Good Will Hunting - أجمل سيناريو غير محكم!

    فيلم Good Will Hunting يدور حول شاب عدواني يتورط في دعوى قضائية تجبره على زيارة معالج نفسي، فماذا سيفعل في مواجهة المعالج الذي يحاول أن ينفذ إلى أعماقه ليفهم سبب عدوانيته ورغبته الكبيرة في التهرب من العلاج؟ وكيف سيكون أثر هذه الرحلة في اختياراته في الحياة؟ السيناريو من تأليف مات ديمون وبين أفليك.

Good Will Hunting

* * *

    هناك خمس محطات أساسية في رحلة البطل الدرامي: الحدث التمهيدي، والحدث المحرك، ونقطة المنتصف، والاختبار الأقصى، والذروة. الحدث التمهيدي هو حدث يؤدي إلى وقوع الحدث المحرك، الذي يغير حياة البطل ويدخله في الصراع. ونقطة المنتصف هي حدث يؤدي إلى ازدياد صراع البطل تعقيدًا، مما ينذر بوقوع الاختبار الأقصى، وهو أصعب اختبار يواجهه البطل في رحلته، وغالبًا ما يكون مواجهة مباشرة مع الخصم. ويبقى أن تأتي الذروة لتنحل معها العقدة وينتهي الصراع، وعندها تنتهي القصة. وفي Good Will Hunting، الحدث المحرك هو تورط البطل في دعوى قضائية ترغمه على زيارة معالج نفسي، وبالتالي فالحدث التمهيدي هو العراك الجسدي الذي نشب بينه وبين أحد زملائه القدامى في الروضة، الذي كان يضربه بعنف حين كانا صغيرين. وقد كان من الأفضل أن يقع هذا الحدث التمهيدي في بداية Good Will Hunting مباشرة، دون الحاجة إلى تمهيد يسبقه. فمن الأفضل دراميًا أن يكون الحدث التمهيدي هو مشهد البداية، مثلما كانت -في السيناريو- الذروة هي مشهد النهاية، بأن قرر البطل التخلي عن كل شيء، والسعي وراء الفتاة التي أحبها وأحبته.

    كما كان من الأفضل دراميًا أن تظهر سكايلر في حياة ويل بسبب مسائل الرياضيات المعقدة التي يستطيع وحده حلها، بدلًا من لقائهما صدفة في بار. ربما أراد الكاتبان أن يعبرا عن إلمام ويل بعديد من العلوم، وليس بالرياضيات فقط، فقد تعرف على سكايلر بفضل معلوماته في التاريخ، ولكننا نتساءل: ألم يكن من الممكن الإشارة إلى ذلك بطريقة أخرى، لا تؤدي إلى تفكك الأحداث وتعدد الخطوط الدرامية؟ فمن الأفضل دراميًا أن يركز السيناريو على خط درامي واحد، وجميع الخطوط من حوله تخدمه، لا أن يكون كل خط منفصلًا عما سواه. ومن الملاحظ أن البروفيسور قد رأى ويل وهو يحل المسألة، ثم في المشهد التالي تعرف ويل على سكايلر، قبل أن نعود إلى الخط الدرامي الخاص بالبروفيسور فنراه يبحث عن ويل. فكر معي، إذا كان -كما ذكرنا- تعرف ويل على سكايلر قد حدث بسبب حل المسائل الرياضية، وإن بحث البروفيسور عن ويل يأتي مباشرة بعدما رآه يحل المسألة، أولم يكن ليبدو سيناريو Good Will Hunting أكثر تماسكًا؟ وكذلك كان من الأفضل أن تتصل الرياضيات بالعلاج النفسي الذي يخضع له ويل، فالعلاج النفسي هو محور صراع البطل في رحلته الدرامية، وليس الرياضيات وتعقيداتها. تخيل معي، بدلًا من الرياضيات، لو كان البطل قادرًا على فهم علم النفس بعمق يفوق الأساتذة المتخصصين، وترتب على ذلك اتصاله مباشرة بالمعالج شون، بدلًا من الاتصال بالبروفيسور لامبو ثم المعالج. ربما أراد كاتبا Good Will Hunting أن يبتعدا عن علم النفس، لأنهم ربما فكرا في أنه لو كان البطل مهتمًا وقادرًا على فهم علم النفس، لكان سيستطيع أن يفهم نفسه دون الحاجة إلى معالج، ولكن أوليس في السيناريو ذاته يظهر معالج نفسي مثلي الجنس؟ أولم يسمح أحد المعالجين بوجود لامبو وتوم أثناء جلسة العلاج، مما يدل على عدم احترافيته؟ أولم يقرأ ويل كتاب أحد المعالجين، واستطاع فهمه على نحو عميق؟ أولا يوجد في الواقع أطباء ومعالجون نفسيون مصابون باضطرابات وعقد نفسية شديدة العمق في كثير من الأحيان؟ إن فهم علم النفس أو دراسته لا يعني بالضرورة القدرة على فهم الذات، وبالتالي نرى أنه لو كانت عبقرية بطل Good Will Hunting متصلة بعلم النفس، لأصبح السيناريو أكثر قوة وتأثيرًا مما هو عليه. تخيل معي: شخصٌ عبقريٌ في فهم علم النفس، ولكنه عاجز عن فهم ذاته، أي إثارة وأي تعقيد!

    ولكن يُحسب لكاتبي سيناريو Good Will Hunting إتقانهما رسم الشخصيات، وخلق صوت وتفاصيل مميزة لكل شخصية. فشخصية كسكايلر نراها ترد على الهاتف فور سماع صوت رنينه، الأمر الذي لا يفعله أغلب البشر لسبب غير مفهوم، فالناس عادةً ما يستغرقون ولو بضع لحظات قبل الرد، حتى وإن كانوا يسمعون الرنين. ولكن سكايلر شخصية لا تفضل التصنع، ومحاولة إشعار الآخر بأهمية زائفة لنفسها، ولذلك هي من تقربت من ويل، ولم تخجل من أن تخبره بأنها كانت تنتظره أن يأتي ليتحدث معها، قبل أن تعطيه رقم هاتفها، على أن يتصل بها من أجل الخروج في مكان ما. وكذلك كان لشخصية المعالج شون صوت وطبيعة خاصان، فقد كان يعرف كيف ينفذ إلى قلب ويل، ببساطة عن طريق الحديث عن نفسه أولاً، ثم مواجهة ويل بحقيقته، ثم عدم غض الطرف عن عبقرية الأخير الملفتة. ففي المشهد الذي جلس فيه مع ويل على البحيرة، بدأ بأن تحدث عن قصته مع زوجته المتوفاة، قبل أن يواجه ويل بأنه لا يراه سوى طفل خائف وضعيف، ثم قال: إنك عبقري، ولا أحد يمكن أن ينكر ذلك. وهي طريقة تشبه كثيرًا تقنيات ما يسمى بالتواصل التراحمي، وهي أن ترصد الوقائع كما هي، وتحدد مشاعر واحتياجات الآخر، قبل أن تطلب منه طلبات واضحة ومحددة، وهو ما كان يفعله شون طوال الوقت، إذ كان يستطيع أن يفهم ما يدفع ويل إلى فعل ما يفعل، فكان يباغته بأسئلة تفضح احتياجاته النفسية الداخلية، مثلما سأله في أحد المشاهد، بعد أن استغرق ويل في الحديث عن سبب رفضه العمل في الأمن القومي، سأله شون إن كان يشعر بالوحدة! هذا لأنه يراه على نحو سليم. كما قرر أن يقسو عليه ويطلب منه الرحيل، حين بدأ ويل في المزاح دون الإجابة عن الأسئلة بوضوح، فالتراحم لا يعني التهاون، والحزم يختلف عن القسوة، ولم يكن شون متهاونًا أو قاسيًا، بل كان معالجًا متراحماً كما يجب أن يكون المعالج المتراحم. وأخيراً، كان لتشاكي كذلك صوت مميز، يظهر ذلك بوضوح في المشهد العبقري الذي قال فيه لويل إنه لو استمر في حياته معهم فسوف يقتله! كان حديثًا مباغتًا وغير متوقع، وعكس حقيقة الشخصية. ولو لم يكن كاتبا Good Will Hunting متصلين بالواقع، ومدركين لحقيقة البشر كما ينبغي، لما استطاعا أن يتوقعا رد فعل تشاكي على تصرفات ويل. كان من الممكن أن يعتقدا أن تشاكي سيكون سعيدًا بوجود ويل معهم.

    أما فيما يتعلق بالصراع بين البطل والخصم، بين ويل والمعالج شون -جدير بالذكر أن كلمة (الخصم) في الدراما لا تعني أنه عدو بالضرورة، فالخصم ببساطة هو من يقف في طريق هدف البطل، وهدف ويل هو التهرب من العلاج، وبالتالي فالخصم هو المعالج- فيما يتعلق بهذا الصراع بينهما، فقد كان المفتاح هو كشف الذات أو تعريتها، من قبل المعالج قبل المريض. وقد قال ويل لشون: إنك تتحدث أكثر من أي معالج رأيته في حياتي. وحين بدأ ويل بالتحدث -بعد كثير من ممارسة الصمت- أخبر شون بدعابة، ولكنها لم تكن مضحكة، لأنه حكى عن موقف لم يحدث مع شخصياً في الحقيقة، قبل أن يتحول ويل إلى الحديث عن نفسه، فأخبر شون بأنه خرج مع فتاة. وقد استطاع شون أن يكشف له الحقيقة، بأن حكى له عن نفسه كذلك، فذكر أن زوجته كانت تطلق ريحًا أثناء النوم، وختم حديثه بذكر حقيقة أنه ما من إنسان مثالي، مما دفع ويل إلى الذهاب إلى سكايلر والخروج معها.

    ولكن مشاهد ويل وسكايلر، وويل وشون، كانت بها بعض المشكلات الدرامية، إذ لم يكن مكان المشهد ولا الحوار متصلين بهذه اللحظة في الرحلة. ذات مرة خرجا إلى محل ألعاب أطفال، وتحدثا عن دراسة سكايلر، وأخرى ذهبا لمشاهدة سباق كلاب، وتحدثا عن إخوة ويل الوهميين، وغيرها. المشكلة هي: ما علاقة هذا المكان وهذا الحوار بهذه اللحظة في رحلة البطل؟ كان ينبغي أن يضيف كل مشهد شيئًا جديدًا إلى الحدث الرئيسي، لا أن يكون كل مشهد مستقلًا بذاته. تخيل معي، لو تغير مكان مشهد محل ألعاب الأطفال ليكون مكان مشهد سباق الكلاب، ولو تبدل المشهد الذي يقول فيه ويل لشون إنه يريد أن يكون راعي ماشية ليصبح في مكان مشهد الحديث عن مباراة البيسبول، هل سيحدث ذلك التبديل خللًا دراميًا كبيرًا؟ إذا كانت الإجابة لا، فهذه مشكلة كبيرة جدًا في دراما سيناريو Good Will Hunting. وما علاقة حديث شون عن أول مرة التقى فيها بزوجته وما علاقة قصة عم تشاكي كذلك بهذه اللحظة في الرحلة؟ وماذا يضيف مشهد نزول مورجان بعد الاستمناء في بيت تشاكي إلى ما يحدث في الوقت الحالي؟ أعني، لو كان أبطال هذه المشاهد قد تحدثوا عن أو فعلوا أي شيء آخر، هل كان سيحدث خلل درامي يُذكر؟ الإجابة، مع الأسف، لا. قد يكون لمشهد مثل قصة عم تشاكي، ومشهد مورجان بعد الاستمناء، معنى فلسفي ما متصل بقصة البطل، ولكن ما كان ينبغي أن تأتي المشاهد دون اتصال درامي واضح بالخط الرئيسي، حتى وإن كان لها معنى مجرد.

