Black Swan - حرب ضد الذات

    Black Swan فيلم روائي طويل يدور حول نينا، وهي راقصة باليه مهووسة بالكمال، يُطلب منها تأدية دور بجعة شريرة. فماذا ستفعل في مواجهة نفسها، حرفيًّا، إذ يُخيَّل إليها أنها ترى نفسها تحول دون قدرتها على إجادة الأداء؟ وماذا يمكن أن تخسر في سبيل تقبُّل نقصها؟ وكيف سيكون موقفها من هذه الخسارة؟ الفيلم قصة أندريس هاينز، الذي شارك في كتابة السيناريو السينمائي مع كلٍّ من مارك هيمان وجون ماكلولين.

Black Swan

* * *

    ما يدل على فهم كُتّاب Black Swan لضرورة التمهيد لنوعية الفيلم منذ البداية، إن الفيلم دراما نفسية؛ ولذلك اختار الكُتّاب أن يبدأ السيناريو بحلم. لم يكن الحلم معبِّرًا فقط عن الرحلة التي توشك البطلة نينا على خوضها، ولم يكن مجرد إشارة ماورائية إلى ما هو مُقدَّر حدوثه، وإنما الحلم هو أهم وسيلة تعبيرية يملكها اللاوعي، وهو ما يتناسب مع نوعية الفيلم، ومع الدراما التي ستغوص داخل أعماق نفس نينا. ودليل آخر على فهم الكُتّاب لضرورة التمهيد أن البطلة، في بداية Black Swan، ترى فتاة تشبهها في العربة المجاورة داخل القطار. كثيرٌ من الكُتّاب يغفلون عن إرساء قواعد العالم الخاص بقصتهم منذ البداية؛ فبعضهم يبدأ القصة بداية واقعية، ثم نكتشف أن الفيلم فانتازيا، مثلما حدث في سيناريو فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind، فقد بدأ السيناريو بداية رومانسية، قبل أن يتحول فجأة، وبعد مرور نحو عشرين دقيقة، إلى خيال علمي، دون تمهيد مسبق، وهو ما أصابني بانزعاج شديد، وكاد يدفعني إلى عدم مواصلة المشاهدة. ومن الملفت أيضًا أن الفتاة التي تشبه البطلة، من دون أن يظهر وجهها، سيتضح لاحقًا أنها ليلي، وذلك لأن ليلي ستكون منافستها، وسيتم من خلالها الانتقال بين ظهور ليلي، وبين ظهور البطلة كخصم لنفسها. كما يستخدم سيناريو Black Swan في أغلب المشاهد عدة قطعات مونتاجية لإضفاء الإحساس بالتوتر. ويظهر في أحد المشاهد ملصقات دعائية على المسرح من الخارج تحمل صورة بيث، أفضل راقصة باليه، التي ستحل نينا محلها. ومن الملفت أن يأتي في نهاية الفيلم مشهد مشابه، تكون فيه صور نينا على المسرح بدلًا من صور بيث، للدلالة على حلول نينا محلها. ومن الملاحظ كذلك استخدام المرايا في كثير من اللقطات، للتعبير عن محاولة السيناريو كشف دواخل الشخصيات وانعكاساتها الداخلية. وقد استُخدمت المرايا أول مرة حين ظهر توماس، الذي ربت على كتف الراقصات غير المرشحات لتأدية دور ملكة البجع، وليس العكس، وهو ما يقول الكثير عن شخصيته؛ فتوماس ليس متلاعبًا، وإنما ذكيٌّ ومتحدٍّ.

    في كتابه البطل بألف وجه، تناول جوزيف كامبل مراحل رحلة البطل الدرامي في ست عشرة مرحلة، قبل أن يقوم كريستوفر فوغلر بتكثيفها إلى اثنتي عشرة مرحلة. أولى هذه المراحل هي العالم الاعتيادي، وهو عالم البطل قبل الدخول في عالم المغامرة الخاص. ودائمًا ما يكون العالم الاعتيادي -كما ذكر الكتاب- ساكنًا ومشحونًا في الوقت ذاته؛ ساكنًا لأنه العالم التقليدي الذي يعيش فيه البطل، ومشحونًا ببعض المشكلات التي يحتاج البطل إلى خوض المغامرة من أجل حلها. وفي Black Swan، كما ذكرنا، تظهر في العالم الاعتيادي لنينا أحلام وتخيُّلات غريبة، قبل أن يأتي ما يسمى بنداء المغامرة، وكان هذا النداء هو الإعلان عن الحاجة إلى ملكة بجع تؤدي دور كلٍّ من البجعة البيضاء والبجعة السوداء معًا. وقبل الدخول في المغامرة يقابل البطل ما يسمى بالمينتور، والمينتور في الدراما -بناءً على ما ذكره جوزيف كامبل، وما أوضحه كريستوفر فوغلر- هو شخص خاض رحلة مشابهة للرحلة التي يوشك البطل على الدخول في غمارها. ولا يعني المينتور في الدراما، بالضرورة، الشخص الذي يدعم البطل، كما هو المعنى اللغوي للكلمة؛ ولذلك فإن المينتور في دراما Black Swan ليس توماس، وإنما بيث، الراقصة التي وصلت إلى نهاية مشوارها، ولكن هوسها بالكمال، المشابه لهوس نينا، يدفعها إلى عدم تقبل الواقع. وقد دخلت البطلة غرفة بيث بعد أن سمعتها ورأتها تكسر أثاثها من فرط الغضب والرفض، قبل أن تغادر، فتأملت نينا الغرفة، ثم سرقت بعض أغراض بيث، وأهمها أحمر الشفاه. وكأن دخولها الغرفة في هذه اللحظة، وسرقة أغراض المينتور، وغدو الغرفة غرفتها فيما بعد، إشارة من كُتّاب Black Swan إلى أن نينا حلت محل بيث، ودخلت عالم المغامرة.

    ولكن أداء نينا فاتر، وغير مقنع بالنسبة إلى توماس، مخرج العرض. ومن الملفت أن ليلي دخلت إلى مساحة التدريب، فقاطعت نينا، واضطرتها إلى التوقف عن الأداء، بل كادت نينا تسقط أرضًا، في دلالة على أن ليلي هي منافستها. ومن الملفت أيضًا أن ليلي رفضت أداء تمارين الإحماء، حسبما أمرها توماس، وهي بذلك تُظهر اختلافًا جوهريًا في شخصيتها عن شخصية نينا، التي تطيع أوامر الآخرين وتنفذها دون تفكير. وكانت والدة نينا هي الملاذ دائمًا، رغم قسوتها؛ فقد لجأت نينا إلى حضنها لما رفض توماس أن تؤدي دور ملكة البجع. وقد كانت والدة نينا راقصة باليه كذلك، ولكن نينا فعلت ما لم تكن الأم لتفعله؛ ففي حين نصحتها الأم بالتسليم بالواقع، طلبت نينا أن تتحدث إلى توماس في مكتبه. وقد جاءت متأنقة، بشفاه مطلية بأحمر الشفاه الذي سرقته من غرفة بيث، ولو علمت الأم بذلك، لكان من الممكن أن تغضب، مثلما غضبت حين وجدت نينا ترتدي حلقين في أذنيها، لسبب غير مفهوم. هذه الأم تغضب لأسباب غريبة، وهي محاطة بكثير من الغموض، ويملؤها الكثير من التعقيد. فقد علمنا، من حوارها مع نينا في أحد المشاهد أن هذه الأم كانت تشجع نينا على رقص الباليه، وكانت تصحبها يوميًا لتوصلها إلى الدروس. ومن الملفت أنها كانت تداوي جروح نينا بنفسها في العديد من المشاهد. تبدو هذه الأم مثالية، مهتمة كل الاهتمام بابنتها، حتى إنها توقفت عن رقص الباليه من أجل تربيتها، ولكن إذا تعمقنا فسنجد أن هذا الاهتمام المفرط هو السبب الحقيقي في أزمة نينا؛ فهي تعاملها كما لو كانت طفلة في الثانية عشرة من عمرها، كما أن تضحيتها من شأنها أن تملأ نينا بالإحساس بالذنب. أما فيما يتعلق بما فعلته نينا، ففي الدراما توجد تقنية تُستخدم لجذب اهتمام المتلقي من ناحية، ولإظهار ما هو غير متوقع من البطل من ناحية أخرى. وغير المتوقع هو ما يجعل البطل جديرًا بالإعجاب والاهتمام. وهذه التقنية هي: فعل، فحدث، ولكن...؛ فالبطل يفعل شيئًا، فيحدث شيء كنتيجة لما فعل، ولكن يقع ما هو غير متوقع. هنا فعلت نينا الآتي: أدت دور البجعة السوداء بطريقتها المعتادة، المهتمة كل الاهتمام بالأداء الصحيح، دون إطلاق العنان لنفسها، مما يضفي على الأداء التلقائية والعفوية، اللتين تعبران عن قدرة البجعة السوداء على إغواء المحبوب والجمهور معًا. لكن البطلة -كما ذكرنا فيما سبق- لم تستسلم كما أمرتها أمها، ولم تفعل ما كانت الأم لتفعله لو كانت مكانها، وإنما قررت أن تذهب للتحدث إلى توماس، مرتدية ملابس مثيرة، واضعة أحمر شفاه. لهذا السبب تُعد نينا بطلة درامية، بينما أمها ليست كذلك. وجزئية «ولكن...» لا تُستخدم في الدراما فقط من أجل كسر توقعات المتلقي، وإنما أيضًا من أجل إظهار ما هو غير متوقع من البطل. ومن الملفت أن توماس قام، في هذا المشهد، بتقبيلها، كنتيجة مباشرة لاستخدامها أحمر الشفاه لأول مرة خلال أحداث الفيلم. ومن الملفت أيضًا أن نينا وجدت على مرآة المرحاض كلمة «عاهرة» مكتوبة بأحمر الشفاه. وربما تبدو هذه التفاصيل غير ذات أهمية، لكنها تدل على تماسك سيناريو Black Swan ومهارة كُتّابه.

    كما نلفت أيضًا إلى أن نينا اعتذرت لتوماس بعد أن عضت شفتيه أثناء تقبيلها، كما لو كانت هي المخطئة. كما هنأت نينا فيرونيكا، ظنًا منها أن الأخيرة هي المختارة لتأدية دور ملكة البجع. وكانت تبكي بعد أن اكتشفت أن توماس اختارها هي، لأن الإحساس بالذنب يكاد يقتلها. كما أن في أحد الرسومات في مرسم الأم خُيِّل إلى نينا أن بطلتها تحرك عينيها لتنظر إليها، وكانت المرأة في اللوحة تشبه أمها. وهنا يريد سيناريو Black Swan أن يعبر عن أن المصدر الأساسي لإحساس نينا بالذنب هو الأم. ولكن لِمَ لم تكن هذه اللوحة بورتريهًا شخصيًا للأم للتأكيد على هذا المعنى؟ ربما كان ذلك إشارة إلى أن هذه الأم، بناءً على طبيعة شخصيتها، لم تكن لترسم لوحة لنفسها؛ فهذا النوع من الرسم لا يصدر إلا عن إنسان يحب نفسه، أو على الأقل يحاول أن يفهمها. ومثل هذا النوع من الرسم غالبًا ما يصدر عن أشخاص موهوبين بحق. ثم تكتشف نينا أن الخدش في ظهرها قد ازداد عمقاً. ومن الملفت أن هذا الخدش كان موجودًا قبل أن تتلقى البطلة نداء المغامرة، وهذا لا يتصل فقط باهتمام كُتّاب Black Swan بالتمهيد، وإنما يدل أيضًا على أن عيوب نينا وإحساسها بالذنب كانا موجودين منذ البداية. لذلك ذكرنا أن العالم الاعتيادي يكون ساكنًا ومشحونًا في الوقت ذاته، وأن البطل يكون في حاجة إلى الدخول في مغامرة من أجل التغيير. وقد تعاملت الأم بقسوة شديدة عندما رفضت نينا أن تأكل قطعة كبيرة من التورتة التي أحضرتها احتفالًا باختيارها ملكةً للبجع. تستمر هذه الأم في أفعالها المتناقضة؛ فهي تحب نينا وتدعمها من جهة، وتقسو عليها بشدة من جهة أخرى، بل وتقسو لأسباب تافهة أحيانًا. 

    ولكن ما يزال أداء نينا فاترًا، غير أن توماس أصبح مؤمنًا بقدرتها على التحول، بسبب ما حدث بينهما في مكتبه. وهنا نلفت إلى أن كل شيء يحدث كنتيجة لما سبقه؛ ففي الدراما من المرفوض أن تقع الأحداث لمجرد أن الكاتب يريدها أن تقع هنا والآن. ثم تشاهد نينا ليلي وهي تؤدي الرقص، ويعلق توماس قائلًا إن حركات ليلي غير متقنة، لكنها صادقة. فليلي، على عكس نينا، ليست مهتمة بأن تكون الأفضل أو الأكثر مثالية، وإنما تستمتع بما تفعله، دون قلق أو سعي إلى المكانة. وهنا يؤكد سيناريو Black Swan أن ليلي هي منافسة البطلة. كما يستغل كُتّاب سيناريو Black Swan ما يسمى بعقدة إلكترا لدى الإناث، وهي العقدة الموازية لعقدة أوديب لدى الذكور، وتعني انجذاب الأنثى عاطفيًا نحو الأب في سنوات عمرها الأولى، وشعورها بالغيرة من أمها. وفي Black Swan يحل توماس محل الأب، الذي تسعى البطلة إلى إثبات قدراتها له، وتنافسها في ذلك ليلي، حتى أن نينا خُيل إليها في أحد المشاهد أن توماس وليلي يتضاجعان. ثم تأتي مراسم انتقال البطلة رسميًا من عالمها الاعتيادي إلى عالم المغامرة، وذلك من خلال غدو غرفة بيث غرفتها، وكذلك من خلال الحفل الذي أقامه توماس في منزله، وودع فيه بيث، وأعلن اختيار نينا بطلةً لعرض ملكة البجع. وقد غادرت بيث المكان، غير متحملة لحظات الوداع ونظرات الحضور، في حين ضحكت ليلي بعفوية عندما أعلن توماس قدوم نينا، ليؤكد الكُتّاب، مرة بعد أخرى، أن ليلي هي منافسة نينا، كما أن نينا منافسة بيث، وكما أن البجعة البيضاء منافسة للسوداء. ومن المثير أن الطبيعة تحارب دائمًا الشخص غير الواثق في قدراته، عن طريق زرع أسباب الشك في تآمر الآخرين ضده، رغم وجود أدلة تنفي ذلك. فليلي، حين وجدت نينا في المرحاض، تعاملت معها بلطف شديد، مما يدل على سلامة نواياها تجاهها، لكن نينا استمرت في الشك في حقيقة ذلك.

    ولأن توماس مدركٌ أن الجنس مفتاح التحرر بالنسبة إلى نينا، نجده يخوض معها حديثًا عنه حين يجلس معها في منزله منفردين، بل طلب منها أن تداعب نفسها، لمّا علم أنه ليس لديها حبيب. ورغم أن الجنس الطبيعي بين الذكر والأنثى مكروهٌ لدى نينا، إلا أنه طُلِب منها أن تمارسه بطريقة غير طبيعية، وذلك من شأنه أن يدفعها إلى أن تكون أكثر انفتاحًا وتقبُّلًا لنفسها. ولكنها ما تكاد تندمج في المداعبة حتى تكتشف وجود أمها في الغرفة، في دلالة على أنها الباعث الأول للخوف من الخطأ. إنها الأم التي خلعت لها ملابسها بالكامل، لما وجدت الخدش في ظهرها قد ازداد، وقامت بتقليم أظافرها بنفسها. إنها تقتحم خصوصيتها بالكامل، ولا تتوقف عن تعزيز إحساسها بالذنب، ذلك الإحساس الذي يزداد أكثر فأكثر عندما تعلم نينا أن بيث دخلت المستشفى بعد تعرضها لحادث. ولكن نينا تستمر في رحلتها رغم الإحساس الرهيب بالذنب. وفيما يتعلق بخصوصيتها، تعثر نينا على عصًا تفكر في استخدامها لمنع الأم من الدخول إلى غرفتها وقت الحاجة، وهو ما يسمى في الدراما بتقنية الزرع والحصاد؛ أي زرع تفصيلة ما في مشهد، من أجل استخدامها في مشهد تالٍ. ولكن، رغم استمرار نينا في المحاولة، فإنها تعاني فتورًا في تأدية دور البجعة السوداء، فتورًا جعل بطل العرض ينفي رغبته في مضاجعة هذه الفتاة حين سأله توماس. وهذه المرة لا يكتفي توماس بتقبيلها، وإنما يلامس مناطقها الخاصة، ويطلب منها أن تتجاوب معه. وهنا ننوه مرة أخرى إلى أن الأحداث متسلسلة ومترتبة بعضها على بعض؛ ففيما مضى قبّلها توماس فقط، ثم دعاها إلى أن تداعب نفسها جنسيًا، ولما لم يجد كل ذلك نفعًا، قرر أن يداعبها بنفسه، وأن يغويها من أجل أن يدفعها إلى إغواء بطل العرض. 

    ويُخيَّل إلى نينا، مرة أخرى، أنها ترى نفسها، لكنها تكتشف أنها ليلي. هنا يحدث ما يسمى في الدراما بالتحول في نقطة المنتصف، إذ تأخذ الأحداث منعطفًا مختلفًا، فيظهر بوضوح التبادل بين شخصية ليلي ونينا المتخيلة، التي تظهر للبطلة باستمرار، كما تتحول الأحداث مع تقرب ليلي من نينا. ولأن الأحداث متسلسلة، كما ذكرنا، يتحدث معها توماس هذه المرة عن بكائها وشكواها، ثم تذهب نينا إلى لوم ليلي على الوشاية بها. ومما يعكس، أكثر فأكثر، طبيعة شخصية نينا، اعتذارها لتوماس عن عدم قدرتها على الأداء بصورة سليمة، وهو ما أثار غضبه ودفعه إلى أن يصرخ في وجهها، مطالبًا إياها بأن تتوقف عن كونها ضعيفة. ونلاحظ أيضًا أن نينا كانت تهرب من التقاء عينيها بعيني ليلي لحظة مواجهتها لها برفضها لما فعلت. ولكن ليلي، كرد فعل على ذلك، تزور نينا في المنزل، وتصطحبها للخروج والسهر في ملهى ليلي، وهو ما حاولت الأم منعه، وكانت تتصل بنينا كثيرًا أثناء خروجها. وقد آثر كُتّاب Black Swan أن تنشأ علاقة جنسية بين نينا وليلي، ليس فقط لأن العلاقة السحاقية أكثر جرأة من العلاقة الطبيعية، وإنما أيضًا لأن ليلي، كما ذكرنا، هي منافسة البطلة، وهي الشخصية التي يحدث التبادل بينها وبين نينا المتخيلة. وجدير بالذكر أن نينا المتخيلة هي الخصم في سيناريو Black Swan؛ إذ إن الفيلم دراما نفسية، وفي الدراما النفسية غالبًا ما يكون البطل هو نفسه الخصم. لكل بطل، في أي نوعية فيلمية، صراعٌ داخلي، ولكن في الدراما النفسية يكون الصراع الداخلي هو الصراع الرئيسي؛ لذلك يجوز أن يكون البطل هو نفسه الخصم. وكنتيجة لما حدث بين نينا وليلي، أو بين نينا ونينا المتخيلة، تتأخر نينا لأول مرة عن موعد التدريب، ولما تحضر تجد ليلي تؤدي دورها، وذلك على عكس ما حدث في البداية؛ فقد كانت نينا دومًا ملتزمة، وكانت ليلي هي من تحضر متأخرة. وقد استخدم كُتّاب Black Swan ذلك ليس فقط من أجل التأكيد على المنافسة بينهما، وإنما أيضًا للتعبير عن التغير في شخصية نينا.

