كيف تكتب قصة قصيرة أو سيناريو قصير - من حبي فيك يا جاري نموذجاً
أولاً: البناء الدرامي للقصة والسيناريو القصيرين
• البطل الدرامي
من أسوأ القصص والسيناريوهات التي قرأتها في حياتي هي تلك التي لا أعرف من أبطالها، وحين كنت أسأل الكاتب، كان غالبًا ما يفكر قليلًا قبل أن يقول لي إنه غير مؤمن بانبغاء وجود أبطال للقصة الدرامية. لا يدري أنه بذلك يضرب أول وأهم قاعدة من قواعد كتابة الدراما عرض الحائط؛ فالدراما تقوم أساسًا على الشخوص! لا بد للدراما من أن يقودها أبطال دراميين، وهذا يقودنا إلى سؤال مهم: من هو البطل الدرامي؟
البطل الدرامي هو شخص يعاني من عيب معين، وهو ما يحتاج إلى الدخول في صراع من أجل تغييره. ولكن أليس جميع الشخصيات في الحياة لديها عيوب، وتحتاج إلى خوض تجارب من أجل التغيير؟ نعم، ولكن ما يميز الأبطال هو استعدادهم للتغير. والأبطال أيضًا أزمتهم ليست مجرد مشكلة يحاولون التغلب عليها، بل إن لدى كل بطل صراعًا داخليًا مع العيب الذي يعاني منه. قد تكون لدى شخصية فرعية مشكلة درامية، ولكن يتميز الأبطال عن الشخصيات الفرعية في أن حل مشكلتهم يكمن في تغير طبيعتهم، بينما الشخصيات الفرعية لا تتغير تغيرًا يُذكر لدى نهاية القصة.
• الحدث الدرامي
ولكن هذا البطل لكي يدخل في صراع يحتاج إلى أن يتعرض لحدث درامي، وهو حدث رئيسي يتعرض له البطل بعد وقت قليل من بداية القصة. هذا الحدث يكون متصادمًا مع العيب الدرامي الذي يعاني منه البطل، ولذلك يدخل البطل على إثر هذا الحدث في رحلة ستقوده إلى التغيير، والتغيير يختلف باختلاف نوع البطل. هنالك البطل التقليدي الذي يسير في الاتجاه الصحيح، والذي يتغير للأفضل في النهاية، مثل بطل رواية «موسم صيد الغزلان». وهناك البطل السلبي الذي يسير في اتجاه خاطئ ويتغير للأسوأ في النهاية، مثل بطل رواية «قلب الليل». وهناك أيضًا البطل الميلودرامي، الذي يحاول ويسعى، ولكن الظروف أقوى منه، ما يعجزه عن تحقيق مراده، مثل بطلة فيلم «دم الغزال».
وهناك شيء مهم جداً بخصوص القصة القصيرة، فهي تختلف عن السيناريو القصير، في عدم وجوب تغير الشخصية في النهاية، أحياناً ما يكتفي الكتاب بوجود بطل، وحدث يتعرض له، دون صراع أو تغيير، ولكن في حالة السيناريو القصير، لا بد أن يحدث تغير ما في طبيعة البطل.
• التيمة
هذا التغيير هو مفتاح التعرف على تيمة القصة، والتيمة هي شيء مجرد، غير متصل بسياق معين، تدور حوله الأحداث، مثل المثالية، والتضحية، والحرية، أو العدالة. وفي سيناريو «من حبي فيك يا جاري» القصير، كان العيب الدرامي الذي تعاني منه البطلة هو سكوتها في مواجهة رغبات أبنائها في الرحيل، وكذلك مراقبتها للجيران في صمت. ولكن، لما رحلوا عنها وجاء جيران جدد، قررت أن تغلق المنظار في أحد الأدراج، وقامت بالتواصل مع الجيران الجدد. هذا هو التغير الذي دخلت في الصراع من أجل الوصول إليه، ومن خلال التغير يمكنك ببساطة تحديد تيمة القصة، وتيمة «من حبي فيك يا جاري» هي التواصل.
يمكنك مشاهدة الفيلم قبل مواصلة القراءة.
ثانيًا: خطوات كتابة القصة والسيناريو القصيرين
1- الفكرة الدرامية
الخطوة الأولى هي كتابة الفكرة، وهي عبارة عن سطر أو اثنين يحكيان القصة باختصار شديد، مع التركيز على الفكرة الرئيسية دون سواها من تفاصيل سوف يُهتم بها في خطوات تالية. ولكن الآن، في مرحلة كتابة الفكرة، عليك أن تركز كل التركيز على الخط الرئيسي فقط. وفكرة «من حبي فيك يا جاري» يمكن أن تُكتب هكذا: «عجوز وحيدة، تؤنس وحدتها بمراقبة جيرانها في صمت، ولكنهم يرحلون، فتقرر أن تتوقف عن المراقبة الصامتة، وتتواصل مع الجيران الجدد، وتنشأ بينهم مودة».
2- الملخص
الخطوة الثانية هي كتابة الملخص، وهو عبارة عن سرد قصة سطري الفكرة في حوالي نصف صفحة، في حالة الفيلم القصير أو القصة القصيرة بالطبع، أما في حالة القصص الطويلة فالمساحة مختلفة. وفي الملخص يقوم الكاتب بحكي قصته بشيء من التفصيل، يسمح له بمعرفة ما يقارب ستين بالمئة من تفاصيل قصته قبل الانتقال إلى الخطوة الثالثة.
3- ملفات الشخصيات
بعد كتابة الملخص، يتعين على الكاتب تصميم الشخصيات في إطار الأحداث التي ظهرت في الملخص. وتصميم الشخصيات يأتي على مرحلتين:
• مخطط الشخصيات
مخطط الشخصيات هو جدول يكتب فيه الكاتب جميع الشخصيات، وعلاقة كل شخصية منهم بالحدث الرئيسي، وعلاقة كل منهم بالتيمة؛ من أجل ضمان اتصال جميع الشخصيات بالخط الرئيسي وارتباطهم بتيمة القصة أو السيناريو القصير.
• ملفات شخصيات الأبطال
بعد المخطط تأتي مرحلة ملف الشخصية، وفي هذه المرحلة يتعين على الكاتب تصميم ملف لكل شخصية رئيسية في قصته، يكتب فيه تاريخ حياتها بإيجاز، في حوالي صفحة، مع التركيز على بُعدين مهمين، وهما:
- هدف الشخصية: أي ما تسعى وراءه خلال الأحداث.
- حاجة الشخصية: وهي ما يدفعها داخليًا للسعي وراء هذا الهدف.
وفي سيناريو «من حبي فيك يا جاري»، كان هدف الشخصية استعادة وجود الجيران، وكانت حاجتها الداخلية (صراعها الداخلي) خوفها من الوحدة.
وفي «من حبي فيك يا جاري»، كان هناك بُعد ثالث لشخصية البطلة، وهو ما يُسمى بالقصة من الماضي، وهو بُعد نادرًا ما يتواجد في إطار قصة أو سيناريو قصيرين. والقصة من الماضي هي حدث معين وقع في الماضي، ولكن أثره ممتد على البطل في الحاضر، وكانت القصة من الماضي في «من حبي فيك يا جاري» هي رحيل زوجها وأبنائها.
4- المعالجة الدرامية
بعد معرفة أبعاد الشخصيات بدقة وملخص أحداث قصتهم بشيء من التفصيل، يتبقى أن نكتب النص، ولكن بشكل جاف، أي من دون جماليات، ومن دون أن يكون مقسمًا إلى مشاهد، وأيضًا من دون حوار. في خطوة المعالجة الدرامية، تُكتب أحداث الفيلم أو القصة بالتفصيل، ولكن دون إسهاب في الوصف. والغرض من تلك الخطوة أن تعرف، ككاتب، تفاصيل نصك الدرامي على نحو جيد جدًا قبل أن تهتم بالجماليات، التي هي آخر خطوة.
5- تتابع المشاهد
في حالة كتابة السيناريو القصير، عليك أن تقسم المعالجة الدرامية إلى عدد من المشاهد، ثم تقوم بكتابة كل مشهد في بطاقة، وتضع جميع البطاقات أمامك. ثم عليك أن تتأكد من أن كل مشهد يمثل معلومة واحدة فقط؛ فلا يصح أن يدور المشهد الواحد حول معلومتين رئيسيتين.
ومن ثم عليك أن تقوم بحذف المشاهد عديمة الأهمية، لأن الاقتصاد في الحكي أحد أهم أصول وقواعد سرد الفيلم القصير. كما ينبغي أن تتأكد من أن كل مشهد نتيجة لما قبله ومؤدٍّ إلى ما بعده. وتلك خطوة تنطبق على القصة القصيرة كذلك، إذ يمكن تقسيم المعالجة إلى فقرات، ومن ثم تراعي أن تؤدي كل فقرة إلى الأخرى، حتى يكون السرد أكثر سلاسة.
6- كتابة النص والحوار
وأخيرًا، وصلنا إلى مرحلة كتابة النص. هل لاحظت أنني تحدثت كثيرًا جدًا قبل أن أذكر كتابة النص؟ وستلاحظ أيضًا أن حديثي لن يطول بشأن هذه الخطوة. ما أريد أن ألفت انتباهك إليه هو أن كتابة النص تمثل فقط عشرين بالمئة من مراحل كتابة الدراما. فكتابة النص، كما يقول الكاتب أحمد مراد، هي مرحلة تنفيذ، تقوم خلالها بترجمة ما كتبته في الخطوات السابقة إلى نص درامي قابل للتلقي.
وإذا حضرت جيدًا قبل كتابة النص، فسوف تجد أثناء كتابته الوقت والمساحة الكافيين للعناية بالجماليات؛ فأنت تعرف بالضبط كل ما سيحدث، ولست في حاجة إلى التفكير فيما سبق من أحداث أو فيما هو آتٍ.
أما عن كتابة الحوار، فهناك نصيحتان مهمتان أود أن أذكرهما لك:
- الأولى هي أن تبدأ الحوار من أسخن نقطة
لا تبدأ بالتحية والسلام، بل ابدأ المشهد وقد بدأت الشخصيات في التحدث في الموضوع بالفعل.
- النصيحة الثانية هي أن تنتقل من جملة إلى جملة من خلال مثير في الجملة الأولى
أي عندما تقول إحدى الشخصيات جملة، اجعل الشخصية المقابلة تأخذ كلمة من الجملة الأولى وتقول جملة بناءً عليها، ثم تأخذ الشخصية الأولى كلمة من جملة الشخصية الثانية وتقول جملة ردًا عليها، وهكذا.
وبذلك نكون قد انتهينا من شرح قواعد وخطوات كتابة القصة القصيرة والسيناريو القصير.
أتمنى أن أكون قد أفدتك. شكرًا :)
تم.

الانضمام إلى المحادثة