    وفيما يتعلق بترتب المشاهد على بعضها بعضًا، ففي بعض الأحيان نجح الكاتبان في ذلك، ولكن ليس كما ينبغي. فعلى سبيل المثال، المشهد الذي سألت فيه سكايلر ويل عن قدرته على فهم الكيمياء العضوية، جاء هذا السؤال بسبب حله لمسألة معقدة بعد أن طلب منها الخروج معه، ورفضت قائلة إنها ينبغي أن تدرس. ألم يكن يجدر بالسؤال عن كيفية قيامه بذلك أن يحدث في المشهد التالي مباشرة؟ لماذا تأخر هذا السؤال إلى مشهد لاحق؟ أعرف أن ذلك وارد الحدوث في الحياة، ولكن الدراما ليست حياة، بل هي إعادة صياغة للحياة، وإعادة ترتيب وإعادة بناء منظمين. في الحياة قد يحدث أي شيء في أي وقت دون أن نعرف سببًا واضحًا لحدوثه، ولكن في الدراما ينبغي أن يحدث كل شيء لسبب درامي واضح، وفي وقت مناسب درامياً.

    ويُحسب لسيناريو Good Will Hunting أن مشاهد ويل وسكايلر كانت تأتي دومًا عقب مشاهد ويل وشون، بينما كانت مشاهد ويل المتعلقة بالعمل تأتي عقب مشاهده مع البروفيسور، مما يشير إلى أن المعالج يوجهه نحو الاتجاه الصحيح، نحو الحب والشغف، بينما يحاول البروفيسور أن يوجهه نحو طريق يظن أنه الطريق الصحيح. وبناءً على ذلك، كان البروفيسور يرى نفسه أكثر نجاحًا من شون، في حين أنه لم يستطع التأثير في ويل، بينما استطاع شون أن ينفذ إلى أعماق أعماقه، ويدفعه نحو التغيير. ويُحسب كذلك التزام الكاتبين بأن يكون البطل والخصم متشابهين على نحو ما، فقد تعرض كل منهما إلى العنف الأسري، ومشهد المواجهة الكبرى، الاختبار الأقصى، بين البطل والخصم، يأتي في مكانه الصحيح في السيناريو، فقد وصلنا إلى نهاية العلاج المفروض على ويل، وتعقدت جميع الخطوط الدرامية الأخرى -التي كان ينبغي أن تتصل بالخط الرئيسي كما ذكرنا-؛ خط سكايلر، وخط البروفيسور، بالتوازي مع الخط الرئيسي بين ويل وشون، وبالتالي فمن المبرر دراميًا أن تحدث هذه المواجهة هنا والآن. كما يُحسب لـ Good Will Hunting إدراكه ما يحتاج إليه كل من تعرض للإساءة في الصغر تحديدًا؛ فهو يحتاج ببساطة إلى أن يدرك أن ما تعرض له كان ناتجًا عن سوء أخلاق وطباع المسيء، وبالتالي فهو ليس مسؤولًا عنه، وأن هذه الإساءة التي تعرض لها لا تعني أنه إنسان لا يستحق الحب والاهتمام، إنه خطأ المسيء، وليس خطأ المُساء إليه، بمنتهى البساطة. وعبارة "It is not your fault"، شأنها شأن معظم أحاديث شون، تنفذ إلى الأعماق ببساطة وقوة مذهلة.

    في النهاية، نرى ويل ينظر إلى مصباح مضيء في منزله، وكأنها الفكرة الجديدة الواعية التي أضيئت في عقله بفضل المعالج، قبل أن يهديه رفاقه هدية بلوغه سن الواحدة والعشرين. لقد بلغ سن الرشد داخليًا وخارجيًا في هذه اللحظة، كما أن الهدية كانت سيارة، وتلك هي الوسيلة التي سيتوقف من خلالها عن الاعتماد على تشاكي في توصيله، ويرحل عنهم بغير رجعة، كما أنها الوسيلة التي سيستعين بها في طريقه الطويل نحو الحب والحرية.

    في الختام، أود أن أنوه إلى أنني أعشق فيلم Good Will Hunting، ولا أمل من مشاهدته، ولكني في هذا الموقع أحاول مساعدة كتاب الدراما على فهم قواعدها وأصولها، وإدراك ضرورة الالتزام بها، من أجل إخراج نصوص درامية محكمة ومتماسكة.

تم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال