ميدو يحكي - سيرة ذاتية - الفصل العشرون
قبل الحادثة بوقت قصير، عادت فتاة البيانو إلى حياتي. لقد اكتشفت أنها حبي الأول. جميع اللاتي اهتممت بهن فيما مضى لم أحب أيًّا منهن حبًّا حقيقيًّا؛ كان مجرد إعجاب، أو فراغ عاطفي أحاول ملأه باختيار أنثى أراقبها في صمت، وأحيانًا كنت أحاول التقرب منها. قبل أن تظهر المحبوبة، كنت في علاقة مع فتاة أخرى. كانت عميلة في مساحة العمل التي عملت بها. تجرأت وأخبرتها أنني مهتم بها. لأول مرة، أدخل في علاقة متفق فيها بيني وبين الطرف الآخر على أننا متحابان، ولسنا صديقين، ولكنها قالت لي بعد وقت قصير إننا لسنا متوافقين. ولما طلبت من فتاة البيانو الارتباط، رفضت. للمرة الثالثة، رفضتني. بعد الحادثة بشهور، ظهرت في حياتي فتاة أخرى، عرفتها من الجزويت. لا أدري إن كنت قد فسرت اهتمامها بشكل خاطئ على نحو الإعجاب وقبول الارتباط، أم أنها بالفعل فعلت ما يدعو إلى ذلك. لا أريد أن أراجع رسائلنا على واتساب، خشية من انقباض قلب قد يأتيني إذا اكتشفت أنني المخطئ، لقد قالت لي، حين غضبت من رفضها، إنني لا بد وأن أتقبل الرفض. أشعرتني بإحراج شديد. كان غضبي ليس الباعث عليه رفضها وحده، بل رفض كل من سبقنها. لأول مرة، قررت ألا أقول: «تمام، وأنا مش حزين». قلت لنفسي: لماذا أطوي أحزاني بين جوانب صدري وأسكت؟ لم لا أغضب وألوم؟ لقد سئمت الرفض العاطفي: «أنت فاهم غلط يا ميدو، أنت مش فاهم حاجة يا ميدو، أنا بحبك بس مش عايزة نرتبط، أنت مش كفاية يا ميدو».
أما فيما يتعلق بالجوانب الأخرى، فقد أعطاني الوالد أموالًا لأشتري معدات التصوير: هاتفًا جديدًا، ومعدات إضاءة وتسجيل. ولكن جهاز الكمبيوتر المحمول خاصتي لا يتحمل مونتاج فيديوهات عالية الجودة، كما أن بيتنا البائس لا يصلح ليكون خلفية فيديو، في زمن السيت أب والموشن جرافيك. هذا البائس ميدو ليس له مكان. لقد قال الكثيرون من اليوتيوبرز: «ابدأ بأبسط الإمكانيات»، ولكن ماذا عن عدم وجود إمكانيات مطلقًا؟
ومن الغريب أنني حين أنشأت صفحة لبرنامج أقمته مع صديقة تعمل أخصائية نفسية، استجاب أناس كثيرون؛ تفاعلوا وعلقوا واهتموا بالفعالية. ولقد رأيت صناع محتوى ينشرون الفيديو الأول لهم أو المقال الأول، وتنهال عليهم المشاهدات والتعليقات. ليست بالمئات أو الآلاف، ولكنها تأتي. لا أدري فيمَ أخطأ محتوى ميدو يكتُب. لا أعرف صدقًا ما يمنع وصولي إلى الناس. فكرت في سببين. الأول هو أن الحياة تختبرني في أهم ما لدي: الكتابة. لقد حالفني الحظ وآزرني التوفيق، فقُبلت في معهد السينما، وأثرت إعجاب لجنة تحكيم، فنلت جائزة عن أول نص أكتبه. كنت في هذه الفترة في أصعب أوقات حياتي نفسيًّا. ربما وُفقت لأنني لم أكن لأتحمل أي فشل متعلق بالكتابة. أما الآن، وبعد خمس سنوات من العلاج النفسي، فيبدو أن الوقت قد حان لأثق في قدراتي، رغم أن كل ما يحدث حولي يدفع نحو النقيض.
أما السبب الثاني، فهو على العكس تمامًا: من الممكن أنني أسير في الاتجاه الخاطئ، وسأكون بطلًا سلبيًّا إن ظللت مقتنعًا بصحة اتجاه مسعاي. إن كنت بطلًا تقليديًّا، عليَّ أن أدرك الحقيقة وأتراجع. فكرت في التوقف عن الكتابة، وفكرت في أن أكتفي بسبع سنوات من التعلم والتجريب، ومؤخراً التعليم. ولكن الكتابة هي أملي الوحيد، إنني فاشل إلى أقصى حد في العمل في الوظائف التقليدية. كما أنني أُرفض في المقابلات بنسبة تسعين بالمئة بسبب التلعثم، وأحيانًا ما أُرفض دون مقابلة، بمجرد أن أتكلم فيعرفون حقيقتي. لقد قال لي موظف إحدى شركات الكول سنتر اليوم إننا في حاجة إلى مقابلة أخرى. قلت له: «هل التلعثم يمثل عائقًا؟» قال لي: «نعم، وعائقًا كبيرًا، ولكننا سوف نتقابل ثانية لنرى ماذا سنفعل في هذا الشأن». ولا أظن أنه سيرسل لي ليبلغني بميعاد المقابلة. أظن أنه سيتراجع عن قراره إن فكر في الأمر ولو للحظة. من عساه أن يوظف متلعثمًا في خدمة العملاء؟ لقد قلت له أثناء المقابلة إنني أريد أن أعمل في هذه الوظيفة لتساعدني على التغلب على التلعثم، وإنني أفضل مواجهة مشكلتي، لا الهرب منها. إنني أريد أن أعيش كإنسان عادي، إنسان له كرامة. لذلك أرفض العمل فيما دون وظائف خدمة العملاء، لأن المرتبات قليلة جدًا، أقل بكثير من الجهد المبذول في العمل.
لقد تقدمت إلى عدة وظائف أخرى، منها إدخال بيانات، وأهمها وظيفة مدير البرنامج الأدبي في الجزويت، رغم حزني منهم وغضبي عليهم، بعد ما لاقيته من معاملة فظة من قبل مدير المركز، ولكني أقول لنفسي إنني أفضل ألا أختزل المكان ولا الأشخاص فيما ضايقني منهم، وأنسى بذلك وجود الكثير مما أسعدني، لقد أحبوني وساعدوني في كثير من المواقف، لا أريد أن أنسى ذلك. وقد طلبت مني نائبة المدير أن أذكرها بالأمر، مرة واثنتين وثلاثًا. لا أدري إن كانت تنسى بالفعل، أم أنها تزحلقني بالطريقة.
لماذا أكتب هذا الحديث؟ لا أعرف، ولكني شعرت أن نهايتي اقتربت، فأردت توثيق ما حدث بعد الحادثة، وبعض ما نسيت أن أحكيه قبلها. أما فيما يتعلق بالأسرة، فقد اهتموا وراعوني لفترة، ولكن السجائر ما تزال عائقًا بيني وبين الوالد. بعد أن كنت أطلب منه مئتي جنيه كل يومين أو ثلاثة، أصبحت أطلب عشرة وعشرين جنيهًا لشراء سجائر فرط. ومن العجيب أن الأمر لا يروق له. يقول بين الحين والآخر: «كل يوم عشرة وعشرين جنيه!». ولقد طلبت منه أن يتحدث إليَّ حين يضيق بمصروفاتي، وألا يتوجه بغضبه تجاه الآخرين. وكانت اللعنة! بات يتحدث بصراحة مؤلمة بين الحين والآخر، ويقول: «مفيش والله.. لو فيه مش هصتخصر فيك». لقد واجهت مواقف محرجة لا حصر لها بسبب السجائر، إذ تضطرني إلى عدم القدرة على الاحتفاظ بأي أموال، ما عدا مصروفات المواصلات، وأحيانًا القهوة. فحين يقرر الأصدقاء الجلوس في مقهى أو تناول الطعام، أنسحب أو أقول: «مليش نفس».
وما يزيد الأمور سوءًا فوق سوؤها هو عدم قدرتي على الذهاب إلى الطبيب من أجل ضبط جرعة الدواء، الذي زال مفعوله تقريبًا بمرور الوقت. وإحقاقًا للحق، فالوالد يدفع أموال الدواء والطبيب دون نقاش، وهذا تغير كبير في شخصيته؛ فيما مضى، لم يكن معترفًا بأي نوع من أنواع العلاج النفسي. ولكني لا أريد أن أطلب منه خمسمائة جنيه من أجل زيارة الطبيب، لأنه سيرفض في الأيام التالية أن يعطيني عشرين جنيه من أجل السجائر أو خمسين من أجل الخروج مع الأصدقاء، متأثراً بثقل سعر جلسة الطبيب. وكذلك لا أقدر على زيارة صاحبة الأثر. إنني أتحمل بصعوبة مصروفات السجائر، وما يترتب عليها من رفض واستنكار، وفيديوهات قصيرة عن الإقلاع عن التدخين يرسلها الوالد إليَّ على واتساب باستمرار.
الانتحار يراودني. هذه المرة سوف أقطع شرايين يدي اليسرى، هذه المرة لن أتراجع في اللحظة الأخيرة، هذه المرة... هذه المرة، هل سأموت حقًّا؟ إن مت، أريدكم أن تعرفوا شيئًا واحدًا فقط: إنني ممتن لكل من قرأ وتفاعل وعبّر عن إعجابه بكتاباتي. إن ميدو يكتب هو ما سأتركه في هذه الحياة، هو إضافتي، التي آمل أن تكون إضافة خليقة بالتقدير أو مثيرة للامتنان. لقد كتبت وسجلت في مشروع ميدو يكتُب كل ما عرفته وتعلمته، وكل ما استحق النشر من بين ما كتبته.
إن مت، أريدكم أن تتذكروا شيئًا واحدًا عني: لقد أحببت الحياة بقدر غير محدود، ولكنها لم تحبني بأي قدر على الإطلاق.

الانضمام إلى المحادثة