الدراما ببساطة - الفصل الثالث

شرح وتحليل قواعد كتابة الدراما.

 الدراما ببساطة

البطل والخصم في الدراما

    البطل والخصم هما أهم شخصيتين في القصة. البطل ببساطة هو الذي تدور الأحداث حوله، وهو من يتعين عليه قيادة الأحداث، والمساهمة الرئيسية والكبرى في تطورها، أما الخصم فهو من يقف بين البطل وبين ما يريد تحقيقه. يمكن أن تتواجد عدة شخصيات تحول دون هدف البطل، ولكن غالباً ما تكون هناك شخصية رئيسية واحدة تمثل العائق الأكبر للبطل، ويكون هو الخصم. وأحيانًا يشترك البطل والخصم مع بعضهما البعض في صفة ما، تعامل معها البطل بشكل إيجابي، بينما تعامل معها الخصم بشكل سلبي. في فيلم ليون المحترف، نجد أن البطل، رغم أنه قاتل محترف، إلا أن له قاعدة بألا يقتل النساء ولا الأطفال، بينما الخصم ستانسفيلد، رغم أنه شرطي، فهو يقتل بلا رحمة، وقد قتل عائلة ماتيلدا بالكامل، رغم أن مشكلته كانت مع أبيها فقط، وكان ذلك محور الصراع بينه وبين ليون البطل. وفي فيلم عمارة يعقوبيان، كان خصم زكي هي شقيقته دولت، وكان كلاهما أبناء باشوات، وكلاهما له علاقات غير مشروعة مع الجنس الآخر، ولكن أخته قررت أن تعاقبه على علاقاته، رغم أن الذكر عادة من يتعامل بحساسية تجاه علاقة المرأة بالجنس الآخر، وليس العكس. 

    والخصم لا يعني بالضرورة «الشرير». هذه نقطة مهمة؛ لأن وظيفة الخصم دراميًا هي الوقوف في طريق البطل، وليس بالضرورة أن يكون شخصًا سيئًا أخلاقيًا. قد يكون الخصم صاحب حق، فإذا كان هدف البطل أمرًا غير صائب يكون الخصم إنسانًا نبيلًا، مثل شخصية تشارلي في فيلم Scent Of A Woman، حيث كان هدف البطل قتل نفسه، وكان تشارلي هو الخصم الذي يحاول منعه عن ذلك. وهذا يوضح أن الصراع لا يعني بالضرورة وجود شخص شرير يريد تدمير البطل. أحيانًا يكون الصراع بين رغبة شخصية ورغبة شخصية أخرى، أو بين شخص يريد شيئًا وشخص يحاول منعه لأنه يرى أن ما يريده خطأ. في القصص الرومانسية غالبًا ما يكون الخصم هو المحبوب، مثل فيلم La La Land، حيث إن سيباستيان هو الخصم، والصراع هنا لا يعني العداوة، ولكن يعني أنه في القصص الرومانسية يكون هدف البطل غالباً هو إنجاح العلاقة، وعليه يكون الطرف الآخر في العلاقة هو الخصم. قد يتساءل البعض عن الأحلام التي كانت ميا وسيباستيان يسعيان لتحقيقها، ويفكر في أن هذا هو الصراع، نعم، هو صراع، ولكنه صراع فرعي، بينما الصراع الرئيسي في الفيلم كان علاقة ميا وسيباستيان. هذا لأن الحدث الرئيسي هو لقاؤهما، وقد ذكرنا من قبل ضرورة معرفة والتركيز على الصراع الرئيسي، وتناول أي صراعات فرعية من خلاله.


أنواع البطل الدرامي

    البطل التقليدي هو البطل الذي يعرف خصمه ويعرف صراعه، بعكس البطل السلبي الذي يسير في اتجاه خاطئ، ويصارع في صراع غير الذي ينبغي أن يصارع فيه، وعليه يكون خصمه شخصًا سويًا، هذا لأنه يواجه خصمًا غير الخصم الحقيقي الذي ينبغي أن يواجهه. مثلًا: بطل لديه صراع نفسي مع والده الذي عامله بقسوة في الطفولة، فبدلًا من أن يدخل البطل في صراع ضد والده ومع نفسه ليحل أزماته النفسية، دخل في صراع ضد أستاذه في الجامعة، حيث يمثل الأستاذ رمز السلطة والأبوة بالنسبة للبطل. هنا البطل يسير في اتجاه خاطئ، ويصارع خصمًا غير الذي ينبغي أن يصارعه. مثل بطل رواية قلب الليل، حيث إن خصمه الحقيقي هو الجد الذي كبت حريته في الصغر، ولكن البطل واجه سعد كبير، الرجل المثقف، وقتله ليثبت أنه أكثر ثقافة وأنه أيضاً صاحب نظرية.

    أما البطل التراجيدي، فهو شخص نبيل، ولكنه يقع في شرك خطأ ما، هذا الخطأ يجعل نهايته مأساوية. الفارق بين البطل التراجيدي والبطل السلبي أن البطل التراجيدي يدرك في النهاية الخطأ الذي وقع فيه، بعكس البطل السلبي الذي يبقى مقتنعًا بما فعل حتى آخر لحظة، ولكن البطل التراجيدي، رغم إدراكه، يعجز عن تصحيح المسار، وهذا هو الجانب المأساوي في قصته. مثل عطيل الذي يدرك آخر المطاف أنه ظلم ديدمونة، ولكن بعد أن قتلها. ومثل ناصر الدسوقي الذي يدرك آخر المطاف أنه أخطأ حين فقد إيمانه بالعدالة وسار في طريق الفساد، ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن قتل زوجته وقُتلت أمه.

    أما عن البطل الميلودرامي، فإن كان البطل التقليدي يعرف صراعه، والبطل السلبي لا يعرفه، والبطل التراجيدي يدرك الحقيقة آخر المطاف، فالبطل الميلودرامي لا تسمح له الظروف بأن يدرك أو يستوعب أو يقرر. حتى وإن تفكر في شيء وحاول أن يواجهه، إذا به يفاجأ بضربة من اتجاه آخر تقسم ظهره. مثل شخصية حنان في فيلم دم الغزال، فهي ليست بطلة سلبية مستسلمة لما تتعرض له من قهر، ولا هي بطلة تقليدية تنتصر على القهر، بل إنها تحاول قدر ما تستطيع، ولكن كل الظروف تحاصرها حتى تُقتل في النهاية. ومثل شخصية حبيشة في مسلسل ابن حلال، فهو شخص نبيل مستضعف يتعرض للظلم، ولما ثار وانتقم من ظالميه عاد ليجد الحكومة في انتظاره، وقاموا بتصفيته. 

    هذه الأنواع لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قوالب جامدة لا يمكن الخروج عنها، وإنما هي طرق لفهم علاقة البطل بالصراع. والسؤال الأساسي هنا هو: هل يعرف البطل المشكلة الحقيقية؟ وهل يحاول مواجهتها؟ وهل سينجح في تغيير نفسه أو العالم من حوله؟ أم أن الظروف ستمنعه من الوصول إلى النتيجة التي يسعى إليها؟


أبعاد الشخصية الدرامية

    من أفضل الطرق وأسهلها عند رسم الشخصيات الدرامية هي تحديد ما يسمى بالهدف والحاجة، الـ Want والـ Need. الهدف هو الصراع الخارجي للشخصية، والحاجة هي الصراع الداخلي للشخصية. كل شخصية تريد شيئًا وتحتاج شيئًا، تدخل الشخصية الرحلة بهدف ظاهري تريده، وتكشف لنا الرحلة حاجة داخلية تحتاجها الشخصية لكي تحقق ما تريد، ولكي تتغير لتصبح إنسانًا أفضل إن كان بطلًا تقليديًا، أو أسوأ إن كان بطلًا سلبيًا لا يستطيع أن يحقق الحاجة، لأنه يسير في اتجاه خاطئ، أما إن كان بطلًا تراجيديًا فإنه يتغير للأفضل بأن يتطهر من ذنبه، غالباً عن طريق الانتحار، وبأن يحقق غايته إن كان ميلودراميًا، ولكن الميلودرامي لا تدعه الحياة ينعم بالهدف الذي حققه، والحاجة التي وجدها. الهدف إذن هو الشيء الذي تستطيع الشخصية أن تقوله بوضوح: «أنا أريد هذا». أما الحاجة فقد لا تعرفها الشخصية في بداية القصة، ويحتاج الكاتب إلى أن يكشفها تدريجيًا من خلال الأحداث.

    في صعيدي في الجامعة الأمريكية كان هدف خلف هو الارتباط بعبلة، وكانت حاجته أو صراعه الداخلي هو التخلص من الانبهار والسذاجة، فلما تحقق ذلك تغير وقرر الارتباط بسيادة. وفي عمارة يعقوبيان كان هدف زكي الدسوقي هو إنهاء الصراع ضد أخته، وكانت حاجته هي أن يحب ويكون له أولاد. فجميع النساء اللاتي عرفهن فيما مضى لم يحبهن، وقد وجد حاجته تلك في بثينة التي تصغره بأعوام، فكانت له الابنة والمحبوبة، ولما تحققت هذه الحاجة استطاع البطل أن يتغير للأفضل، فتزوج من بثينة.

    أما الجانب الأهم في الشخصية الدرامية دائمًا هو ما يسمى بالقصة من الماضي، أو الجرح. الجرح ليس مجرد معلومة عن الماضي، وإنما قيمته الحقيقية تظهر عندما يؤثر في طريقة تصرف الشخصية في الحاضر. فإذا كانت الشخصية قد تعرضت للخيانة مثلًا، فمن الممكن أن يؤثر ذلك في قدرتها على الثقة بالآخرين، وإذا كانت قد عاشت في بيئة شديدة السيطرة، فقد تصبح شديدة التمرد أو شديدة الخضوع. المهم أن تكون هناك علاقة بين الماضي والحاضر. أحيانًا ما يكون الماضي حدثًا بعينه، مثل عدم زواج زكي الدسوقي، بطل عمارة يعقوبيان، من كريستين في الماضي، وأحيانًا يكون الجرح هو الطريقة التي نشأت وتربت عليها الشخصية، مثل نينا في فيلم Black Swan. أما في فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية، وكذلك الباشا تلميذ، فليس لشخصية البطل قصة من الماضي متصلة بما يحدث له خلال الرحلة، وهذا لا يعد مأخذًا على السيناريو، وإنما لكل قصة طبيعتها الخاصة، وما دام الأمر لم يشكل خللًا دراميًا فلا بأس به. 


التيمة في الدراما

    التيمة هي شيء مجرد يشترك فيه جميع الشخصيات داخل القصة الدرامية، مثل الحرية، والعدالة، والمثالية، وغيرها. ويتجلى مفهوم التيمة في الدراما الاجتماعية تحديدًا، حيث يكون لكل شخصية الخط الدرامي الخاص بها. ولكن رغم تعدد الخطوط، ينبغي أن تكون كل الشخصيات متصلة مع بعضها البعض من خلال تيمة واحدة. في فيلم دم الغزال مثلًا نجد أن تيمة الفيلم هي القهر، والقهر لغويًا يعني أخذ الشيء بغير رضا، وقد بدأ دم الغزال بقهر الحكومة للبسطاء في حفل الزفاف، واستمر القهر فاعتصر رضا ريشة، ما سيؤدي إلى انضمامه لجماعة إرهابية، يستخدمونه لتحقيق أهدافهم، ويستخدم قوتهم في تحقيق أهدافه، وهذان شكلان من أشكال القهر. ونجد في الفيلم أن كل شخصية تمارس أو يُمارس عليها القهر بشكل ما، ولا يقتصر القهر على فرض القوة فقط، بل إن الطريقة التي اتبعها عم عبده في إقناع نادية صفوان بالموافقة على عمل حنان عن طريق الإلحاح لهي شكل من أشكال القهر، وكذلك عمل جابر عميش الذي يرتزق منه بأن يلقي بنفسه أمام سيارة ويحصل على مقابل مادي من صاحبها، لهو أحد أشكال القهر أيضًا. وكذلك طبيعة عمل الهجام قائمة على القهر، وفي النهاية تساعد حنان الحكومة قهرًا للقبض على ريشة، فيكون موتها بفعل القهر وليس الرصاص. وفي عمارة يعقوبيان نلاحظ أن التيمة هي الاستغلال، حيث شقيقة زكي تستغل سرقة الخاتم للاستيلاء على أملاكه، وعزام يستغل الدين لتحقيق رغباته في معاشرة النساء صغيرات السن، ويستغل أمواله في تحقيق السلطة، وبثينة تتعرض للاستغلال من قبل صاحب العمل، وطه تستغله الجماعة لتحقيق أهدافها، ولاحقًا سيستغل الجماعة للانتقام من الضابط، الذي استغل سلطته في تعذيبه داخل السجن. وحتى الشخصيات الفرعية، مثل فانوس، نراه يستغل إعاقته لإجبار المحامي على التهاون معه ومع شقيقه. أما الوحيدان اللذان لم يستغلا الآخرين أو بعضهما البعض فهما زكي وبثينة، لذلك استحقا أن يكونا بطلي الفيلم. التيمة تساعد الكاتب الدرامي على ألا تتحول الشخصيات الكثيرة إلى قصص منفصلة مثيرة للتشتت. فإذا كانت لدينا قصة اجتماعية تضم عشر شخصيات، فليس مطلوبًا أن تكون الشخصيات العشر متشابهة، وإنما المطلوب أن تكشف كل شخصية جانبًا من الموضوع الذي تناقشه القصة الدرامية كتيمة.

    إن مفهوم الشخصيات عمومًا يتضح في ضوء حديثنا عن الدراما والتيمة فيما سبق، وهو أننا في الدراما ببساطة نتناول موضوعًا من خلال شخوص، وبالتالي فإن الشخصيات الرئيسية والفرعية هي أوجه مختلفة لنفس الموضوع، أي أن وجود كل شخصية وجه من أوجه التيمة التي تدور في فلكها القصة الدرامية. إذا كنا سنكتب مقالًا عن الحرية مثلًا، فسوف نكتب فقرة عن الحرية في مصر، وفقرة أخرى عن الحرية خارج مصر، وفقرة عن الحرية بين أفراد الأسرة في المنزل، وفقرة عن الحرية في السجون، ولكن في الدراما نتكلم من خلال الشخصيات. فإذا أردنا التحدث عن الحرية، فسوف نأتي بشخصيات تمثل أوجه الحرية التي نريد أن نطرحها. ولهذا لا ينبغي أن تكون الشخصية الفرعية موجودة لمجرد أن البطل يحتاج إلى شخص يتحدث معه. كل شخصية تدخل القصة ينبغي أن يكون لها دور في الحدث الرئيسي، وتكون في الوقت نفسه متصلة بالتيمة. 

الفصل الرابع

أهلاً بك، كيف يمكننا مساعدتك؟
اكتب رسالتك...