يوميات قابلة للنشر - 17 فبراير 2026

يوميات قابلة للنشر
* * *

للمرة الثالثة طلبتُ من فتاة البيانو أن نرتبط، وللمرة الثالثة رفضت. للمرة الثالثة أُرفض من الفتاة نفسها، وللمرة الثالثة أُرفض من فتاة خلال أقل من شهر! الأولى قالت إننا غير متوافقين، والثانية قالت إنني لا أشبهها، والأخيرة دائمًا ما تقول لي إنها ترفض فكرة الارتباط، في حين أنها كانت مرتبطة قبل بضعة شهور. هذه المرة لم أحزن مثلما فعلت في السابق، أو ربما هكذا أقنعت نفسي، ووعدتها أن صداقتنا لن تتأثر بما حدث. أظن أنني كنت صادقًا حينها، ولكن لماذا بعدها حدث ما حدث؟ لماذا حاولت قتل نفسي؟!

لم يكن رفض الفتاة هو السبب الوحيد، بل ما حدث في العمل لدى أحد المصانع في النوبارية، بعد الفشل في عدد من الوظائف الأخرى، منها نادل في مقهى، وموظف مكتب في مساحة عمل. ذهبت إلى هذا العمل رغم أنني أرفض فكرة العمل لأكثر من ثماني ساعات، وكان دوام هذا العمل اثنتي عشرة ساعة! على أن أتركه بعد شهر أو أسبوع، أكون قد جمعت فيه مبلغًا من المال، ولو بسيطًا، أعتمد عليه لبعض الوقت. ليس لدي أي خطة واضحة للمستقبل. المدمن لا يتفكر إلا في اللحظة الحالية، يحاول أن يحصل على جرعة مادته من أجل السعادة اللحظية، بغض النظر عن العواقب مهما كانت. هكذا تحولتُ إلى مدمن، لا يفكر إلا في توفير بعض الأموال من أجل السجائر والحشيش، يفكر في توفير احتياجات الوقت الحالي فقط بأي ثمن، دون تحسب للمستقبل. من أجل التعاطي يفكر في بيع اللابتوب، أو الهاتف، أو الكتب، أو الحقيبة الجلدية الغالية التي اشتراها له الوالد حين التحق بكلية العلوم.

خلعت ملابسي في غرفة تبديل الملابس في المصنع: الجاكيت والحذاء، ووضعتها في إحدى الضلف غير المغلقة بقفل، بعد أن اتفقت مع أحد الزملاء على أن يضع ملابسه مع ملابسي ويغلق القفل عليها معًا. ارتديت ملابس المصنع: قميصًا أسود، وحذاءً ضخمًا يشبه «بيادة» المجندين.

كنا في اليوم الأول زائدين عن الحاجة، فتوزعنا على أعمال ليست من اختصاصنا، منها النظافة. في البداية قلت إنه ليس من العيب أن أنظف؛ فهي وظيفة مثل أي وظيفة، ولكن لا أعرف لماذا شعرت بالمهانة عندما بدأت في التنظيف. لم يكن التنظيف في ذاته مهينًا، ولكن ربما لم تكن وظيفتي. لست مؤهلًا للقيام بها، ليس لدي القدرة على كنس أرضية المصنع مرارًا وتكرارًا، ومسحها بالماء والصابون وتجفيفها، ناهيك عن الضوضاء المميتة التي تُحدثها الآلات. عندما أقول ذلك أعلم أنني أبدو وكأنني فتى رقيق مدلل، ولكنها الحقيقة. الآلات، بضخامتها وضوضائها، تصيبني بالوحشة والإحباط.

لم تمر ساعات قليلة حتى قررت ألا أستمر في هذا العمل. قالوا لنا إننا سنعمل في النظافة في اليوم الأول فقط، ومن بعده سوف نعمل على الماكينات، ولكني لما رأيت ما يفعله زملائي على الماكينات شعرت أنني لن أكون قادرًا على فعل ما يفعلون. إنه مجهود بدني ضخم جدًا. أعلم أيضًا أنني حين أقول ذلك أبدو وكأنني فتى ضعيف وغير مسؤول، ولكنها الحقيقة. لقد أقبلت على هذا العمل لما وجدت نفسي غير قادر على تحمل الأعمال التي تتطلب مجهودًا ذهنيًا أمام أنظمة التشغيل على أجهزة الكمبيوتر. قلت إنني لا أجيد التركيز ذهنيًا إلا على الكتابة، ولذلك سوف أعمل في وظيفة تحتاج إلى مجهود بدني، ولكني سرعان ما اكتشفت أنني غير قادر على هذا ولا ذاك.

تناولت طعام الغداء في العمل، وأخبرت المسؤول عن الموظفين برغبتي في عدم الاستمرار. حين أرغب في ترك عمل ما، لا أستطيع التحمل حتى نهاية اليوم. هناك أناس يقررون الرحيل، ومع ذلك يقدرون على البقاء لبقية الشهر، لا أعرف كيف يفعلون ذلك. ما إن أشعر برغبة في الرحيل حتى أود لو أطير إلى سريري في جزء من الثانية.

بعد أن حاول أحد الزملاء إقناعي بالاستمرار، طلبت منه أن يوصلني إلى صديقه الذي معه مفتاح الدولاب، وعدت إلى غرفة الملابس. بحثت عن الضلفة التي وضعت فيها ملابسي، ووجدتها مفتوحة وفارغة! لقد وضعت ملابسي في غير ضلفة الزميل الذي اتفقت معه على القفل على ملابسي وملابسه، وهي الآن غير موجودة، لا في ضلفته ولا في تلك التي وضعتها فيها! أدركت على الفور أنها قد سُرقت، ولكن عبثًا حاولنا البحث عنها، قبل أن أجلس مستسلمًا للبكاء. كان الجاكيت الوحيد الذي أملكه، والحذاء الأبيض الوحيد الذي يصلح للخروج به. كيف سأشتري جاكيتًا وحذاءً جديدين في ظل تعثري المادي الشديد، وعدم رغبة الوالد في أن يدفع لي بسبب السجائر؟! بكيت أمام الزميل كما يبكي الأطفال، وتساءلت: لماذا يحدث معي كل ذلك؟ كانت الساعة الرابعة، وكان عليّ أن أنتظر حتى الثامنة مساءً من أجل ركوب سيارة العمال، نظرًا لعدم توافر مواصلات من مكان المصنع إلى الإسكندرية. لقد رفضت حتى أن أستغل هذا الوقت في العمل من أجل الحصول على يوميتي، وفضلت الانتظار خارج المصنع حتى تأتي الساعة الثامنة.

لسبب ما شعرت أنني أُعاقب بسبب السجائر، فأمسكت بالعلبة التي كانت معي وألقيت بها في سلة القمامة، ولكن بعد حوالي نصف ساعة عدت وبحثت عنها واستخرجتها، وأشعلت سيجارة! شعرت أنني شخص حدّي ومدمن كما يقول الكتاب، وتذكرت مشهدًا من مسلسل «تحت السيطرة»، قامت فيه مريم بإلقاء تذكرة المخدرات في القمامة، وبعد ثوانٍ عادت واستخرجتها.

كان عليّ أن أترك بطاقتي للموظف المسؤول عن ملابس العمال حتى يسمح لي بالعودة إلى البيت مرتديًا حذاء العمل بدلًا من حذائي الذي سُرق، ولكن عدم رغبتي في العودة إلى هنا ثانيةً جعلتني أقرر أن أعود إلى البيت بلا حذاء. ولحسن الحظ أشفق عليّ زميل فأعطاني حذاءه، على أن أعيده له في اليوم التالي قبل أن يذهب إلى المصنع.

عدت إلى البيت. لا أتذكر ما حدث، لا أتذكر إن كنت قد بكيت أم ماذا، ولا أتذكر ماذا حدث في اليوم التالي بالضبط. تعاطي الحشيش جعلني شخصًا شديد الاندفاع، خاصةً أنني مصاب باضطراب الشخصية الحدّية، ولكني لم أدرك ذلك وقتها. لم أدرِ أن أثر تعاطي الحشيش قد يؤثر ويتأثر بتعاطي الدواء النفسي. لا أتذكر فيمَ فكرت بالضبط، ولكني منذ تعاطيت الحشيش أول مرة لم أعد أخشى الموت مثل السابق. إنني أؤمن أن الحالة التي أكون عليها بعد التعاطي تشبه الحالة التي سنكون عليها في العالم الآخر، وبالتالي لم يعد الموت مجهولًا، لم يعد مخيفًا، بل مثيرًا. إنني أحب أن أعيش في هذه الحالة إلى الأبد.

