Inception - بين أخطاء مزعجة وأخرى ذكية

تحليل سيناريو Inception.
تحليل سيناريو Inception

    من المهم أن تؤسس لنوعية الفيلم من البداية. في فيلم The Odyssey الذي كتب السيناريو له كريستوفر نولان، أخطأ الأخير حين ظل السيناريو لمدة نصف ساعة يسير على نحو واقعي، ومن ثم اتضح أن نوعية الفيلم فانتازيا، ما أصابني بالإزعاج، فقررت عدم مواصلة المشاهدة. ولكن سيناريو Inception من تأليف وإخراج نولان، يبدأ بمشهد من نهاية الفيلم، حيث يقابل كوب سايتو في المكان نفسه الذي ستبدأ فيه الأحداث، وحيث يدور الحوار بين كوب وآرثر وسايتو حول الأفكار واستخراجها وزراعتها في عقول البشر.

    ومن اللافت أن بطل Inception كان الشخص الوحيد من بين الأبطال الذي يصارع شيئًا من الماضي، في حين لم يكن لأي من الشخصيات الأخرى صراعات داخلية. من الممكن أن يكون نولان قد تعمد فعل ذلك من أجل إثارة شكوكنا حول حقيقة الأحداث، وعما إذا كان كوب يعيش داخل حلم بعد حادثة زوجته، أم أنه قد عاد إلى الواقع. وقد كان في سيناريو Inception العديد من الأخطاء المشابهة التي من الممكن أن تكون مفتعلة من قِبل المؤلف، مثل قيام آرثر بخلق طريقة لإيقاظ زملائه من النوم في المستوى الثالث من الحلم، فتلك الطريقة تحتاج، من أجل إيجادها وتنفيذها، إلى كثير من الوقت، في حين أن آرثر لم يكن لديه سوى دقيقتين فقط قبل الاستيقاظ. وغيرها من التفاصيل غير المنطقية، مثل إسقاط تهمة القتل عن كوب بواسطة مكالمة هاتفية من سايتو، الأمر الذي يبدو غير واقعي إلى حد ما. إن كان نولان قد وضع هذه الأخطاء عمدًا، فهي طريقة ذكية تدل على مهارته كمؤلف، وقدرته على مخاطبة المتلقي على كافة المستويات.

    ولكن من المزعج في سيناريو Inception قيام نولان بتوضيح مفرط لآلية استخراج الأفكار وزراعتها، ناهيك عن أن شخصية أريادني موجودة في السيناريو فقط من أجل أن تسأل عن الأشياء غير المفهومة، ليقوم أحد الشخصيات بشرحها لها، وبالتالي شرحها للمشاهد. وفي رأيي، كان الحد الذي ينبغي أن يتوقف عنده السيناريو عن شرح نفسه بعيدًا. وكذلك استغرق Inception وقتًا طويلًا في مشاهد استعداد الأبطال للعملية، من أجل أن يمنحنا مزيدًا من التوضيح حول الطريقة التي سيقوم الأبطال من خلالها بعملية زراعة الفكرة.

    ومن المزعج أيضًا احتواء سيناريو Inception على مشاهد لا حاجة درامية لوجودها، غير أن المؤلف يبدو وكأنه قرر وضعها في السيناريو فقط من أجل الإبهار البصري، مثل مشهد المرآتين اللتين خلقتهما أريادني داخل الحلم، ومن ثم حطمتهما بمجرد لمسة من يدها. وكذلك المشهد الذي اشتبك فيه آرثر مع أحد حماة لا وعي فيشر المدربين في ردهة الفندق، في غياب الجاذبية. وغيرها من المشاهد المثيرة، ولكنها غير موظفة دراميًا، إذ إنها لا تضيف شيئًا يُذكر إلى رحلة البطل في التحول والتغيير، وكان من الواجب حذفها من السيناريو.

    ولكن يُحسب لسيناريو Inception التزامه بكثير من قواعد الحكي؛ فقد بدأ سرد الأحداث من قمة الأزمة، وليس من بدايتها، وتلك إحدى القواعد المهمة في الدراما: ألّا تبدأ من نقطة الصفر، وإنما من أكثر النقاط سخونة، ولكن بحيث يظل في القصة بقية. وعليه لم يبدأ Inception مع كوب وزوجته وهما يجربان ويستكشفان طبيعة الحلم داخل الحلم، ولم يبدأ السيناريو كذلك بتكليف كوب من قِبل شركة كوبول، وتخطيطه لاستخراج معلومات من عقل سايتو، وإنما أدخلنا السيناريو في قلب الحدث مباشرة. ولكن هذا، من ناحية أخرى، هو ما أدى إلى اضطرار نولان إلى الاستفاضة في شرح آلية العملية فيما بعد. وفي رأينا، كان من الممكن أن يوازن المؤلف بين البداية المشوقة الغامضة والتوضيح فيما بعد؛ أي كان عليه أن يوضح بعض الأشياء أثناء البداية، والبعض الآخر فيما بعد، لأن الغموض الشديد في البداية من شأنه أن يصيب المتلقي غير الصبور بالنفور، والشرح المفرط بعد البداية جدير بإصابة المتلقي النخبوي بالانزعاج.

    وكذلك تظهر في سيناريو Inception عدة مراحل من مراحل رحلة البطل التي كتب عنها كريستوفر فوغلر في كتابه دليل السيناريست، المأخوذ عن كتاب جوزيف كامبل الشهير البطل بألف وجه. فقد كان البطل في عالمه الاعتيادي يعمل مستخرجًا للأفكار، قبل أن يتلقى نداء المغامرة، بأن يقوم بعملية زراعة فكرة، وقد وافق بعد تردد. ولكن لما عبر عتبة المغامرة، وجد نفسه في بطن الحوت، وهي لحظة يكتشف فيها البطل أن المغامرة أصعب بكثير مما تصور. وتلك هي اللحظة التي اكتشف فيها كوب أن لا وعي الخصم مسلح. ولكن لا سبيل للعودة، وقد عبّر سيناريو Inception عن ذلك من خلال البطل، حين قال كوب إن الطريق الوحيد للنجاة هو الغوص!

    وقد مر البطل باختبار أقصى، كما يسميه دليل السيناريست، وهو أصعب ما يمكن أن يواجه البطل خلال رحلته، وهي اللحظة التي تمنحه التغير للأفضل عن طريق مواجهة أكبر مخاوفه. وكان هذا الاختبار هو مواجهة كوب لزوجته، التي تمثل صراعه الداخلي. وقد وجد كوب ما يُسمى بالإكسير، وهو الشيء الذي ذكر كامبل وفوغلر أنه وسيلة البطل نحو الخلاص من معاناته والتغلب على عيوبه. وكان ذلك الإكسير بالنسبة إلى بطل Inception هو التخلي عن رغبته في الإبقاء على وجود زوجته، وتقبّل فقدها. وحينها فقط استطاع أن ينجح في زراعة الفكرة، ويعود إلى أولاده، وانتهى من الرحلة وهو ليس الشخص نفسه الذي بدأها، إذ لم يعد مهووسًا بالتأكد من أنه في حالة يقظة، وليس داخل حلم. وظهر ذلك حين تجاهل كوب الطوطم في المشهد الأخير، وذهب ليعانق طفليه، في نهاية سعيدة مناسبة لبطل تقليدي، كما يقول الكتاب.

تم.

شكراً :)

أهلاً بك، كيف يمكننا مساعدتك؟
اكتب رسالتك...