توأمان - قصة قصيرة لـ نور حنا

توأمان - قصة قصيرة - تأليف نور حنا
* * *

تقول الأسطورة: "ولدت امرأة ابنين، فسعين النساء ينشدن من حولها أناشيد فرح لما أتاها. وبين لحظة وأخري أجفلت القابلة وانزوت خارجة بوجه واجم، فهرعت الأم من فراشها بخطي غير محسوبة لتنظر ما دهاها. فنظرت الأول جميل الطلة، صبوح الوجه رغم حمرته البالغة، أما الآخر فكان كتلة دم ينقصها ساق! فتحرر الدمع من محاجرها وثار على وجنتيها ثورةً. ومن ثم جذبت مبتور الساق إلى صدرها وراحت تبكي وترضعه. وحين علا صوت الأول نظرت له شذرًا بجحود وصاحت طالبةً إخراجه. وسرعان ما شاع الأمر في البلدة وكثرت الأقاويل.. هناك من قالوا إنها تؤمن بأن الصحيح قد ابتلع ساق أخيه، أو ربما تنازعوا عند الخروج فاشتد الشجار وأطاح بساق أخيه إلى أرض لا تدركها مخيلة بشر.. أرض بين الوجود واللا وجود.

ومن بعد هذا اليوم سارت الأمور برتابة شديدة أنست الجميع ما حدث. وذات ليلة - افترشت فيها النجوم عرض السماء وطولها - دوى صوت صراخ رضيع، فاهتزت له أعتاب البلدة. صراخ متهدج - كأنه صاعد من أعماق الهاوية - عقبه صمت طويل، أو إن جاز التعبير عقبه صوت ليل كئيب ينبأ بطوله وينذر بأمر فظيع يحدث أو بالفعل قد حدث. وبين طرفة عين وانتباهتها كان الجميع قد قد ارتص حول  بيت المرأة إياها، كما أرشدهم الصوت، فكان المشهد كالآتي:'' ساق مبتورة لرضيع يلفظ أنفاسه الأخيرة على فراش موته المغمس بالدم.. منامة أمه ملقاه بجانبه وعلي صدرها بقعة دم كبيرة.. وورقة ترتجف - كقلب الحُضار - كاشفه عن سكين مسنون ملوث بدم فائحة رائحته. 

فأقترب أحدهم نحو الورقة وراح يقرأ ما خط عليها: "حين وهبني الله ولدين دفعة واحدة، كانت لي فرحة لم استشعر مثلها من قبل. وحين وجبت ساعتي كاد عقلي يطير خوفًا من ألم يعتصرني، وسعادة لقرب اللقاء. أخبروني إني سألتصق بقطعة من لحمي - نفث فيها الله نسمة حياة - إلى أبد الدهر. وأن سنوات رحمي العجاف قد مضت وإنه أخيرًا قد حظي بنبت. حكوا لي كثيرًا عن العواطف التي ستنهمر بداخلي فور رؤية الآتي ذكراً كان أو أنثى. قالوا إن المُعاناة تلذ في سبيل الظفر بساكن الحشا. وقد حفظت كل هذا بداخلي.. وانتظرت. وقد ظفرت بنصيب امرأتين معًا.. وقد حمل رحمي ما حُرمت منه أرحام العواقر، ولكن كان نصيبي ناقصًا رغم كماله. لم أتحمل فكرة أن أحدهما سوف يحيا مبتور الساق لبقية حياته، والآخر سيحبو ويركض في كل صوب على ساقين سليمتين. الأول يتعثر ويسقط، والآخر يصبو مختال بساقه. كنت أرى في وجهه - بهيج الطلة - سبب مُعاناة أخيه. فأنهيت أمر تعاسة أخيه المسكين وبترت ساقه.. والثدي الذي اعتاد إطعامه".

النهاية.

هذا النص مسجل لدى إدارة حقوق المؤلف، ويحظر نشره أو استخدامه دون إذن مؤلفته.

للتواصل مع الكاتبة: فيسبوك

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال