صعيدي في الجامعة الأمريكية هو فيلم كوميدي من تأليف مدحت العدل، يدور حول خلف الدهشوري، وهو صعيدي ساذج يقع في حب فتاة زميلة له في الجامعة الأمريكية. فماذا سيفعل في مواجهة أستاذه أمريكي الجنسية، الذي يتفوق عليه في كل شيء؟ وكيف سيكون أثر هذه الرحلة في اختيارات البطل في آخر المطاف؟
أحد أهم قواعد كتابة الدراما، وخاصة الدراما الكوميدية، هو أن يكون لكل مشهد توظيفٌ درامي. وغالبًا ما يخطئ كتاب الكوميديا حين يكتبون مشاهد غير ذات أهمية درامية، يكتبونها فقط لأنها مضحكة، وأحيانًا تأتي هذه المشاهد نتيجة إضافة مقترحة من المخرج أو النجم، لا من الكاتب. وكاد صعيدي في الجامعة الأمريكية يقع في هذا الخطأ حين بدأ بمشهد سقوط خلف في الترعة، وما ترتب عليه من عودته إلى المنزل بثياب متسخة ومظهرٍ مُزرٍ. هنا شعرت بأن سقوط خلف في الترعة لم يكن سوى موقف كوميدي وضعه صناع الفيلم من أجل إضحاك المتلقي، ولكن بعد قليل من التفكير توصلت إلى أن الهدف من هذا الموقف قد يكون رمزيًا، خاصة أن خلفًا، عندما عاد إلى منزله، وجد والده يعد حفلاً بمناسبة حصوله على منحة الجامعة الأمريكية. وربما أراد الكاتب أن يعبر عن عدم ملاءمة خلف للرحلة التي يوشك على خوضها، من خلال حضوره الحفل المُعد للاحتفاء به بملابس متسخة. وفي سياق متصل، يأتي موقف آخر غير موظف دراميًا، وهو الحوار الذي دار بين خلف ومن كان يجلس بجواره في القطار عن مساعده، الذي سخر منه خلف بسبب ضآلة حجمه. فهل يرمز هذا الموقف إلى شيء؟ وهل يضيف إلى الدراما أي قيمة؟ وعلى النقيض، وفي المشهد نفسه، يتشاجر خلف مع شاب يرتدي قميصًا يحمل العلم الأمريكي، وقد وصف هذا الشاب خلفًا بأنه غبي، قبل أن يشتبكا جسديًا، فيقوم خلف بخلع قميصه وإلقائه من نافذة القطار. هذا مشهد يحمل رمزية تشير إلى أن رحلة خلف ليست رحلة ضد أمريكا، وإنما رحلة ضد المنبهرين بها، وسنوضح ذلك أكثر فيما يلي. وفي إطار الحديث عن السذاجة، ذكر خلف في أول يوم دراسي أن تلك البذلة المضحكة التي كان يرتديها هي الأقل جمالًا وجودةً بين ملابسه، وأنه لم يحضر بقية بذلاته حتى لا يجرح مشاعر زملائه الفقراء.
وفيما يتعلق بضرورة التوظيف الدرامي لكل مشهد، يأتي مشهد سائق التاكسي بطيء الحركة ليس بوصفه مشهدًا مضحكًا فحسب، وإنما لأنه السبب في تأخر خلف عن المحاضرة، وهو ما ترتب عليه جهله بأن سراج هو الأستاذ، لينشأ بينهما حوار سخر فيه سراج من اسم خلف. وبذلك يؤسس سيناريو صعيدي في الجامعة الأمريكية لطبيعة شخصية سراج؛ فهو متنمر، رغم ادعائه التحضر، ووصولي، ويكره الاعتراض. وقد ظهر ذلك من خلال رد فعله على مشاركة أحمد، التي عبرت، من جهة أخرى، عن نضج أحمد وعدم سذاجته. وهنا نلاحظ أن السذاجة والنضج هما تيمة فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية، والتيمة هي إطار تدول في فلكه كل أحداث القصة، وقد قالت سيادة لعبلة بوضوح إنها ساذجة وسطحية، حين أبدت إعجابها بسراج لمجرد أنه أمريكي الجنسية.
هناك تقنية في الدراما تُسمى الزرع والحصاد، وتعني أن يضع الكاتب تفصيلةً ما في موضع معين، من أجل استخدامها لاحقًا. وفي صعيدي في الجامعة الأمريكية زرع الكاتب وجود سمارة منذ البداية، حتى يلجأ إليها البطل لاحقًا عندما يُطرد من شقة حسين. وكانت شخصية أحمد ونشاطه السياسي تمهيدًا للمظاهرة المعارضة للسياسات الأمريكية فيما بعد، وسنوضح مدى أهمية هذه المظاهرة في رحلة البطل. كما زرع الكاتب مشهد عامل توصيل الكباب، من أجل استخدامه لاحقًا لغرض ما. ولم يكن التوظيف الدرامي للكباب قويًا أو مؤثرًا في الدراما، إذ استخدمه الكاتب كوسيلة حاول من خلالها خلف إقناع علي بالحديث معه عن الأوبرا، لكنه يظل توظيفًا جيدًا يخدم الكوميديا، كما أنه مناسب للموقف، وليس موجودًا فقط من أجل الإضحاك. وكذلك لم توظف الكوميديا النابعة من شجار خلف مع الزميل الآسيوي في المكتبة درامياً، فقد وقع هذا الموقف أثناء وجود خلف في المكتبة ومحاولته أخذ أحد الكتب من زميلة له، قبل أن تأتي سيادة ومعها بقية الزملاء لتدعوه إلى حضور حفل استقبال وتعارف الطلاب الجدد، فما الفائدة الدرامية من هذا الموقف إذاً؟
ولأن الأحداث في الدراما لا ينبغي أن تقع لمجرد أن الكاتب يريدها أن تقع هنا والآن، نجد أن حضور خلف الحفل، ومعه علي وحسين، ترتب عليه محاولة علي إبعاد سراج عن عبلة لبعض الوقت، لتسنح لخلف فرصة الجلوس معها. وجدير بالذكر أن السايس ساعد عليًا في معرفة أيّ السيارات هي سيارة سراج، لأنه ساذج، وهو ما يتصل بثيمة الفيلم. أما عن العراك اللفظي الذي نشب بين خلف وسراج بسبب موقف السيارة، فقد سخر سراج من ملابس خلف، ما ترتب عليه أن سرق خلف جهاز التسجيل الخاص بعلي، وبعضًا من أمواله، من أجل شراء ملابس جديدة. ولأن خلفًا ساذج، فقد تم الاحتيال عليه، فباع الجهاز بسعر أقل بكثير مما يستحق، كما اشترى ملابس مضحكة، ظنًا منه أنها ملابس كاجوال. ثم جاءت أغنية «أوه أوه كاجولوه.. (أمريكووه)»، وهنا ينبغي أن ننوه إلى أن وجود الأغاني في الأفلام غير الغنائية جائز، بشرط أن تضيف الأغنية شيئًا إلى الدراما، أو تعبر عن مشاعر الشخصية وأفكارها في تلك اللحظة، أو تشير إلى مرور بعض الوقت، وقد حققت هذه الأغنية هذا الشرط.
وبعد أن انحلت أزمة المظهر والملابس، إلى حد ما، ظهرت أزمة السيارة؛ فقد اشترى سراج سيارة جديدة أثارت إعجاب عبلة. ولكن، كما ذكرنا في السطور السابقة، لا ينبغي أن تقع الأحداث لمجرد أن الكاتب يريدها أن تقع هنا والآن، بل ينبغي أن تكون متسلسلة، بحيث يؤدي كل حدث إلى ما يليه. وهنا نلاحظ أن أزمة السيارة غير مترتبة على أزمة المظهر، وكان من الأفضل دراميًا أن تؤدي الأخيرة إلى الأولى، إذ إن تبديل موضعيهما لن يحدث خللًا دراميًا يُذكر؛ فلو وضعنا أمر السيارة قبل أمر المظهر لما حدثت أي مشكلة درامية. كما استخدم الكاتب عنصرين في الوقت ذاته: عنصر الأوبرا، حين سمع خلف سراج يدعو عبلة إلى زيارتها معه، وعنصر السيارة الفارهة التي اشتراها سراج. وكان من الممكن الاكتفاء بأحدهما، لأن عنصر الأوبرا لا يضيف شيئًا إلى عنصر السيارة. كما أن البطل يظهر في المشهد التالي وهو يحاول الغناء بطريقة أوبرالية في غرفته، ثم يهاتف والده في المشهد التالي ويطلب منه أن يشتري له سيارة. وقد كان من الأفضل دراميًا أن يأتي مشهد مهاتفة الوالد عقب المشهد الذي استحوذ فيه سراج على اهتمام عبلة بسبب سيارته الجديدة، وجذبها إليه، فغادرت تاركةً خلفًا وراءها. كذلك لم يترتب على أزمة السيارة مجيء منافسة السباحة بين خلف وسراج. ومن الملاحظ أيضًا أن مظهر خلف وملابسه في الرحلة كانا مضحكين كذلك، أولم يتغلب على هذه المشكلة بالفعل؟ ربما أراد الكاتب أن يعبر عن أن تغير خلف لا يحدث بصورة حادة، من الأبيض إلى الأسود، وهو أمر منطقي.
وجاءت أغنية «متأمرك ليه يا سوسو؟» لتعبر عن فرحة خلف بانتصاره على سراج في سباق السباحة. ومن الملفت استخدام كلمات لها علاقة بأمريكا أكثر من مرة في أغاني صعيدي في الجامعة الأمريكية، تأكيدًا على أن صراع البطل متصل بالانبهار بأمريكا والغرب. ولكن، رغم انتصار خلف في السباحة، ومحاولاته بكل الطرق لإثارة اهتمام عبلة وإعجابها، فإن الأخيرة وافقت على الارتباط بسراج، بل وأعطته الهدية التي كان خلف قد أهداها إليها في مشهد سابق. وعلى التوازي، نشب عراك بين علي وحسين بسبب لمياء، التي وصفها البطل -رغم سذاجته- منذ البداية بأنها فتاة «بجحة». وهنا نلاحظ أن الخط الدرامي الخاص بعلي وحسين، وقصتهما مع لمياء، لم يوجد بلا داعٍ، وإنما خُلق ليؤثر في البطل خلال أصعب مراحل الرحلة. فبعد ارتباط عبلة بسراج، وقع العراك بين علي وحسين، ما ترتب عليه طرد خلف وعلي من شقة خال حسين، كما ترتب عليه تقرب حسين من أمينة، ثم لقاء خلف بسمارة مرة أخرى في منزل زميله هاشم. وقد زرع الكاتب وجود سمارة منذ البداية، حتى تساعد البطل في هذه المرحلة من الرحلة، فتأخذه للإقامة في منزلها، بعد أن أخبرها بأنه يبيت في السيارة. وهنا نلفت إلى أن ذلك يمثل توظيفًا دراميًا للسيارة. ومن أجل التعبير عن اندماج خلف مع عائلة سمارة، جاءت أغنية «شوكولاتة»، مثلما جاءت أغانٍ قبلها وبعدها. ومن الملفت أن هذه الأغنية تعبر عن ثقافة شرقية، ولم تقل جمالًا ولا أهمية عما سبقها من أغانٍ. وهنا يريد صعيدي في الجامعة الأمريكية أن يقول إن ثقافتنا الشرقية جديرة بالإعجاب أيضًا. وكذلك جاءت الأغنية الأخيرة «ولا بنخاف م الدنيا بحالها» دون أي ذكر لأمريكا، على عكس الأغنيتين الأوليين في الفيلم.
وقبل أن يأتي الاختبار الأقصى، وهو أصعب اختبار يمر به البطل في رحلته الدرامية، وغالبًا ما يكون مواجهة مباشرة مع الخصم، كان على البطل أن يقابل الوالد، الذي حدثه قبل الذهاب إلى القاهرة للدراسة في الجامعة الأمريكية عن الأرض والحضارة التي أبدعها المصريون لتنطق في زمن لم يعرف فيه العالم للنطق سبيلًا. جاء الوالد في هذه اللحظة ليعيد البطل إلى صوابه، ويدفعه نحو التغيير. ومن الملفت أن خلفًا، حين عاد إلى الجامعة الأمريكية بعد زيارة والده، كان، ولأول مرة، يرتدي ملابساً مناسبة. غير أن عودته تزامنت مع الذكرى الخمسين لاحتلال فلسطين، الذي تقف أمريكا وراءه وتحميه. وهنا نلاحظ أن مجيء هذا الحدث غير مترتب على ما سبقه من أحداث، وكان ينبغي، كما ذكرنا، أن تكون الأحداث متسلسلة، بحيث يؤدي كل منها إلى ما يليه. غير أن ذكرى احتلال فلسطين تأتي في شهر مايو، أي قبيل نهاية العام الدراسي، وهو ما يجعل وقوع هذا الحدث في هذا التوقيت منطقيًا إلى حد ما، لكنه، من الناحية الدرامية، ليس قويًا أو مبررًا بالقدر الكافي. كما يؤخذ على السيناريو أن المواجهة الكبرى بين البطل والخصم، بين خلف وسراج، جاءت بسبب مظاهرة ضد أمريكا، لا بسبب عبلة، التي تمثل محور الصراع بينهما. وكان من الأفضل دراميًا أن تكون عبلة حاضرة، بشكل أو بآخر، في هذه المواجهة.
ومن الملفت أيضًا أنه، حين أحرق خلف علم إسرائيل، كانت في الخلفية موسيقى صعيدية، كما أدى رقصة صعيدية والعلم تحت قدميه، لأن لحظة الاختبار الأقصى هي لحظة انتهاء السذاجة التي حملها خلف معه من الصعيد إلى الجامعة الأمريكية في القاهرة. وفيما يتصل بالسذاجة، اتضح أن عليًا كان ساذجًا كذلك، رغم اعتقاده أنه «مفتح» ويعرف جيدًا كيف يتعامل مع لمياء؛ فقد خدعته وتزوجت رجلًا ثريًا. كما تخلصت عبلة من سذاجتها، وقررت فسخ خطوبتها من سراج، الذي رحل عن مصر بسبب ضغط الطلاب عليه، وأصبح الطريق إلى عبلة ميسرًا أمام خلف، لكنه لم يعد ساذجًا. ورغم أنه يجيد سبع لغات، فإنه قرر أن يتحدث في حفل التخرج باللغة العربية، حتى يفهمه والده. وجدير بالذكر أن عنصر اللغة مزروع منذ البداية، حين قال والد خلف، بفخر، إن ابنه يجيد سبع لغات.
ورغم أن انبهار خلف بأمريكا قد زال، فإنه استمر في الدراسة في الجامعة الأمريكية، لأنه، كما قال في النهاية إننا لا نكره أحدًا، ولسنا مع أحد ضد آخر، وإنما نكره الظلم والبلطجة وفرض الرأي بالقوة. ويختتم سيناريو صعيدي في الجامعة الأمريكية بقرار خلف الارتباط بسيادة بدلًا من عبلة؛ فقد زال إعجابه بعبلة، كما زال انبهاره بأمريكا، وآثر القيمة الحقيقية والنضج على الجمال الخارجي والسطحية.
تم.
