرضي.
* * *
وفي ليل اليوم الأخير بالمستشفى، سيطر الهدوء على المكان، وأنسل نور القمر من النافذة ليرسم ظلالًا باهتة على الحائط.
تأملت ليال الندبات على جسدها، في ظل تعب الجلسة الأخيرة. كانت الغرفة تبدو سوداء كأنها ثقب واسع، لكن ليال أغمضت عينيها وتخيّلت السماء ممتلئة ببالوناتها.
وقالت ليال هامسة:
- غدًا… سأنتزع خيطًا آخر، حتى لا يبقى شيء يربطني بالأرض.
تنتهي اللوحة بصورة ليال وهي تبتسم في نومها، بينما يظهر بالون وحيد عالق في غصن شجرة خارج النافذة، يقاوم الريح ببطولة.
النهاية.
جميع نصوص المدونة مسجلة لدى إدارة حقوق المؤلف ويحظر نشرها أو استخدامها دون إذن مؤلفها.
للتواصل مع الكاتبة: فيسبوك
