ما أزال أتذكر - ملحقات السيرة الذاتية
لا أعرف إن كنت قد حكيت ما سأحكي من قبل، ولكنه يلح عليّ، وسأكتبه على أية حال..
ما أزال أتذكر أن حلم طفولتي كان امتلاك شريط الأتاري المميز الذي كان يملكه أولاد عمتي. كانت جميع الشرائط التي تباع في السوق تحوي ألعابًا تعبانة. كنت أستعير منهم هذا الشريط، وأود ألا أرجعه إليهم أبدًا، فغير أنه كان يحمل ألعابًا خرافية، فقد كانت هذه الألعاب ذات خصائص غير متوافرة في النسخ الموجودة على الشرائط الأخرى. كنت أحب على وجه التحديد لعبة Contra، وكنت قادرًا على تجاوز المراحل الثماني جميعها دون أن يموت اللاعب ولو مرة واحدة. كان الوالد يقول لي: "إنك ستصبح مقاتلًا في الجيش مثل بطل هذه اللعبة".
ما أزال أتذكر حين استيقظت، فسحبني الأخ الأكبر إلى الخارج لأرى شيئًا ما، ولما خرجت رأيت الضباب (الشبورة) لأول مرة. لا أعرف كيف اقتنعت فيما بعد أنه لم يكن يملأ الجو، وأنه كان مجرد حائط أبيض، لو دخلت فيه سوف أنفذ إلى ما وراءه.
ما أزال أتذكر يومًا خرجت فيه من أجل الذهاب للمدرسة مع أخي، وكنت أعود إلى البيت جريًا بعد كل خطوتين لأشكي لأبي استفزازه لي. قال لي الأب مؤخرًا بعد أن ذكر هذه الحادثة: "طول عمره خايف عليك.. وأنت طول عمرك مش طايقه". ما أزال عاجزًا عن فهم الطريقة التي يحولون بها الظلم والتعدي عليك إلى ذنب أنت مقترفه!
ما أزال أتذكر مساعدة الأخ الأكبر لي في كتابة رسالة الاعتراف بحبي لزميلة لي في الفصل. وقتها كان فيلم الرهينة حديث الظهور، وقد استخدمنا كلمات أغنية (بحبك وحشتيني) ظنًا منا أن الكلمات من محب إلى محبوبته، نصحني الأخ بأن أضع الرسالة في حقيبتها، ولكني لم أفعل.
ما أزال أتذكر جارنا عبده، وقتما كنا نسكن في عبد القادر بالعامرية. كان يمر ببيتي وقت الصلاة، وإذا أخبرته أنني آكل أو لا أستطيع الآن، كان يقول لي: "مدام أنا جيت وقولتلك يبقى ربنا هيحاسبك لو مجتش تصلي معايا".
ما أزال أتذكر لما كنا نعيش في عبد القادر، وصنعنا مرمى بالأخشاب، في الأرض الواسعة التي كنا نلعب فيها مع بقية الأولاد من الشارع كرة القدم. ولما استيقظنا في اليوم التالي وجدنا الأخشاب قد سُرقت، وعرفنا أن السارقين هم بعض الشباب المسيحيين، الذين كانوا يلعبون الكرة في أرض مجاورة تابعة للكنيسة. كان ذلك قبل وقوع معركة أهلية شهيرة بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة، بعدها أنتج فيلم حسن ومرقص.
ما أزال أتذكر لما اشترى الوالد هاتفًا ذا كاميرا. كان اختراعًا عجيبًا في نظرنا. كنا نقضي أوقاتًا طويلة مستلقين بجواره نشاهد ما يمكن أن يفعله بهذا الموبايل ذي الخصائص الجبارة. ما أزال أتذكر أن الوالد خدعني وجعلني أتشكك وأتخوف من كل شيء حولي. قام الوالد بتصوير صورة والده المتوفى فيديو بالموبايل، وعندما عدت من المدرسة شوفني الفيديو وأقنعني أنه كان يصور صورة عادية بالكاميرا، وأن الصورة تحركت لسبب ما. قال لي إن هذا قد يعني أن أبيه ما يزال حيًا، أو أن روحه موجودة حولنا، وصدقته!
ما أزال أتذكر أغنية إحدى المشرفات في حضانتي في الصعيد: "... ابعد ابعد يا شيطان.. أنا والله يا إخوان.. لما أسمع الآذان.. أترك شغلي مهما كان.. وأطلع أصلي فرض الله".
ما أزال أتذكر الأرجوحة المتهالكة، تمامًا كمبنى الحضانة. لقد سمعنا ذات مرة صوت سقوط شيء ما بقوة، فهرع الجميع إلى خارج المبنى ظنًا منا أنه ينهار وسيسقط فوقنا. خرجت جريًا مع الجميع رغم أنني لم أفهم سبب خروجهم.
ما أزال أذكر مديرة الحضانة، وأتذكر مدرستي الأولى، أول من علمني الألف والباء.
ما أزال أتذكر أنني كنت الوحيد من بين الأولاد الذي لا آتي للحضانة يوم الخميس، لأن أمي كانت إجازتها الخميس والجمعة. كانت المشرفة صاحبة الأغنية السابقة تقول لي يوم الأربعاء: "بكرة أجازة.. وبعده أجازة.. ويوم السبت أجيب بزازة (قنينة الرضاعة)".
ما أزال أتذكر لما عاد الوالد من العمل ذات يوم -كان يذهب إلى العمل ويعود منه على عجلة- وكنت ألعب في الشارع قرب الأرض الزراعية المنحدرة على يمين البيت، على ارتفاع مترين أو يزيد. لما جاء الأخ الأكبر ليخبرني بأن بابا جه، تحمست، لدرجة أنني تعثرت وسقطت إلى الأرض المنحدرة. لما علم بابا، جاء وأنقذني. ما يزال يتذكر هذا الموقف حتى الآن، فيقول لي: "لو مش بحبك مكنتش نطيت في النُقرة (الحفرة) عشان أجيبك".
ما أزال أتذكر لما علمت أن أمي عادت من العمل ذات يوم، لا أعلم لماذا خرجت جريًا. كما ذكرت في عدة مواضع سابقًا، كانت علاقتي بها مضطربة، ولكن يومها لسبب ما فعلت، ولكني سقطت على الأرض، وجُرحت في لساني! لا أعرف كيف أصبت في لساني وليس في وجهي أو في يدي. ما يزال الجرح موجودًا أثره حتى اليوم.
ما أزال أتذكر لما قطعت الوالدة ملابسها غضبًا، أو كما يقولون في الصعيد "شَقّتْ خَلَقَاتْها"، جراء شجار مع أبي. كنا في الإسكندرية، وجاءت زميلة لها لزيارتها في المنزل. لا أتذكر ولم أفهم ماذا قالت الزميلة بالضبط، تسبب في أن ينشب بين والديّ عراك قوي إلى هذه الدرجة.
ما أزال أتذكر أول فتاة أحببتها. لا أتذكر شكلها، ولكن اسمها كان مريم. لم أخبرها بأي شيء، ولكني أتذكر لما دخلت شوكة في رجلها وقمت باستخراجها بيدي. وأتذكر لما كنا نلعب الكوتشينة، أنا وهي وبنت ثالثة فقالت لي الأخيرة امسك لي أوراقي، فقلت إنني سوف أمسك أوراق مريم، فقالت: "ليه أنت بتحب مريم ولا إيه؟". لم أجب، ولم أخبر مريم أبدًا، وبعد انتهاء فترة الحضانة لا أتذكر أني رأيتها مرة أخرى في حياتي.
ما أزال أتذكر بيت المساند والوسائد الذي كنت أقيمه في منظرة البيت (تنطق "منضرة"، وهي غرفة استقبال الضيوف)، وكانت أمي تهدمها بعد أن تصرخ عليّ.
ما أزال أتذكر تكليف أبي لي بحماية الحمام الذي كان يجنيه (يربيه) فوق سطح المنزل، حتى لا تأتي الغربان فتأكله. ما أزال أتذكر انقباض صدري لما فشلت في أداء المهمة، وأكل الغراب حمامة صغيرة بالفعل. لم يعنفني أبي، ولكن الإحساس بأنني خيبت أمل الآخرين، وخاصة الأب، دومًا ما كان قادراً على تمزيقي من الداخل.

الانضمام إلى المحادثة