وبعد ما حدث، كانت كل سبل الحياة قد أُغلقت في وجهي؛ لا نجحت في الكتابة، ولا في العمل التقليدي، ولا في الحياة العاطفية. وتذكرت فينسنت فان جوخ. أظن أن قصته هي ما دفعت الناس للإعجاب بأعماله، وفكرت أن موتي قد يفعل الشيء نفسه. ربما كتاباتي ستظل بلا قيمة ما دمت حيًّا، ولكن إن متّ سيلتفت الناس إليها، ليس لأنها جيدة، ولكن لأن القصة مثيرة: الكاتب الذي يئس من الفشل فانتحر، فنجحت أعماله وأثر في الناس أيما تأثير. توقفت عن الحلم للحظة وفكرت بصدق وواقعية: ماذا سأستفيد إن نجحت أعمالي بعد وفاتي؟ لا شيء، واقعيًا لا شيء. ولكن الحياة غريبة؛ لا يزال المرء منشغلًا بها حتى وهو يخطط لمفارقتها. إن الإنسان يحب أن يُعرَف اسمه، ويؤثر في الناس، ويُخلَّد بعد موته، حتى وإن لم يستفد شيئًا في الواقع إثر ذلك.

ظننت الموت سهلًا، ظننت أن تناول جرعة زائدة من دواء سيؤدي إلى أن يُغمى عليّ ومن ثم أموت. تناولت عشر حبات من أحد الأدوية النفسية التي لديّ. استلقيت على سريري، غطيت جسدي، وانتظرت الموت. انتظرت الملكين أن يأتيا، أن يسألاني عن إلهي ورسولي وديني، وكنت مستعدًا للإجابة، بل وجعلت أنطق الشهادة: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله» غير مرة، وقرأت بعض سور القرآن. لاحظت ازديادًا هائلًا في سرعة ضربات القلب. أظن أنني غبت عن الوعي لبعض الوقت، قبل أن أعود لأجد جسدي ينتفض: قدماي، رقبتي، وأنفاسي تتلاحق. جاء أخي ليسألني عن شيء، لم أتحرك فظن أنني نائم، وكذلك الوالد. بذلت مجهودًا من أجل مقاومة الرعشة أثناء وجودهما في الغرفة. قضيت حوالي ساعة كاملة وجسدي متشنج ونفسي مضطرب. ولما طال الوقت رغبت أن أنهي الأمر بنفسي، فأغلقت فتحتي أنفي بيدي، ولكن يديّ كانتا تُدفَعان بعيدًا عن أنفي بأمرٍ من المخ، بالقوة، رغم عدم إرادتي. انتظرت طويلًا لحظة خروج الروح، وتعجبت: لماذا لا أرى شريط حياتي أمام عيني كما يحدث مع بقية الموتى؟

وفجأة عدلت عن قراري. قررت بعد تردد أن أنادي على الوالد لينقذني، وكانت الكلمات تخرج من فمي بطريقة غير مفهومة، ليس لأنني متلعثم، ولكن لسبب ما كانت الكلمات غير قابلة للفهم من قبل المستمعين. حاولت أن أشرح لهم ما حدث، وطلبت منهم أن يذهبوا بي إلى المستشفى. فزعوا أيما فزع؛ صرخت الأم ولطمت خديها، وهتف الوالد بأعلى صوته: «إيه اللي حصل يا ميدو؟» كنت عاجزًا عن الحركة تمامًا. حملوني بصعوبة ونزلوا بي سُلّم البناية، قبل أن يضعوني، بصعوبة أكبر، داخل «تمناية» ويتوجهوا بي نحو المستشفى. كنت أبكي بحرقة وأصرخ بلا توقف. رفضت المستشفى استقبال حالتي، ربما خوفًا من الشبهة الجنائية، وكان عليهم أن يذهبوا بي إلى مستشفى أخرى في محطة الرمل. كان الطريق طويلًا. تقيأت عدة مرات، وكان ذلك جيدًا؛ كنت أشعر أنني أعود إلى وعيي للحظات، تمامًا مثلما كان يحدث بعد تعاطي الحشيش، ولكني سرعان ما كنت أعود إلى الهذيان والهيستيريا. كنت أقول للوالد إنني أخشى أن يلومني على ما فعلت. قال لي: «لا»، وطلب مني ألا أُجهد نفسي بالتفكير في مثل هذه الأمور.

وصلنا إلى المستشفى. كنت أصرخ في الممرضين والأطباء من أجل مساعدتي، ولكنهم ما إن عرفوا أنها محاولة انتحار حتى أصابهم النفور والسخط. كانوا يعاملونني بقسوة وعدم اهتمام، وكأنني لا أستحق، في حين كانوا يعاملون غيري من المرضى بطريقة أفضل. وكنت في حالة جعلتني أتصرف دون تفكير، أقول كل ما يدور في داخلي دون حسابات، تمامًا مثل حالة تعاطي الحشيش، فقلت لأحد الأطباء: «أنتوا بتحكموا عليّا إني كافر عشان كده مش عايزين تساعدوني؟» فردّ عليّ بجفاء قائلًا: «هو حد كلمك؟»

جاءتني رسالة من فتاة البيانو. كتبت لي: «كل سنة وأنت طيب»، بمناسبة شهر رمضان. قلت لها إنني في المستشفى بعد أن حاولت الانتحار. قالت إنها آسفة لحدوث ذلك. وجدتني أقول لها: «أنتي أكتر حد تعبني في حياتي.. عمري ما هسامحك». بعد أن أفقت ورأيت هذه الرسالة تعجبت: لماذا قلت ذلك؟ ولكني لم أرغب في مسحها أو محاولة تصحيح الأمور. فضّلت أن أترك الرسالة كما هي، ولم تردّ الفتاة عليها حتى الآن. 

جاءني مصطفى بعد أن هاتفني وردّ عليه الوالد. لم يسمحوا له سوى بدقيقتين معي. قلت له إنني فاشل في العمل، وإنني رُفضت من قبل الفتاة للمرة الثالثة. كان في حالة غريبة، لم يكن بكامل حضوره الذهني في تلك اللحظة، كان عقله مشغولًا بشيء ما. أظن أنني كنت أتصرف بطريقة منفّرة، أطلب الاهتمام بشكل مباشر، حتى إنني طلبت من الوالد أن يتصل بأصدقاء الجزويت! أليس من المفترض أن يسأل الناس عني فيعرفوا ما حدث، لا أن أخبرهم بنفسي حتى يسألوا عني؟ كم أنا غريب!

رحل الوالد بعد أن طلبوا منه ذلك، وأخبرته أنني سأكون بخير. علقوا لي محلولًا. نمت نومًا مضطربًا لأنني لم أتناول دواء مضاد الاكتئاب الذي يساعدني على النوم. قاسوا لي الضغط مرة، وسحبوا عينة دم مرة، وكانوا قد أعطوني شرابًا من الفحم لتطهير المعدة من الدواء الذي تعاطيته، ولكني تقيأته أول مرة، قبل أن تستقر معدتي وأستطيع أن آكل وأشرب. ولكنني كنت عاجزًا عن التحكم في جسدي؛ ما إن أحاول الوقوف حتى أميل وأكاد أسقط. كنت أذهب إلى الحمام بصعوبة، وأنسى كيف أعود إلى العنبر. كان الحمام داخل العنبر، وكنت أدخله وأخرج منه دون أن ألاحظ ذلك، كنت أخرج من العنبر وأدخله ثانية ظناً أنه غرفة مختلفة، لأنني كنت فاقدًا القدرة على التركيز.

في اليوم التالي جاء الوالد والوالدة. خرجت من المستشفى على مسؤوليته، وكان من المفترض أن أظل تحت الملاحظة لمدة أربعٍ وعشرين ساعة. ساندوني طوال الطريق، وأحضروا لي قهوة وفاكهة، وحصلوا من المستشفى على زجاجة بها مشروب الفحم المطهر على أن أشرب منه كوباً كل أربع ساعات.

بكيت غير مرة، وأخبرت الوالد بكل شيء. قلت إنني غاضب منه بسبب الصفعة ذاتها، قلت إنني بعدها أصبحت أتخيل أن الجميع سيصفعونني أثناء التحدث معهم. قال لي إن فشلي في العمل لا يهم، واعتذر عن تضييقه عليّ فيما يخص المصروفات. لم أشعر أن الأزمة قد انحلّت، لم أشعر أن شيئًا قد تغير. وفي الأيام التي تلت ذلك، ما زلت أحاول استيعاب ما حدث، وأحاول استنتاج ما الذي عليّ أن أفعله، خاصةً فيما يتعلق بالسجائر والحشيش، سبب الأزمة المادية والاندفاع الرهيب والجنوح نحو المت الذي أصابني في الفترة الأخيرة.

تمت.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال