حذار ثم حذار - أخطاء تجنبها أثناء كتابة الدراما

أخطاء تجنبها أثناء الكتابة.
حذار ثم حذار - أخطاء تجنبها أثناء الكتابة

- البدء بكتابة النص الدرامي دون معرفة ما سيحدث بالتفصيل الممل

    إن كتابة الدراما تمر بعدة مراحل؛ الفكرة، الملخص، المعالجة الدرامية، وأخيراً كتابة النص. وباختصار، الفكرة هي كتابة قصتك في ثلاثة سطور، ثم يتحول ذلك إلى ملخص في نحو ثلاث صفحات، ثم تتحول الفكرة إلى معالجة درامية في نحو ثلاثين صفحة، ومن ثم إلى النص النهائي، سواء كان سيناريو طويلاً أو رواية، والذي قد يصل إلى حوالي ثلاثين ألف كلمة أو أكثر بحسب طبيعة العمل. لا يعني ذلك أن هذه الأرقام قواعد ثابتة لا يجوز الخروج عنها، وإنما المقصود هو أن لكل مرحلة وظيفة مختلفة، وأن الكاتب لا ينبغي أن يتعامل مع كتابة النص باعتبارها المرحلة الأولى التي يكتشف فيها قصته، بل باعتبارها المرحلة الأخيرة التي ينفذ فيها ما اكتشفه وخطط له مسبقاً. 

    عليك أن تستغرق الوقت الكافي في مراحل التحضير التي تسبق كتابة النص، حتى تضمن نصاً جيداً متماسكاً. أما إذا قررت أن تكتب النص دون أي تحضير، أو بعد تحضير غير متمهل، فسوف تواجهك صعوبات كثيرة، أهمها أن يخطر لك أثناء الكتابة حدث لم يخطر لك من قبل، ويكون هذا الحدث مثيراً جداً، ولكنه يحتاج إلى أن تعيد كتابة كل ما سبق حتى تستطيع إضافته. حينها حتى إذا كانت لديك الطاقة والشغف لإعادة الكتابة من الصفر، فقد يحدث أنك بعد استغراقك مرة أخرى في الكتابة يخطر لك حدث آخر أكثر إثارة من السابق، ويحتاج هو الآخر إلى إعادة بناء أجزاء كبيرة من النص، فتعود إلى النقطة نفسها من جديد. وهكذا يمكن أن تدور في دائرة مفرغة لا تنتهي. أما إذا أعطيت مرحلة التحضير الاحترام والوقت الكافيين، فلن تفاجأ أثناء كتابة النص بأحداث جديدة تقلب القصة كلها. قد تخطر لك جملة أجمل، أو تفصيلة صغيرة، أو طريقة أفضل لتنفيذ مشهد، وهذا طبيعي ومطلوب، لكنك لن تجد نفسك مضطراً إلى إعادة بناء النص من الصفر بسبب اكتشافك المتأخر للقصة التي تريد حكايتها.


- البحث عما هو مثير على حساب الفكرة الأساسية

    تكملة لما تحدثنا عنه في النقطة السابقة، أحذر أن تسعى خلال عملية الكتابة وراء كل ما هو مثير، سواء كان أفكاراً أو أحداثاً أو تفاصيل، ثم تقرر إضافته إلى نصك لمجرد أنه جميل أو جذاب، رغم أنه لا يخدم الفكرة الأساسية. الكاتب أثناء الكتابة يكون معرضاً دائماً للوقوع في هذا الخطأ، لأن خياله قد يقوده إلى عشرات الأفكار التي تبدو كل واحدة منها صالحة لأن تكون قصة مستقلة. المشكلة ليست في أن تكون لديك أفكار كثيرة، وإنما في أن تعرف أيها ينتمي إلى القصة التي تكتبها وأيها لا ينتمي إليها. عليك أن تكون مخلصاً كل الإخلاص لفكرة النص الرئيسية، وأن تسأل نفسك باستمرار: هل هذا الحدث يخدم قصتي؟ هل يغير شيئاً في الصراع؟ هل يكشف شيئاً مهماً عن الشخصية؟ هل يدفع الأحداث إلى الأمام؟ أم أنني أضيفه فقط لأنه مثير؟

    في فيلم أسماء من تأليف وإخراج عمرو سلامة، قرر الأخير ألا يتطرق إلى قصص زملاء أسماء في جمعية دعم مرضى الإيدز. وقد ذكر عمرو سلامة أثناء تقديمه لورشة الأفلامجية أن ممثلي أدوار زملاء أسماء طلبوا منه أن يعرض السيناريو قصصهم، لأنها جميلة ومثيرة لإعجابهم، ولكنه رفض قائلاً: "مش موضوعنا". وهنا تظهر أهمية معرفة الكاتب بموضوع نصه. فالقصة قد تحتوي على عشرات الشخصيات والأحداث التي يمكن أن تكون مثيرة في حد ذاتها، ولكنها ليست بالضرورة ستكون مناسبة للنص الذي تكتبه. المبدع هنا واعٍ تماماً إلى أن القصص غير المتصلة بالفكرة الرئيسية للعمل غير جديرة بالذكر، حتى وإن كانت جذابة.


- عدم وجود بطل للقصة

    أسوأ النصوص التي أقرأها هي تلك التي لا أجد فيها بطلاً، تلك التي تتحرك فيها الأحداث دون تتبع شخصية معينة، أو مجموعة شخصيات. وغالباً ما يقول الكتاب حين أسألهم عن البطل، بعد أن يفكروا لثوانٍ، إنهم غير مؤمنين بضرورة وجود أبطال للقصص. لقد أعطينا القصة الدرامية مصطلحاً علمياً في مقال سابق، وسنذكر هنا جزءاً منه: "القصة الدرامية ما هي إلا مجموعة من الأحداث المتصلة ببعضها البعض بشكل محكم يؤدي إلى فكرة ما، وتكون هذه الأحداث نتيجة تفاعل الشخصيات، وبصفة أساسية نتيجة أفعال بطل القصة." وبناء عليه، لا يصح القول إن المكان هو البطل، أو الطبيعة هي البطل. هذه تعبيرات يمكن قولها مجازاً للتعبير عن أهمية المكان أو الزمان في العمل الدرامي، ولكن علمياً لا يجوز أن يكون بطل الدراما سوى شخصيات تتكلم وتشعر وتفعل. أفعال الشخصيات هي ما يحرك الأحداث ويتسبب فيها. وما يترتب على الأحداث ليس إلا مزيد من الأحداث التي تؤثر على الشخصيات، فتتفاعل الشخصيات مرة أخرى، ويترتب على ذلك أحداث أخرى، وهكذا، حتى نصل إلى الذروة ثم النهاية.


- البداية من نقطة الصفر

    من أهم القواعد التي تعلمتها هي أن أبدأ القصة من قمة الأزمة، وليس من بدايتها. والفرق بين الأمرين مهم جداً؛ فبداية حياة الشخصية ليست بالضرورة بداية القصة التي نريد حكايتها. على سبيل المثال، في فيلم Inception تبدأ القصة وقد توفيت زوجة كوبر بالفعل، تبدأ وهو غارق في الإحساس بالذنب، ولا تبدأ وهو يختبر معها تجربة العيش في الأحلام. أي أن الفيلم يبدأ بعد وقوع أحداث مهمة في حياة الشخصية، ثم يجعلنا نكتشف ما نحتاج إلى معرفته عن الماضي تدريجياً. وعلى العكس، في مسلسل ذات، نجد أن القصة تبدأ بميلاد ذات في عام 1952، حتى نشير إلى أن ذات هي شخصية مصر بعد الثورة. ولكن في الحقيقة كان من الممكن الإشارة إلى ذلك بطرق أخرى، دون أن تبدأ القصة بميلاد البطلة وتتبع كل أحداث حياتها منذ الولادة وحتى الزواج من عبد الحميد. فالزواج من عبد الحميد هو المحرك، والحدث المحرك مصطلح درامي يشير إلى حدث كبير يتعرض له البطل ويدخله في صراع، ومنه تبدأ القصة الفعلية في التحرك.

    وكذلك في مسلسل ريا وسكينة، نلاحظ أن الكاتب بدأ بالبطلتين وهما في بلدهما الريفية، ثم تتبع انتقالهما إلى الإسكندرية، وما حدث لهما على مر السنوات، حتى أُعدما. وكان من الأجدر، من وجهة النظر الدرامية التي نتحدث من خلالها هنا، أن يكون الحدث المحرك هو بداية قتل النساء. لا داعي لاستعراض حياتهما بطولها وعرضها بهذا الشكل إذا كانت القصة التي نريد حكايتها تبدأ في مرحلة لاحقة من حياتهما. كان يمكن أن نتعرف إلى ماضيهما ونعرف كيف وصلتا إلى ما وصلتا إليه بطرق أخرى، من خلال الحوار، أو الفلاش باك، أو بعض التفاصيل التي تكشف الماضي دون أن تجعلنا نعيش كل الأحداث السابقة بالتفصيل.

    الكاتب ليس مطالباً بأن يحكي كل ما حدث للشخصية، وإنما أن يعرف ما الذي يستحق أن يُحكى. فهناك فرق بين تاريخ الشخصية وبين القصة التي يختار الكاتب أن يرويها عنها. قد تكون الشخصية قد عاشت عشرات السنوات قبل بداية الأحداث، لكن هذا لا يعني أن علينا أن نبدأ معها منذ ولادتها. لذلك، قبل أن تبدأ الكتابة، اسأل نفسك: ما اللحظة التي تبدأ عندها القصة فعلاً؟ وما الحدث الذي سيضع بطلي في الصراع؟ وما المعلومات التي يحتاج الجمهور إلى معرفتها، وما المعلومات التي يمكن أن أتركه يكتشفها أثناء الأحداث؟

    كلما استطاع الكاتب أن يحدد نقطة البداية الحقيقية، وأن يعرف ما الذي يجب أن يدخل في القصة وما الذي يجب أن يظل خارجها، أصبحت عملية الكتابة أكثر وضوحاً، وأصبح النص أكثر تركيزاً وتماسكاً.

تم.
أهلاً بك، كيف يمكننا مساعدتك؟
اكتب رسالتك...