عرق البلح - كعكة غارقة في السكر
عرق البلح فيلم روائي طويل يدور حول قرية في صعيد مصر، يرحل عنها جميع الرجال، ما عدا أحمد، وهو شاب في مقتبل العمر، فيجد نفسه الرجل المسؤول عن حماية نسائها في غياب بقية الرجال. فماذا سيفعل أحمد بعدما أصبح الرجل الوحيد في القرية؟ وعندما يعود الرجال هل سيعود كل شيء إلى ما كان عليه قبل رحيلهم؟
الفكرة في أساسها تحمل إمكانات درامية كبيرة، لأنها تضع شخصية شابة في ظرف استثنائي، وتجعلها تواجه مجموعة من التغيرات في مجتمع صغير مغلق تحكمه مجموعة من العادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية. كما أن غياب الرجال يخلق حالة من الفراغ داخل القرية، ويغير شكل العلاقات بين الشخصيات، ويفتح الباب أمام مجموعة كبيرة من الصراعات والأسئلة المتعلقة بالسلطة والخوف والرغبة والغيرة والوحدة والعلاقات الإنسانية. لكن المشكلة بالنسبة إليّ لم تكن في قصة عرق البلح، وإنما في الطريقة التي كُتبت بها هذه القصة، وفي حجم المشاعر والانفعالات التي يضعها الفيلم أمام المشاهد طوال الوقت.
لماذا نصنع كعك السكر؟ لماذا لا نأكل السكر مباشرة؟ ولماذا لا نضع كمية كبيرة جدًا من السكر في الكعكة؟ ولماذا نخلط مكونات غير حلوة المذاق كالدقيق والبيض والحليب مع السكر؟ الإجابة ببساطة لأن المكونات الأخرى هي التي تجعل مذاق السكر مميزًا. ولكي نستمتع بطعم السكر في الكعكة، نحتاج إلى مكونات أخرى مذاقها مضاد لمذاق السكر، الذي يجب وضعه بين المكونات بمقدار معين. إن هذه الحقيقة البسيطة غابت عن مؤلف عرق البلح. فالفيلم بالنسبة إليّ يشبه كعكة غارقة في السكر، تصيب من يأكلها بالجزع، لا تمنحك فرصة للاستمتاع بمذاق السكر بين مكوناتها، لأن الحلاوة الزائدة تفسد التجربة بدلًا من أن تجعلها أفضل. لا أستطيع أن أصف ما حدث إلا بأنه مخرج تجرأ على كتابة السيناريو، مستهينًا بحاجته إلى موهبة وحرفة، ومتجاهلًا أصول وقواعد الكتابة الدرامية.
المشكلة ليست في وجود المشاعر داخل الفيلم، ولا في أن تكون الشخصيات غاضبة أو حزينة أو عاشقة أو خائفة إلى أقصى حد. على العكس، الدراما في الأساس تقوم على المشاعر والصراعات، ولا يمكن أن يكون هناك عمل درامي من دونها. لكن المشاعر، مثل السكر، تحتاج إلى قدر مناسب وإلى ما يوازنها. عندما تصبح كل لحظة في الفيلم مشحونة إلى أقصى درجة ممكنة، تفقد اللحظات نفسها قدرتها على التأثير. إن سيناريو عرق البلح مكتظ بالمشاعر والانفعالات والمشاحنات. كل شيء تقريبًا يبدو وكأنه في أعلى درجات التوتر، وكل شخصية تبدو وكأنها تحمل قدرًا هائلًا من الغضب أو الحزن أو الرغبة أو الخوف. لا تكاد المشاعر تهدأ حتى تبدأ مشاعر أخرى في الظهور، ولا يكاد الصراع يأخذ فرصة ليتنفس حتى يبدأ صراع آخر.