    هنا تقرر نينا أن تلقي بالدمى القطنية الخاصة بها في القمامة، وأن تكسر اللعبة التي تنام على موسيقاها، وكأنها تتخلص من الطفولة، وتنتقل إلى مرحلة أكثر نضجًا، بعد أن مارست الجنس بشغف لأول مرة، وأصبحت ناضجة نفسيًا. ولمّا أصبحت ليلي بديلتها رسميًا في العرض، قررت نينا أن تعيد أغراض بيث، وقالت إنها فهمت شعورها الآن، بعدما ظهرت لها منافسة. ومن الملفت أن يأتي مشهد مشابه للمشهد الذي جاء في البداية، حين شاهدت نينا ملصقات دعائية تحمل صور بيث، ولكن هذه المرة كانت الملصقات تحمل صور نينا.، التي تعجز عن التوفيق بين البجعة البيضاء والبجعة السوداء في داخلها، وفي الحقيقة، يحتاج الإنسان إلى التوفيق بينهما ليكون إنسانًا سويًا. ولكن البجعة السوداء في داخل نينا تقرر أخيرًا الظهور، وتغلب البجعة البيضاء؛ فتزداد الجروح والخدوش في جسد نينا، وتحمر عيناها، ويخرج ريش أسود من ظهرها، وتُخرج أمها بالقوة من غرفتها، قبل أن تنكسر قدماها، قدما البجعة البيضاء. ومن الملفت أن القدمين هما الأداة الأساسية لراقصي الباليه، وبعد أن تغفو نينا، نرى لعبة موسيقى النوم، التي تحمل راقصة باليه، مكسورةً. لقد انكسرت البجعة البيضاء. وحاربت نينا أمها من أجل الذهاب إلى العرض، حتى إنها ضغطت على يدها التي أُصيبت في اليوم السابق بفعل نينا، من أجل أن تخرج من الغرفة، وقالت لأمها إن أميرتها الصغيرة قد ذهبت، وقبل أن تخرج، أضافت قائلة إنها ملكة البجع، وإن الأم هي التي لم تستطع أن تكون راقصة باليه ناجحة. لقد رفضت البجعة السوداء تضحية الأم، وما يترتب عليها من شعور بالذنب. إن البطلة بطلة لأنها تملك المهارة الكافية لتكون راقصة باليه ناجحة، في حين لم تكن الأم تملك هذه المهارة، لكنها لم تتقبل ذلك، فأقنعت نفسها بأنها تضحي من أجل ابنتها. 

    إن البجعة السوداء قادرة على تأدية دور البجعة البيضاء، وليس العكس. ولأن البجعة السوداء غير مثالية، سقطت نينا أرضًا أثناء تأدية فقرة البجعة البيضاء. ومن الملفت أن زملاءها اهتموا بالاطمئنان عليها بعد انسدال الستار؛ فهم يحبونها، على عكس ما تظن، إذ كانت دائمًا تتخيل أنهم يضحكون عليها، أو يذكرونها بالسوء. ولكن ما يزال صراع نينا بين البجعة السوداء والبجعة البيضاء قائمًا؛ فرؤية نينا لنفسها المتخيلة أثناء تأدية دور البجعة البيضاء جعلتها تسقط، قبل أن تظهر لها البجعة السوداء في غرفتها، وتشتبك معها اشتباكًا جسديًا، ينتهي بقتل نينا لها. لقد خيل إلى نينا أنها قتلت البجعة السوداء، في حين أنها قتلت البيضاء، من أجل أن تتحول إلى بجعة بيضاء وسوداء في الوقت ذاته. هذه المرة لم تسرق أحمر شفاه، بل قتلت من أجل أن تتغير. ومن الملفت أن نينا قتلت نفسها بقطعة من زجاج المرآة، والمرآة تُستخدم هنا للتعبير عن الانعكاسات. إن تحول نينا إلى بجعة سوداء مؤقتاً جعلها تؤدي أداءً مبهرًا؛ فاحمرَّت عيناها، واسودَّ جسدها، وظهرت لها جناحان. لقد أصبحت قادرة على التحليق عاليًا، غير متمسكة بأرض المثالية المملة، بل وفاجأت توماس بأن قبلته قبلة طويلة جامحة، وفي هذه المرة هو من خجل وارتبك. ولأنها تقبلت وجود البجعة السوداء في داخلها، استطاعت أن تعود بيضاء لتأدية المشهد الأخير. ولكن كلما كان الصراع عميقًا، كان الانتصار أكثر كلفة، وكلما كان الخصم قويًا، كان ثمن التغلب عليه باهظاً. وكانت مشكلة نينا قوية إلى الحد الذي كلفها التحرر منها حياتها. ومن الملفت أن نينا وجدت ثقب الجرح في فستان البجعة البيضاء، لا السوداء. لقد قتلت البيضاء من أجل إحياء السوداء، لأنها غير قادرة على تقبل كلتيهما في جسد واحد. ولكن حين تقرر أن تستمر، متقبلةً دفع هذا الثمن الباهظ، تشعر لأول مرة بأنها مثالية. ومن الملفت أن آخر من نظرت إليه نينا كانت أمها، التي جاءت وجلست بين الحضور، في دلالة على أن الأم ليست عدوتها، وأن داخل هذه الأم الغولة التي صنعت هذه الطفلة المجروحة امرأةً خائفةً مسكينة.

تم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال