الدراما ببساطة - الفصل الأول

أولاً مفهوم الفن
الفنون تندرج ضمن فئة العلوم الإنسانية، وهي علوم تعنى بدراسة الإنسان من حيث الثقافة، والفكر، والتعبير، والقيم، وتسعى لفهم تجربة الإنسان عبر العصور، وغالبًا ما تعتمد على التحليل النقدي والتفسيري. مفهوم الفن ببساطة هو قيام المبدع بتركيب مجموعة من العناصر بطريقة جمالية للتعبير عن فكرة أو شعور، على سبيل المثال، يقوم الرسام بتجميع الأشكال والألوان وتركيبها بطريقة جمالية معينة للتعبير عن فكرة أو شعور معين، ويقوم الكاتب بتجميع شخصيات وأحداث وترتيبها وربطها بطريقة معينة لتوصيل فكرة أو شعور ما. والفن، بهذا المعنى، ليس مجرد مهارة في استخدام الأدوات، وإنما هو طريقة لتنظيم تجربة إنسانية من أجل التعبير عنها. فالرسام لا يضع الألوان على اللوحة بصورة عشوائية، والكاتب لا يضع الشخصيات والأحداث داخل القصة دون تخطيط وهندسة، وإنما يقوم كل منهما باختيار عناصر معينة، ثم ترتيبها بطريقة تحقق غرضًا فنيًا أو تعبيريًا.
ولهذا يمكن القول إن العمل الفني يقوم على عنصرين أساسيين: عناصر يستخدمها الفنان، وطريقة معينة لتركيب هذه العناصر. فقد يستخدم فنانان الموضوع نفسه، لكنهما يقدمانه بطريقتين مختلفتين تمامًا، لأن الاختلاف لا يكون دائمًا في الموضوع، وإنما في طريقة تناوله والتعبير عنه. وقد يكتب كاتبان عن الحب أو الموت أو الحرية أو الفقر، لكن كل واحد منهما سيقدم هذه الموضوعات من خلال شخصيات وأحداث وزوايا مختلفة. وفي الكتابة تحديدًا، لا تكمن أهمية الكاتب في اختراع كل شيء من العدم، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً، وإنما في قدرته على إعادة ترتيب الأشياء المألوفة بطريقة تمنحها معنى جديدًا. الكاتب يستخدم اللغة، والشخصيات، والأحداث، والأماكن، والحوار، والوصف، ثم يركب هذه العناصر معًا بحيث تنتج تجربة متكاملة لدى القارئ أو المشاهد. ومن هنا تأتي أهمية فهم الفن بالنسبة إلى الكاتب؛ لأن الكتابة ليست مجرد كتابة جمل صحيحة لغويًا، أو مشاهد يمكن ترجمتها إلى منتج سمعي بصري، وإنما هي القدرة على تحويل الأفكار والمشاعر إلى بناء فني يستطيع المتلقي أن يراه أو يشعر به أو يتفاعل معه.
ثانياً مفهوم الدراما
والآن لنركز على نوع معين من الفنون: الدراما. الدراما هي كل ما يقع في إطار القصة الممثلة أو المتخيلة، سواء أُمثلت عن طريق وسيط سمعي بصري مثل السينما، أو من خلال نص أدبي مكتوب مثل الرواية. وعليه، تختلف الأفلام الدرامية أو الروائية عن الأفلام الوثائقية والتسجيلية، إذ تعتمد الروائية على تمثيل القصة أمام الكاميرا وكأنها غير موجودة، في حين تعتمد التسجيلية على شخصيات تتحدث إلى الكاميرا. أحيانًا ما يقوم الممثل في الأفلام الروائية بالنظر إلى الكاميرا فيما يعرف بكسر الجدار الرابع، حيث يرى المشاهد الممثل بين ثلاثة جدران، ويكون الجدار الرابع هو الكاميرا التي تصور ما يحدث على أنه حقيقة، فيما يعرف بالإيهام بالواقع، وعندما ينظر الممثل إلى الكاميرا مباشرة يسمى ذلك بكسر الإيهام بالواقع أو كسر الجدار الرابع، ففي حين تقوم الأفلام التسجيلية أساساً على كسر الإيهام بالواقع، تقوم الروائية الدرامية على الإيهام بالواقع بشكل أساسي.
والقصة الدرامية أو الروائية منتج فني ما هي إلا منتج فني مكون مجموعة من الأحداث المتصلة ببعضها البعض بشكل معين يؤدي إلى فكرة ما، وتكون هذه الأحداث نتيجة تفاعل الشخصيات، وبصفة أساسية نتيجة أفعال بطل القصة. تشمل الدراما: الأفلام، والروايات، والمسلسلات، والمسرحيات، وغيرها. الدراما في جوهرها تقوم على الحركة والتغير، فوجود شخصية في مكان معين دون أن يحدث لها شيء ليس دراما بالمعنى الكامل، وإنما تبدأ الدراما عندما تتعرض الشخصية لحدث يغير وضعها، أو عندما تريد شيئًا وتسعى إلى تحقيقه، فتجد أمامها عقبات تمنعها من الوصول إليه. ولهذا لا يكفي أن نقول إن لدينا شخصية جيدة حتى نقول إن لدينا قصة جيدة. فالشخصية تحتاج إلى رغبة، والرغبة تحتاج إلى عائق، والعائق يؤدي إلى صراع، والصراع يؤدي إلى أفعال ونتائج، والنتائج بدورها تغير وضع الشخصية وتدفعها إلى القيام بأفعال غير متوقعة.
الشخصية الدرامية والحدث الرئيسي
إن الدراما تقوم أساساً على الشخوص والأحداث التي تحدث لها، ولذلك أول ما يلزمنا لكتابة قصة درامية هو شخصية رئيسية، بطل تتمحور حوله الأحداث. وثاني شيء هو حدث رئيسي يتعرض له هذا البطل. وينبغي أن يكون لهذه الشخصية الرئيسية وصف درامي متصل أو متصادم مع الحدث الرئيسي. والمقصود بالوصف الدرامي هنا مجموعة الصفات والظروف التي تحدد طبيعة الشخصية وتحدد الطريقة التي تتعامل بها مع ما يحدث لها. فليس المهم فقط أن نقول إن البطل شاب أو رجل أو امرأة، وإنما الأهم أن نعرف: من هو؟ ماذا يريد؟ ما الذي يؤمن به؟ ما العيب أو المشكلة التي يحملها؟ وما الذي يجعله مناسبًا أو غير مناسب للحدث الذي سيقع له؟
- صعيدي في الجامعة الأمريكية: صعيدي ساذج يحب فتاة زميلة له في الجامعة الأمريكية، هنا نجد تصادمًا بين صفة البطل وبين الحدث الرئيسي الذي يتعرض له، ما يترتب عليه دخول البطل في صراع من أجل إثارة إعجاب هذه الفتاة. الحدث لا يقع في فراغ، وإنما يقع على شخصية محددة. لو كان خلف شخصًا مختلفًا، أي غير ساذج، لما نتجت القصة نفسها. سذاجته وانبهاره يجعلان وقوعه في هذا الموقف مولداً للصراع، لأن عليه أن يتعامل مع عالم مختلف عن العالم الذي اعتاد عليه.
- Leon: The Professional: قاتل محترف يصبح مسؤولاً عن طفلة قُتلت عائلتها، تعمل معه وتطلب منه معاونتها في عملية الثأر لأخيها من الضابط الذي قتله. هنا يتصادم كون البطل قاتلاً محترفًا مع مسؤوليته عن طفلة وعملها معه. ناهيك عن تطور العلاقة بينهما إلى علاقة بين ذكر وأنثى متحابين! والأهم هنا أن الحدث لا يختبر مهارة ليون المهنية فقط، وإنما يختبر شخصيته الإنسانية أيضًا. فالشخص الذي اعتاد القتل يصبح مسؤولاً عن حماية طفلة، وهو أمر يضعه في موقف مختلف عن المواقف التي اعتاد عليها.
- عمارة يعقوبيان: زير نساء تحاول شقيقته الاستيلاء على أملاكه رفضًا لسلوكه. هنا وصف البطل الدرامي متصل بشكل مباشر بالحدث الرئيسي الذي يتعرض له. المشكلة التي تواجه زكي مرتبطة بطريقة حياته وعلاقته بالنساء وبأسرته، ولذلك لا يبدو الصراع وكأنه مشكلة عشوائية أُلقيت على الشخصية، وإنما نتيجة طبيعية لطبيعة هذه الشخصية.
- Inception: مستخرج ماهر، يستخدم جهازًا لمشاركة الأحلام في استخراج الأفكار والمعلومات من لا وعي البشر، يُطلب منه عملية زراعة فكرة. هنا يحدث تصادم بين البطل الذي يستخرج الأفكار عادة، عندما يطلب منه زراعة فكرة، وهو عكس ما يفعل، ما يدخله في تحدٍّ. وهنا نلاحظ أهمية جعل الحدث الرئيسي يختبر مهارة البطل أو اعتقاده أو طريقة تعامله مع الحياة. فكلما كان الحدث أكثر اتصالاً بالشخصية، أصبح الصراع أكثر إثارة.
- Black Swan: راقصة باليه مهووسة بالكمال يطلب منها تأدية دور بجعة شريرة، هنا يحدث تصادم بين عيب الشخصية الرئيسي، وهو هوسها بالكمال، وبين المطلوب منها، الحدث المحرك الذي سيدخلها في صراع. وهنا يظهر لنا أن الحدث الرئيسي لا يشترط أن يكون مجرد مشكلة خارجية، بل يمكن أن يكون اختبارًا يكشف مشكلة داخلية لدى الشخصية. نينا تريد أن تكون مثالية، لكن الدور الذي عليها تقديمه يحتاج إلى جانب مختلف منها، وهو ما يجعل الحدث يضغط على أضعف نقطة في شخصيتها.
أهمية وجود حدث رئيسي واحد في الدراما
الحدث المحرك أو الحدث الرئيسي هو الموضوع الرئيسي للفيلم، الذي يخوض فيه البطل، وما إن ينتهي هذا الحدث حتى ينتهي الفيلم أو تنتهي الرواية. قد يكون خيالك مكتظًا بالأحداث والصراعات التي تريد أن تكتب عنها، ما يدفعك إلى النفور من فكرة الحدث الرئيسي الواحد، ولكن لا بد وأن تفهم أن وجود حدث رئيسي واحد يساعدك على سرد بقية الأحداث، وخلق المستويات العميقة التي تريد خلقها. لا بد وأن يتمحور الفيلم أو الرواية أو القصة أولاً حول حدث رئيسي واحد، ويتم من خلاله تناول بقية الأحداث الفرعية. كما أن وجود حدث رئيسي واحد لا يعني أن القصة لا تحتوي على أحداث كثيرة، وإنما يعني أن هذه الأحداث الكثيرة يجب أن تعمل داخل إطار حدث واحد. فقد تحتوي الرواية على عشرات الأحداث، وقد يحتوي الفيلم على عدد كبير من الشخصيات والخطوط الدرامية، لكن وجود مركز واضح للقصة يساعد الكاتب على معرفة ما الذي يخدم القصة وما الذي يمكن الاستغناء عنه. فإذا كانت لدينا قصة عن شخص يحاول إنقاذ أخيه من حكم بالإعدام، يمكن أن نضيف إلى القصة قصة حب، أو علاقة عائلية، أو مشكلة في العمل، أو صراعًا مع شخصية أخرى، لكن كل هذه العناصر ينبغي أن تكون مرتبطة بالقصة الأساسية على نحو ما، كيلا تجعل القارئ يشعر بالتشتت.
ويساعد الحدث المحرك في اختيار العنوان، بشرط أن يكون العنوان مختصرًا وغير مباشر. الباشا تلميذ بدلًا من ضابط شرطة يكلف بمهمة سرية بأن يصبح طالبًا جامعيًا للقبض على مجموعة من الطلاب المتورطين في تجارة المخدرات بمساعدة الجامعة. وصعيدي في الجامعة الأمريكية بدلًا من طالب صعيدي ساذج يحب زميلته الجميلة في الجامعة الأمريكية. هنا نلاحظ أن العنوان الجيد لا يحتاج إلى أن يشرح القصة كاملة، وإنما يمكن أن يشير إليها بطريقة مختصرة تثير الفضول.
الانضمام إلى المحادثة