لقد شاهدت عرق البلح مرتين. في المرة الأولى بلغت منتصفه ثم توقفت. لم أشعر بأنني أرغب في مواصلة المشاهدة، لأن كمية الانفعالات التي قدمها الفيلم في نصفه الأول كانت بالنسبة إليّ مرهقة، وحكمت من خلالها على الفيلم بأنه ذو سيناريو سيء. في المرة الثانية بلغت المنتصف أيضًا، ولكنني أجبرت نفسي على المواصلة حتى النهاية، من باب الفضول لما وجدت كثيراً من الناس يمتدحون الفيلم، ويضعونه في قائمة أهم مئة فيلماً عربياً. وعلى الرغم من وقوع عدد كبير من الأحداث المهمة والمؤثرة في النصف الثاني، فإنني وجدت نفسي غير قادر على التفاعل معها كما يفترض أن أتفاعل معها. وهنا تكمن المشكلة الأساسية بالنسبة إليّ. الفيلم يحتوي بالفعل على أحداث يمكن أن تكون مؤثرة، بل إن النصف الثاني منه يتضمن تطورات كبيرة كان من الممكن أن تكون لها قوة درامية عظيمة، لكنني شعرت أن الفيلم قد استنزف كل قدرتي على الشعور والتعاطف خلال نصفه الأول. فعندما تصل إلى حدث يفترض أن يكون أكثر تأثيرًا من الأحداث السابقة، بينما تكون قد استهلكت بالفعل معظم مشاعرك في أحداث سابقة، فإن تأثير الحدث الجديد ينخفض، حتى لو كان الحدث نفسه قويًا.
وهذا من الأشياء التي أراها مهمة في الكتابة الدرامية: ليس مطلوبًا من الكاتب أن يجعل كل مشهد في الفيلم مشحوناً. وليس مطلوبًا أن تكون كل شخصية في أقصى درجات الغضب أو الحزن أو الحب طوال الوقت. المشاهد يحتاج إلى لحظات هدوء حتى يستطيع أن يشعر بلحظات الانفجار، ويحتاج إلى مشاهد عادية حتى يستطيع أن يدرك قيمة المشاهد الاستثنائية. إذا كان كل شيء مرتفع الصوت، فلن يعود هناك صوت مرتفع. إذا كانت كل الشخصيات غاضبة طوال الوقت، فإن غضبها يفقد جزءًا من قيمته. وإذا كانت كل الأحداث مأساوية، فإن المأساة نفسها لا تفقد جزءًا من تأثيرها، بل تفقد كل قدرتها على التأثير. وإذا كان كل مشهد يريد أن يجعل المشاهد يبكي أو يتوتر أو يغضب، فقد يصل المشاهد في النهاية إلى حالة من الإنهاك تجعله غير قادر على الشعور بأي شيء. وهذا تحديدًا ما حدث لي أثناء مشاهدة فيلم عرق البلح.
قد يبرر البعض ما فعله كاتب الفيلم بالقول إن القصة تدور في الصعيد، وإن الصعيد دائمًا مشحون بالكثير من المشاحنات والأحداث الكبيرة، وإن طبيعة المجتمع الصعيدي تسمح بهذا القدر من الانفعال. لكنني شخصيًا ولدت وعشت في الصعيد حوالي ثلاثة عشر عامًا، ولذلك أجد صعوبة في قبول هذا التبرير باعتباره تفسيرًا كافيًا لكل ما يحدث في الفيلم. صحيح أن الصعيديين يتسمون بالحمية وسرعة الغضب وشدة الانفعال في كثير المواقف، وصحيح أن العادات والتقاليد والعلاقات العائلية يمكن أن تجعل بعض الصراعات حادة إلى أقصى درجة، لكن هذا لا يعني أن جميع الأشخاص يتعاملون مع كل موقف باعتباره معركة، أو أن كل علاقة بين شخصين لا بد أن تتحول إلى مواجهة عنيفة، أو أن كل حدث صغير يجب أن يصل إلى أقصى درجات الانفعال. الصعيد مجتمع مثل أي مجتمع آخر، فيه الغضب والفرح والحزن والحب والغيرة، وفيه كذلك الهدوء والملل والصمت والمواقف العادية والتصرفات اليومية. لذلك فإن وضع كل شخصيات عرق البلح تقريبًا في درجة مرتفعة من الانفعال لا يجعل الفيلم أكثر صدقًا في تصوير الصعيد، وإنما يجعله صورة غير حقيقية ومبالغ فيها إلى حد بعيد.
