الدراما ببساطة - الفصل الرابع

شرح وتحليل قواعد كتابة الدراما.

الدراما ببساطة

المثير الدرامي

    المثير في الدراما هو سبب الانتقال من تتابع لآخر، أو من مشهد لآخر، أو معلومة لأخرى، قد يكون كلمة، أو صورة، أو حدثاً، ويستخدم المثير الدرامي بوضوح في المشاهد الاسترجاعية، الفلاش باك. إن القاعدة الأساسية فيما يخص المشاهد الاسترجاعية هي أن العودة إلى الفلاش باك ينبغي ألا تحدث دون مثير، نعود بسببه إلى فلاش باك، فنرى شيئًا متعلقًا به، ثم نرجع من الفلاش باك بمعلومة جديدة تضيف إلى ما يحدث في الوقت الحاضر. والمثير هنا هو الجسر الذي يربط بين المشهدين. فبدلًا من أن يقطع الكاتب المشهد فجأة ويقول للمشاهد: «سنعود الآن إلى الماضي»، أو سننتقل إلى المشهد التالي، يجعل المثير هناك سببًا دراميًا للانتقال. ففي فيلم أوبنهايمر على سبيل المثال، نلاحظ أن البطل يتذكر أمر التفاحة المسمومة التي وضعها لمعلمه عن طريق مشهد يأكل فيه حصانه التفاح، وكذلك المشهد قبل الأخير، للويس ستروس وهو يضع القبعة فوق رأسه، كانت القبعة هي المثير الذي انتقلنا من خلاله للمشهد الأخير، الذي بدأ بسقوط قبعة أينشتاين.

    قاعدة المثير تنطبق كذلك على الحوار. ينبغي ألا ننتقل من جزئية إلى أخرى في الحوار من دون مثير. مثلًا، في فيلم الرسالة، في مشهد مواجهة ملك الحبشة، نجد أن كل انتقال من جملة إلى أخرى في الحوار يتم عن طريق مثير من الجملة السابقة. تذكر أحد الشخصيات اسم محمد رسول الله، فترد الشخصية الأخرى قائلة رسول الله إذاً أين هي معجزاته، فترد الشخصية الأولى قائلة إن المعجزة هي القرآن، فتعلق الشخصية الثانية قائلة إنها مجرد كلمات، وهكذا.  هذا يجعل الحوار ومترابطًا، فلا ينبغي في الدراما أن تتحدث الشخصيات في موضوعات وأحاديث منفصلة لمجرد أن الكاتب يريد أن يقدم معلومات معينة هنا والآن، وإنما كل جملة يجب أن تستدعي الجملة التي بعدها.


الراوي العليم والراوي الذاتي

    الراوي العليم هو عندما تُحكى القصة من خلال منظور عليم يرى جميع الشخصيات، أي أننا نرى مشاهد البطل غير موجود فيها، مثل ليون المحترف، حيث نرى مشاهد لماتيلدا وعائلتها وليون غير موجود فيها. أما الراوي الذاتي هو عندما يكون البطل هو من يحكي القصة، أي أن جميع المشاهد بحضور البطل، نراها من وجهة نظره، ولا نرى أي شيء لا يراه البطل، مثل فيلم Black Swan.

    والفرق بين النوعين لا يتعلق فقط بمن يتحدث في القصة، وإنما بكمية المعلومات التي يحصل عليها المتلقي. ففي الراوي العليم يمكن للمتلقي أن يعرف أشياء لا تعرفها الشخصية الرئيسية، وهو ما يسمح بصناعة المفارقة والتشويق، لأن المشاهد قد يعرف أن خطرًا يقترب من البطل بينما البطل نفسه لا يعرف. أما الراوي الذاتي، فيجعل المتلقي مقيدًا بحدود معرفة الشخصية الرئيسية. فإذا لم تعرف الشخصية شيئًا، فلا نعرفه نحن أيضًا، وإذا أخطأت في تفسير موقف، فقد نشاركها هذا التفسير إلى أن تظهر الحقيقة. ولهذا فإن اختيار وجهة النظر ليس مجرد اختيار شكلي، وإنما هو قرار درامي يؤثر في طريقة استقبال القصة. على الكاتب أن يسأل نفسه: هل أريد أن يعرف المتلقي أكثر مما يعرف البطل؟ أم أريد أن يكتشف المتلقي الحقيقة في اللحظة نفسها التي يكتشفها فيها البطل؟

* * *

    في النهاية، فإن كتابة الدراما تقوم على مجموعة من العناصر المتصلة ببعضها البعض: شخصية تريد شيئًا، وحدث يضعها في مواجهة ما تريد، وخصم أو عائق يمنعها، وأفعال تنتج عنها أحداث جديدة، ومراحل كبرى تنظم الرحلة، وتيمة تمنح القصة معناها الأشمل والأوسع، وشخصيات فرعية تكشف جوانب مختلفة من الموضوع، وحوار وفلاش باك لهما دوافع درامية واضحة. وكل هذه العناصر لا تعمل منفصلة. الشخصية هي التي تحرك الحدث، والحدث يكشف الشخصية، والخصم يشعل الصراع، والتيمة تمنح الصراعات المختلفة معناه، والحوار يكشف العلاقات والمعلومات، بينما تقود الأفعال والنتائج القصة من بدايتها إلى نهايتها. ولهذا فإن الكاتب لا يحتاج في البداية إلى حفظ عدد ضخم من القواعد بقدر حاجته إلى فهم العلاقة بين هذه العناصر. فكلما فهم الكاتب لماذا يحدث الحدث، ولماذا تقوم الشخصية بالفعل، وماذا يترتب على هذا الفعل، أصبح قادرًا على بناء قصة أكثر تماسكًا. والقاعدة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من كل ما سبق هي أن الدراما ليست مجرد أحداث تحدث، وإنما أحداث تحدث لشخصيات محددة، بسبب أفعال وقرارات محددة، وتؤدي إلى نتائج تغير وضع هذه الشخصيات. ومن هنا يبدأ البناء الدرامي الحقيقي.

تم.

أهلاً بك، كيف يمكننا مساعدتك؟
اكتب رسالتك...