وقد كان من الممكن أن تكون قصة عرق البلح أكثر تأثيرًا لو احتوت على مساحات أكبر من الهدوء. كان من الممكن أن نرى الشخصيات في لحظات لا يحدث فيها شيء كبير، وأن نعرفها من خلال تفاصيل صغيرة، وأن نرى علاقتها ببعضها بعيدًا عن الصراخ والمشاحنات والانفعالات الكبرى. فالمشهد الهادئ ليس مشهدًا بلا قيمة، بل يمكن أن يكون ضروريًا حتى يصبح المشهد العنيف مؤثرًا. والصمت يمكن أن يكون أحيانًا أكثر تعبيرًا من الحوار الطويل، ونظرة واحدة يمكن أن تحمل شعورًا أكبر من مشهد كامل من الانفعال. وهذا ينطبق كذلك على الأحداث. ليس من الضروري أن تحدث كارثة في كل مرة نريد فيها أن ندفع القصة إلى الأمام. أحيانًا يمكن لتفصيلة صغيرة أن تغير علاقة شخصيتين، أو تكشف معلومة جديدة، أو تجعل الشخصية تعيد النظر في قرار اتخذته. هذه التفاصيل تمنح الأحداث درجات مختلفة من القوة، وتجعل الذروة تبدو فعلًا كذروة، بدلًا من أن تكون مجرد حدث آخر في سلسلة طويلة من الأحداث مرتفعة الانفعال.
ورغم كل شيء، لا يمكنني تجاهل أن فكرة فيلم عرق البلح نفسها تمتلك قوة واضحة. وجود قرية يغادرها الرجال جميعًا، وبقاء شاب واحد فيها، يخلق وضعًا دراميًا يمكن البناء عليه في أكثر من اتجاه. علاقة أحمد بالنساء، ونظرة المجتمع إليه، وتحول موقعه داخل القرية، وانتظار عودة الرجال، كلها عناصر يمكن أن تنتج عنها صراعات كثيرة. كما أن السؤال المتعلق بمصير أحمد بعد عودة الرجال يحمل إمكانات درامية مهمة. فالشخص الذي عاش فترة طويلة باعتباره الرجل الوحيد في القرية لن يعود بالضرورة إلى حياته القديمة كما كان، وكذلك لن يراه الرجال العائدون بالطريقة نفسها، خاصة وأنه ينضج جنسياً أثناء غيابهم. ولكن وجود الفكرة الجيدة لا يعني بالضرورة نجاح تنفيذها. أحيانًا تكون المشكلة في الفيلم ليست في الحكاية التي يريد أن يحكيها، وإنما في الطريقة التي اختار أن يحكي بها هذه الحكاية. وهذا هو انطباعي النهائي عن عرق البلح، أرى أن قصة الفيلم قصة رائعة، وتحمل في داخلها الكثير من الإمكانات الدرامية، ويمكن أن تنتج عنها شخصيات وصراعات وأحداث شديدة العظمة. لكن يبدو وكأن هذه القصة، للأسف، وقعت بين يدي الشخص الخطأ.
كما ذكرنا بدايةً، مثلما يحتاج السكر إلى مكونات أخرى حتى يصبح مذاقه أفضل، تحتاج الدراما إلى التوازن بين الانفعال والهدوء، وبين الصراع واللحظات العادية، وبين الأحداث الكبيرة والتفاصيل الصغيرة. وفي النهاية، يظل عرق البلح بالنسبة إليّ مثالًا على الفرق بين امتلاك قصة جيدة والقدرة على تحويلها إلى سيناريو جيد. فالفكرة قد تكون قوية، والشخصيات قد تحمل إمكانات كبيرة، والأحداث قد تكون قادرة على صناعة فيلم مؤثر، لكن كل ذلك يحتاج إلى كاتب يعرف متى يرفع صوت الدراما ومتى يخفضه، ومتى يترك الشخصية تتحدث، ومتى يتركها تصمت، ومتى يضع السكر، والأهم: متى يتوقف عن وضعه.
تم.

الانضمام إلى المحادثة